هل نجح ترامب في تدويل مضيق هرمز في حلف الناتو؟

تحويل ترامب أزمة مضيق هرمز إلى قضية أمن دولي في حلف الناتو أعاد رسم معادلة الردع وجعل الملاحة والطاقة جزءًا من الأمن الاستراتيجي العالمي.
الجمعة 2026/07/17
أمن حلف الناتو مرتبط بأمن الملاحة في المضيق

نجح الرئيس ترامب في تحويل أزمة مضيق هرمز إلى قضية تهم حلف الناتو، حيث تضمن البيان الختامي لقمة أنقرة بندًا يربط أمن الحلف بحرية الملاحة في المضيق، ويشدد على ضرورة منع إيران من حيازة السلاح النووي، وضمان حرية الملاحة وتأمين خطوط إمداد الطاقة العالمية في مضيق هرمز. ورغم أن ترامب واجه بعض التردد الأوروبي في إرسال قوات وتشكيل قوة بحرية دولية مشتركة لمرافقة السفن التجارية وحمايتها قسرًا، وسط تباينات أوروبية سعت لاحتواء التصعيد ومنع توسع المواجهة العسكرية، فإن بريطانيا وفرنسا أعلنتا جاهزيتهما لنشر بعثة عسكرية لحماية الملاحة. كما قام الناتو بإسقاط طائرات مسيّرة إيرانية قرب قاعدة إنجرليك، وحصلت واشنطن على دعم الحلف للضربات الأمريكية الواسعة ضد مواقع وزوارق إيرانية، واصفًا أمين حلف الناتو مارك تلك الضربات بأنها ضرورية للغاية إثر انتهاك طهران لوقف إطلاق النار.

عرض ترامب أن تكون واشنطن حارسًا للمضيق، وهو ما أثار حفيظة إيران وقوبل برفض من قانوني الأمم المتحدة، وعلى إثر ذلك تراجع ترامب عن خطط فرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة.

في المقابل، وبعدما فقدت إيران أوراقها في سوريا ولبنان، وأيضًا في العراق بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن وتعهده بتعزيز علاقات العراق بالولايات المتحدة وتسليم العناصر المسلحة أسلحتها للدولة، كان هدف الزيارة تفكيك الحشد الشعبي العقائدي. وصف ترامب الزيدي بأنه محارب ومعجب بأميركا، واكتفى الزيدي بالرد على مقتل سليماني والمهندس بقوله: “في ذلك الوقت لم أكن أعمل في المجال السياسي، وزيارتي هذه جاءت للتحدث عن المستقبل، وماذا سنفعل معًا، ولسنا معنيين بالماضي القديم وقد اكتوينا بما عانيناه”. لكن ترامب هاجم أمين حركة النجباء أكرم الكعبي المطلوب على اللائحة الأمريكية، معتبرًا أن سليماني والمهندس يمثلان رموز المقاومة.

إيران التي راهنت على المضيق كورقة تفاوض وجدت نفسها في فخ دولي بعدما نجحت واشنطن في تدويل الأزمة وربطها بمصالح العالم الاقتصادية والأمنية

أرادت إيران فرض معادلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط بعدما رفضت السعودية، كدولة إقليمية كبيرة، أن تمر سفنها بالممر الإيراني أو تنحرف بعد المرور بالممر العُماني، وهو ممر تعتبره السعودية ممرًا خليجيًا تتقاسم دول ضفتي الخليج العربي هذا الممر مع إيران، وليست إيران وحدها التي تطل عليه. وهو في الوقت نفسه ممر دولي لا يحق لأي طرف التحكم فيه أو إغلاقه. فأقدمت إيران على ضرب سفينتين تابعتين للسعودية وقطر اللتين رفضتا تغيير مسارهما إلى الجانب الإيراني وأخذ تصريح، فتوتّرت العلاقات من جديد بعد مرحلة من المهادنة، وأرادت طهران إرباك المشهد ونقل التوتر من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب.

تتابع السعودية منذ فترة هجمات مكثفة للحوثيين على محافظتي الحيس والخوخة المطلتين على باب المندب، لكن فشل الحوثيين في تحقيق أي هدف من أهدافهم بسبب ضعفهم وقوة الجيش الوطني. ولن تقبل السعودية أن يتحول مطار صنعاء إلى منصة إيرانية تمس السيادة اليمنية، وستتخذ الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والقانونية والعسكرية لمنع المساس بالسيادة. كما لن تقبل السعودية أن يطلق الحوثيون حرب إسناد لإيران بعد فشل حزب الله في حرب إسناد جديدة لها.

بدأت طهران تحويل الأنظار من ممر هرمز إلى افتعال أزمة جديدة مع السعودية عقابًا لها على رفض أخذ تصريح لسفنها من إيران هي وبقية دول الخليج، ومحاولة كسر الحصار المفروض على الحوثيين وفق القرار الأممي 2216 حتى ينفذ الحوثيون خارطة الطريق بينه وبين الحكومة الشرعية. فحاولت طائرة مدنية اختراق السيادة اليمنية لنقل وفد حوثي للمشاركة في عزاء مرشد إيران السابق علي خامنئي، ورغم تحذير الطائرة إلا أنها رفضت تلك التحذيرات وأصرت على نقل الوفد، وعند العودة تم تحذيرها كذلك فلم تلتزم، فقامت طائرات بضرب مدارج المطار حفاظًا على سيادة اليمن. ولا تزال السعودية تستخدم المرونة الدبلوماسية لجعل باب الحوار مفتوحًا والالتزام بالقانون الدولي.

