هل يكفي معرض استعادي لإنصاف عبداللطيف الصمودي

ماذا فعلنا بأولئك الذين ساهموا في بناء الطريق الذي نسير عليه اليوم؟
الثلاثاء 2026/09/15
ذاكرة التأسيس الثقافي

إقامة معرض استعادي لعبداللطيف الصمودي بعد عشرين عاماً من رحيله ليست مجرد تكريم فني، بل استدعاء لذاكرة تأسيسية في المشهد الثقافي الإماراتي. إنها دعوة لإعادة قراءة دور جيل المؤسسين الذين صنعوا البنية الأولى للفن، وطرح سؤال الاعتراف والإنصاف في تاريخ النهضة الثقافية.

السؤال لا ينتقص من قيمة المعرض الاستعادي الذي يأتي بعد عشرين عاماً من رحيله، ولا من أهمية أن تستعيد المؤسسات الثقافية تجربة فنان سوري ترك أثراً في المشهد التشكيلي الإماراتي، بل ربما يكون العكس هو الصحيح.

مرحلة تأسيسية

المعرض الذي يعيد أعمال عبداللطيف الصمودي إلى الضوء خطوة تستحق التقدير، لأنه يعيد فتح الذاكرة على مرحلة كان فيها الفن في الإمارات لا يزال يشق طريقه من المبادرات الفردية إلى فضاء المؤسسة، ومن محاولات التجريب الأولى إلى مشهد ثقافي له جمعياته وورشاته ومعارضه وبينالياته ومؤسساته وجمهوره. لكن قيمة الاستعادة الحقيقية لا تكمن في تعليق اللوحات على الجدران فقط، وإنما في طرح السؤال الأصعب: ماذا فعلنا بأولئك الذين ساهموا في بناء الطريق الذي نسير عليه اليوم؟

عبداللطيف الصمودي بالنسبة إليّ ليس اسماً في سجل الفنانين، ولا مجرد صاحب تجربة تشكيلية تستحق العرض والاستعادة. كان جزءاً من مرحلة تأسيسية عشت بعض تفاصيلها عن قرب، حين كانت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية تتشكل، وحين كانت جماعة البانوش وغيرها من المبادرات الفنية والثقافية تعبر عن رغبة جيل كامل في أن يمنح الفن في الإمارات بيتاً ومؤسسة وصوتاً.

كانت تلك سنوات مختلفة تماماً عن زمننا الحالي؛ لم تكن البنية الثقافية التي نعرفها اليوم قد اكتملت، ولم يكن الطريق أمام الفنان الإماراتي أو المقيم في الإمارات مفروشاً بالمؤسسات والمعارض والمساحات الفنية والمهرجانات التي أصبحت لاحقاً جزءاً طبيعياً من المشهد.

عبداللطيف الصمودي يبقى شاهداً على أن الفن ليس مجرد لوحات، بل هو أيضاً بناء وطن من الذاكرة واللون؛ والوطن الذي لم يمنحه اعترافه الكامل، يظل مديناً له باعتراف أكبر

في تلك البدايات كان تأسيس المؤسسة الثقافية فعلاً من أفعال المغامرة. كان على الفنانين أن يفكروا في أكثر من اللوحة، وأن يسألوا عن الجمهور، وعن المعرض، وعن الورشة، وعن الجمعية، وعن آليات التواصل مع العالم الفني خارج حدود المكان. وكان على بعضهم أن يؤدي في الوقت نفسه أدوار الفنان والمنظم والمثقف والمبادر، وربما الدبلوماسي الثقافي أيضاً. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون المؤسس بالضرورة هو الأكثر شهرة، لكنه غالباً يكون الأكثر تأثيراً، لأن ما يفعله لا يظل محصوراً في إنتاجه الشخصي، وإنما يتحول إلى جزء من البنية التي يستفيد منها الآخرون. وفي هذه الزاوية بالتحديد تكمن أهمية عبداللطيف الصمودي.

لقد كان واحداً من أولئك الذين فهموا مبكراً أن النهضة الفنية لا يمكن أن تقوم على موهبة فردية مهما كانت كبيرة. الفن يحتاج إلى بيئة، والبيئة تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى أشخاص يؤمنون بأن ما يفعلونه اليوم سيصنع ذاكرة الغد. ولذلك فإن الحديث عن الصمودي باعتباره فناناً فقط يختزل تجربته. كان فناناً، نعم، لكنه كان أيضاً منخرطاً في بناء الحياة الفنية نفسها، في تأسيس الجمعيات والورش وتنظيم المعارض وفتح النوافذ أمام التجارب الجديدة، وفي المشاركة في اللحظة التي بدأ فيها الفن التشكيلي الإماراتي يخرج من عزلته الأولى إلى فضاء أوسع.