تعتقد طهران أنها قادرة على فرض معادلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط على غرار المعادلة التي فرضتها في لبنان، وهي حقيقة تتزامن مع مصالح الحوثيين الذين يتوقون إلى فك الحصار، لكن إيران كانت تطلب منهم التريث، واليوم وجدت مصلحتها في تحريك ملف باب المندب.

تلقت إيران نحو 140 ضربة دقيقة ونوعية استهدفت قواعد عسكرية للحرس الثوري الإيراني في جزيرة سيرك وفي مناطق هرمزغان وفي مدن بندر عباس وبوشهر وشهبار، منهية بذلك ترامب الهدنة الموقعة مع طهران بعد ضرب السفينتين السعودية والقطرية، وهما الدولتان اللتان منعتا توسعة رقعة الحرب وسعتا للتهدئة واللجوء إلى الدبلوماسية. وتواصل أمريكا ضرباتها بموجات جديدة ضد إيران، وتوسعها على الساحل الإيراني بعد إعادة فرض الحصار.

تمتلك الولايات المتحدة أوراقًا كثيرة، وتدرك السعودية ذلك، إذ تدير فقط التهديد لحماية أمنها واقتصادها دون الانزلاق إلى أي مواجهة مفتوحة، رغم تعرض كل دول المنطقة لضربات إيرانية

رغم ذلك، لم تلتزم طهران بأي عهود، حتى سلطنة عمان تعرضت لضربات منها، ودخل مضيق هرمز اختبار الردع الدولي، وتم وقف ترخيص بيع بترولها وعودة حصار الموانئ الإيرانية مرة أخرى. فهل فشلت طهران في إدارة الحرب ضدها؟ وهل واشنطن والناتو قررا التخلص من الحرس الثوري في اجتماع أنقرة؟ وهل هناك بديل جاهز يدير إيران؟ بالطبع تود واشنطن أن يكون هذا البديل تابعًا لها على غرار العراق بعد زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن لتعزيز العلاقات بين البلدين.

أمهلت أمريكا إيران لتقديم تعهد علني بوقف الهجمات على السفن التجارية، وهو بطبيعة الحال بمثابة استسلام، لتجد نفسها في مأزق بعدما شعرت أن مضيق هرمز فخ أمريكي سقطت فيه. لذلك نشر باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وممثل طهران في المفاوضات، صورة لفقرة على منصة “إكس” من مذكرة التفاهم تقول إن طهران تمنح حق تحديد ترتيبات العبور في المضيق، وهي عبارة مبهمة وغامضة. لقد ورطت أمريكا طهران في ممارسة أدوار تطالب السفن المارة بدفع رسوم، وعندما هاجمها العالم ورفض الانصياع لدفع هذه الرسوم، اكتشفت طهران أن واشنطن ورطتها مع المجتمع الدولي، فتراجعت عن فرض الرسوم وطلبت فقط أخذ إذن لكل سفينة تمر. رفضت السعودية ودول أخرى الرضوخ لهذا الطلب، فأقدمت طهران على ضرب السفن، فتلقّت ضربات دقيقة لقواعد الحرس الثوري، وهي أهداف لم تُضرب سابقًا، لأن أمريكا تقود حربًا تكتيكية وتفاوضية أيضًا لإدارة الاقتصاد العالمي ومنع دخوله في ركود تضخمي. ظنت طهران أن واشنطن ستتوقف عن ضربها بعد تحقيق الأهداف التي وضعتها وحشد الجيوش في المنطقة.

رغم ذلك، ذكر باقر قاليباف على منصة “إكس” أن زمن الاتفاقيات غير المتكافئة قد ولى، متعاملًا وكأنه يمثل دولة عظمى، متجاهلًا أن ترامب يروض إيران عبر حرب تكتيكية وليست حرب احتلال كالعراق وأفغانستان، وكذلك عبر المفاوضات، وهي حرب غير متكافئة. لم يتبقَّ لدى إيران أوراق تستخدمها بعدما ظنت أن هرمز ورقة تفاوض، فيما كان فخًا لها. بل أعطت إيران أميركا ورقة مهمة لتدويل مضيق هرمز دوليًا، إذ إن ما تقوم به يهدد مصالح العالم، وكل أذرعها وعلى رأسها حزب الله تم إضعافها. واليوم هناك مفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بعدما وافقت الأخيرة على ربط مذكرة التفاهم بلبنان، لكن ذلك لم يحدث، بعدما كان ترامب غاضبًا من أوروبا التي رفضت المشاركة في هذه الحرب.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أوراقًا كثيرة، وتدرك السعودية ذلك، إذ تدير فقط التهديد لحماية أمنها واقتصادها دون الانزلاق إلى أي مواجهة مفتوحة، رغم تعرض كل دول المنطقة لضربات إيرانية. وهي تحاول التوسط بين الجانبين للسعي نحو التهدئة وحماية المنطقة من الانزلاق نحو الانفجار، ووقفت أمام تغيير النظام دون بديل جاهز الذي يقود إلى خلق فوضى في المنطقة، وقد تقود إلى حروب أهليه تنعكس على دول الخليج.

5