ولعل ما يجعل استعادة تجربته اليوم مهمة هو أن الأجيال الجديدة قد تنظر إلى المشهد الفني الإماراتي باعتباره أمراً كان موجوداً دائماً. ترى البيناليات والمؤسسات والمعارض والمساحات الفنية والتظاهرات الدولية، وقد لا تتوقف طويلاً عند السؤال: من الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا البناء؟ من الذين عملوا حين لم تكن النتائج مضمونة؟ ومن الذين كانوا يشتغلون على تأسيس تقليد ثقافي لم يكن قد أصبح تقليداً بعد؟

هنا تحديداً ينبغي أن نتذكر الصمودي. فالثقافة لا تبدأ عندما تصبح لها ميزانيات كبيرة ومؤسسات واسعة الانتشار، وإنما تبدأ عندما يؤمن عدد قليل من الأشخاص بأن الفكرة تستحق أن تولد. وفي تاريخ كل نهضة ثقافية هناك دائماً جيل مؤسس يعمل في ظروف أكثر صعوبة مما يراه اللاحقون. هذا الجيل لا يملك رفاهية انتظار البنية المناسبة، بل يصنع بعضاً من هذه البنية بيديه.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم علاقة الصمودي بجمعية الإمارات للفنون التشكيلية وجماعة البانوش وغيرها من المحطات التي ارتبطت بتكوين المشهد الفني في الإمارات. لم يكن الأمر بالنسبة إلى ذلك الجيل مجرد تنظيم معارض أو تجمع فنانين. كان الأمر أشبه بمحاولة للإجابة عن سؤال أكبر: كيف يمكن أن يصبح الفن جزءاً من الحياة العامة، لا نشاطاً هامشياً يمارسه بعض الأفراد في عزلة؟ كان ذلك السؤال، في جوهره، سؤالاً عن المستقبل.

صناع البنية التحتية

إن مساهمة الصمودي لا تقاس فقط بما تركه من أعمال، وإنما أيضاً بما ساهم في خلقه من شروط تسمح لأعمال الآخرين بأن تظهر. وهذه نقطة كثيراً ما تضيع عندما نكتب تاريخ الفن. فنحن نميل إلى الاحتفاء باللوحة المكتملة، وباسم الفنان الذي يظهر في الواجهة، بينما ننسى الأشخاص الذين بنوا المؤسسات، ونظموا المعارض، وأقاموا الورش، وربطوا الفنانين ببعضهم بعضا، وفتحوا الطريق أمام التجارب القادمة. إنهم صناع البنية التحتية الناعمة للثقافة.

المعرض الاستعادي ينبغي أن يكون بداية لإعادة قراءة جيل كامل وتوثيق أرشيفه وحفظ ذاكرته وإنصافه في تاريخ الفن الإماراتي

وإذا كان عبداللطيف الصمودي قد آمن بأن «النور سيدي، واللون مملكتي»، فإن هذه العبارة تختصر شيئاً من رؤيته للفن. النور ليس مجرد عنصر بصري، واللون ليس مجرد تقنية. إنهما لغة، وذاكرة، وطريقة لرؤية المكان والإنسان. وفي تجربة الفنان الذي يعمل في بيئة تتشكل ثقافياً أمام عينيه، تصبح اللوحة أكثر من سطح؛ تصبح محاولة لتثبيت لحظة في زمن سريع التحول.

الإمارات التي عرفها الصمودي لم تكن الإمارات التي نعرفها اليوم. كان البلد يتحرك بسرعة هائلة نحو المستقبل، وكانت المدن تتغير، والمجتمع يتغير، والعلاقات الاجتماعية تتغير، وكان الفن يبحث عن لغته الخاصة وسط كل ذلك. لذلك فإن قراءة تجربة الصمودي اليوم لا ينبغي أن تكون قراءة لأعمال فنية منفصلة عن سياقها، وإنما قراءة لمرحلة كاملة من تاريخ التحول الثقافي في الإمارات.

ومن هنا تصبح المشاركة في المعارض الدولية والاشتغال على الفعل الثقافي خارج الحدود جزءاً من هذه القصة. فالمشهد الفني لا يصبح حياً لأنه ينتج لوحات كثيرة، وإنما لأنه يدخل في حوار مع تجارب أخرى، ويستضيف الآخر، ويخرج إليه، ويتعلم منه، ويقدم له شيئاً من خصوصيته. وفي هذا السياق كان للمعارض والملتقيات والبيناليات دور يتجاوز العرض نفسه؛ كانت بمثابة جسور بين الإمارات والعالم.

واليوم، بعد عقود من تلك البدايات، تبدو الصورة مختلفة تماماً. الإمارات أصبحت واحدة من أكثر البيئات الثقافية والفنية نشاطاً في المنطقة، وصارت المؤسسات الفنية جزءاً من صورتها الدولية، وأصبحت الشارقة ودبي وأبوظبي محطات أساسية في خريطة الفن العربي والدولي. لكن كلما اتسعت هذه الصورة، يصبح من الضروري أكثر أن نتذكر البدايات، لا بوصفها ماضياً رومانسياً، وإنما بوصفها أساساً لا يمكن فهم الحاضر من دونه.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يؤلم أكثر من غيره: هل كان هذا الاعتراف كافياً في حياة عبداللطيف الصمودي؟

مفارقة مؤلمة

إن إقامة معرض استعادي بعد عشرين عاماً من الرحيل أمر مهم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن هذا السؤال. فاللوحة يمكن أن تستعيد حضورها بعد الغياب، أما حياة الفنان فلا يمكن استعادتها. والمعرض يستطيع أن يقول إن أعمال الرجل كانت مهمة، لكنه لا يستطيع أن يعيد إليه ما كان يمكن أن يعنيه اعتراف مؤسسي أو وطني في حياته.

وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلاً.

إذا كان الفنان قد ساهم في تأسيس جمعيات، وتنشيط الورش، وتنظيم المعارض، والمشاركة في بناء الحياة التشكيلية، وإذا كان قد عاش سنوات من عمره داخل الإمارات وأسهم في تشكيل مشهدها الثقافي، فإن السؤال عن طبيعة الاعتراف الذي حصل عليه ليس سؤالاً شخصياً فقط. إنه سؤال عن الطريقة التي تنظر بها الدولة والمجتمع إلى الذين يساهمون في بناء نهضتهما الثقافية.

الجنسية، في هذا السياق، ليست مجرد وثيقة إدارية. إنها بالنسبة إلى كثير من الناس التعبير الأكثر اكتمالاً عن الانتماء والاعتراف. ولذلك فإن بقاء سؤال عدم حصول الصمودي على الجنسية الإماراتية، رغم ما يُنسب إليه من إسهام في الحياة الثقافية والفنية، يظل مفارقة مؤلمة، خصوصاً عندما ننظر إلى المسألة من زاوية التاريخ الثقافي لا من زاوية الملف الإداري.

وليس المقصود هنا تحويل تكريم الفنان إلى مطالبة عاطفية أو الدخول في مقارنة بين الدول على نحو آلي. المقصود هو طرح سؤال مبدئي: كيف ينبغي للمجتمعات أن تنصف أولئك الذين ساهموا في بناء نهضتها الثقافية؟ وهل يكفي أن نكتشف قيمة الإنسان بعد رحيله، أم أن الاعتراف الحقيقي ينبغي أن يأتي أيضاً وهو بيننا، حين يكون قادراً على مواصلة العطاء والشعور بأن المكان الذي أعطاه جزءاً من عمره يراه ويقدّر ما فعله؟

هذا سؤال أكبر من عبداللطيف الصمودي نفسه. إنه سؤال يخص كل المجتمعات التي تبني نهضتها بسرعة، ثم تكتشف بعد سنوات أن بعض الذين حملوا مشاعل البدايات قد أصبحوا خارج الصورة. والنهضة الثقافية، مهما كانت قوتها، تحتاج إلى ذاكرة عادلة. فالعدالة الثقافية لا تعني فقط حفظ الأعمال في المتاحف أو إقامة المعارض الاستعادية، وإنما تعني أيضاً كتابة التاريخ بأسماء الذين صنعوه، والاعتراف بهم في الوقت الذي كانوا فيه أحياء، ومنحهم المكانة التي تتناسب مع ما قدموه.

بداية لا خاتمة

ربما لهذا السبب تحديداً يجب ألا ينتهي معرض عبداللطيف الصمودي بانتهاء أيامه.

يمكن أن يكون بداية لإعادة قراءة جيله كله. يمكن أن يتحول إلى مناسبة لجمع شهادات الذين عرفوه وعملوا معه، وتوثيق أرشيف تلك المرحلة، وإعادة نشر كتاباته وأفكاره، وحفظ أعماله، ودراسة موقعه في تاريخ الفن الإماراتي، وتعريف الأجيال الجديدة بدوره في بناء المؤسسات التي تبدو اليوم أمراً بديهياً.

فالفنان الذي ساهم في بناء مؤسسة فنية يستحق أن يكون جزءاً من ذاكرة المؤسسة. والذي شارك في تأسيس جماعة فنية يستحق أن تُدرس تجربته باعتبارها جزءاً من تاريخ تلك الجماعة. والذي ساهم في إدخال الفن إلى فضاء أوسع يستحق أن يُذكر ليس فقط بسبب لوحاته، وإنما بسبب ما فتحه من أبواب أمام الآخرين.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نهضة ثقافية هو أن تتذكر نتائجها وتنسى أصحاب بداياتها.

والإمارات، التي بنت خلال عقود قليلة تجربة ثقافية وفنية لافتة في المنطقة، تمتلك اليوم فرصة نادرة لأن تقدم نموذجاً أكثر اكتمالاً في التعامل مع جيل المؤسسين. فالاعتراف بالماضي لا يتعارض مع المستقبل، بل يمنحه شرعية أعمق. والمجتمع الذي يعرف من أين بدأ، يكون أكثر قدرة على فهم إلى أين يريد أن يصل.

لهذا فإن السؤال "هل يكفي معرض استعادي لتكريم عبداللطيف الصمودي؟" لا ينبغي أن يُفهم بوصفه اعتراضاً على المعرض، وإنما بوصفه دعوة إلى أن يكون المعرض بداية لا خاتمة.

إنصاف عبداللطيف الصمودي لا يعني فقط أن نرى لوحاته من جديد، وإنما أن نعيد وضع اسمه في المكان الذي يستحقه في تاريخ الفن والثقافة في الإمارات. يعني أن نتذكر الرجل الذي عمل في زمن كانت فيه المؤسسات الفنية نفسها فكرة تحتاج إلى من يؤمن بها. يعني أن نقرأ مساهمته في سياق جيل كامل كان يحاول أن يحول الفن من نشاط فردي إلى حياة ثقافية. ويعني، قبل كل شيء، أن نعترف بأن بناء المشهد الثقافي لا يقوم فقط على النجوم الذين تظهر أسماؤهم في الصفحات الأولى، وإنما أيضاً على أولئك الذين يشتغلون في الظل، ويؤسسون، وينظمون، ويعلّمون، ويفتحون الطريق.

عشرون عاماً مرت على رحيله. عشرون عاماً تكفي لكي يصبح الغياب جزءاً من الذاكرة، لكنها لا تكفي لكي نغلق ملف رجل ما زال يملك ما يقوله لنا عن معنى أن يكون الفنان شريكاً في بناء المكان الذي يعيش فيه.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل أقيم معرض استعادي لعبداللطيف الصمودي؟ بل: هل بدأنا أخيراً في إنصاف عبداللطيف الصمودي؟ الفرق بين السؤالين كبير. الأول يتعلق بمعرض، والثاني يتعلق بالذاكرة.

وإذا كانت الإمارات قد اختارت أن تستعيد أعماله بعد عشرين عاماً من رحيله، فإن أجمل ما يمكن أن تفعله بهذه الاستعادة هو ألا تكتفي بإعادة الضوء إلى لوحاته، وإنما أن تعيد الضوء أيضاً إلى الرجل الذي وقف خلفها، وإلى الجيل الذي أسهم معه في وضع اللبنات الأولى للمشهد الفني والثقافي.

فعبداللطيف الصمودي لم يكن يرسم فقط. كان يشارك في بناء مشهد. وكان يشارك في صناعة ذاكرة. وكان، مثل كثير من رواد البدايات، يزرع في أرض لم يكن يعرف تماماً شكل الشجرة التي ستنمو منها. واليوم، بعدما كبرت الشجرة، وتعددت فروعها، واتسعت ظلالها، ربما آن الأوان أن نتذكر من زرعها.

يبقى عبداللطيف الصمودي شاهداً على أن الفن ليس مجرد لوحات، بل هو أيضاً بناء وطن من الذاكرة واللون؛ والوطن الذي لم يمنحه اعترافه الكامل، يظل مديناً له باعتراف أكبر.

4