هل تتراجع واشنطن عن دور "شرطي المنطقة"

اليوم، البنية الناشئة أقرب إلى شبكة من التقاطعات؛ حيث تملك السعودية الثقل الاقتصادي والديني، وتركيا القوة العسكرية، وباكستان الوساطة، وقطر قنوات الاتصال.
الثلاثاء 2026/06/30
هل تؤسس "مذكرة إسلام آباد" لنظام إقليمي جديد؟

في عام 1969، أعلن ريتشارد نيكسون عن مبدأ سيُعيد رسم خريطة الالتزام الأميركي في العالم: واشنطن ستُقدّم الدعم لحلفائها، لكنها لن تتولى بنفسها عبء الدفاع عنهم في كل مكان. كانت فيتنام قد علّمت أميركا أن الحضور العسكري المفرط تُستنزف فيه الثروة والإرادة معا. فكانت “سياسة الركيزتين التوأمتين” في الخليج: إيران الشاه والسعودية قوتان محليتان تحرسان المنطقة نيابةً عن واشنطن، التي تبقى قوة موازنة من الخلف.

خمسة وخمسون عاما لاحقا، تُوقَّع مذكرة إسلام آباد التي أنهت حرباً امتدت خمسة عشر أسبوعاً. المذكرة أُبرمت بوساطة باكستانية – قطرية، بدعم سعودي – تركي – مصري – عُماني، وبمباركة أميركية لم تُخفِ طابعها التشاركي لا الإملائي. السؤال الذي يطرحه هذا المشهد ليس: ماذا أنهت المذكرة؟ بل: ماذا بدأت؟

مبدأ نيكسون كان في جوهره اعترافا بحدود القوة الأميركية. واشنطن لا تستطيع أن تكون في كل مكان وأن تخوض كل معركة. لكنه كان أيضاً معادلة هرمية واضحة: الركيزتان التوأمان تعملان في ظل مظلة أميركية لا تُناقَش. الحرية الممنوحة للحليف المحلي كانت تشغيلية لا إستراتيجية.

ما نشهده اليوم مختلف في بنيته. مذكرة إسلام آباد لم تُبرَم بين قوتين إقليميتين مُختارتين من واشنطن، بل بين منظومة متعددة الأطراف تتقاطع مصالحها في نقطة واحدة دون أن تتطابق في كل شيء. باكستان وقطر وساطةً، والسعودية وتركيا ومصر وعُمان دعماً، وواشنطن شريكاً لا حكَماً. هذا التعدد ليس ضعفاً في البنية بل سمة تُميّزها عن سابقتها: النظام الجديد أقل هرمية وأكثر شبكية.
المفارقة أن نيكسون بنى مبدأه بعد استنزاف فيتنام، وها هي واشنطن تُعيد تموضعها بعد استنزاف عقدين في أفغانستان والعراق. التاريخ لا يتكرر لكنه يتقافز.

الأكثر دلالة في مذكرة إسلام آباد ليس توقيعها، بل من وقّعها. باكستان، الدولة التي عانت لعقود من اتهامات بازدواجية الولاء وبالتغاضي عن شبكات متشددة تعمل من أراضيها، تجد نفسها فجأة في موقع الوسيط الموثوق بين أطراف لم تجمعها طاولة واحدة من قبل.

هذا الارتقاء الباكستاني ليس مصادفة. إسلام آباد تمتلك ما لا تمتلكه قطر من ثقل جغرافي وإستراتيجي، وما لا تمتلكه السعودية من مسافة ظاهرة عن الانقسامات الطائفية العميقة في المنطقة. باكستان جسر طبيعي بين العالمَين العربي والإسلامي الأوسع، وموقعها يجعلها قادرة على التحدث مع طهران ومع الخليج ومع واشنطن في الوقت ذاته.

لكن هذا الدور الجديد يضع باكستان في اختبار. الدولة التي تتولى الوساطة الإقليمية لا تستطيع أن تبقى في حالة هشاشة داخلية لا تُحمد. حركة طالبان الباكستانية التي تشنّ هجمات على أراضيها وجيش تحرير بلوشستان الذي يُعمّق انعدام الأمن في الجنوب الغربي يُشكّلان تهديدين لمصداقية إسلام آباد وهي تتقدم لتقود في الخارج. دولة لا تستطيع ضبط أمنها الداخلي لا يمكنها طويلاً أن تُقدَّم نموذجاً للاستقرار الإقليمي. هذا التناقض هو أشد الاختبارات قسوة أمام الدور الجديد.

لعل أكثر عناصر المذكرة كشفاً للتحول الإستراتيجي كان ردّ الفعل الإسرائيلي وردّ الفعل الأميركي على هذا الردّ. اليمين الإسرائيلي الذي اعتاد أن تكون واشنطن الحكم الأول والأخير في أي ترتيب إقليمي وجد نفسه أمام قرار أميركي لم يُعطَ فيه حق النقض. واشنطن لم تتراجع ولم تُهادن، بل أرسلت رسالة هادئة لكنها بالغة الوضوح: أولوياتنا الإستراتيجية لن تُرسم وفق رغبات شركائنا، مهما كانت طبيعة العلاقة معهم.

هذه الاستقلالية في القرار الأميركي ليست انفصالاً عن إسرائيل، لكنها إعادة تعريف لطبيعة الشراكة. إسرائيل ستظل حليفاً محورياً، لكن الهيمنة الأميركية في المنطقة لم تعد تعني حق الحليف في تحديد أجندتها الإستراتيجية الشاملة. هذا تحول ذو أهمية كبرى لو استمر ولم يكن مجرد لحظة ظرفية.

ما يجعل النظام الناشئ مختلفاً جوهرياً عن سابقاته هو غياب مركز ثقل واحد. في عصر الهيمنة الأميركية الكلاسيكية، كان الكل يدور في مدار واشنطن. في عصر “الركيزتين التوأمين”، كان ثمة هرم واضح. أما اليوم، فالبنية الناشئة أقرب إلى شبكة من التقاطعات: السعودية تملك الثقل الاقتصادي والديني، وتركيا تملك القدرة العسكرية والحضور في الأزمات الساخنة من سوريا إلى ليبيا إلى أذربيجان، وباكستان تملك الوساطة المقبولة من أطراف متعارضة، وقطر تملك قنوات الاتصال مع الجميع بمن فيهم من لا يتحدث معهم أحد.

هذه القوى لا تتفق على كل شيء. تركيا والسعودية تقفان على طرفَي عدد من الملفات. باكستان لها حساباتها مع إيران المختلفة عن الحسابات الخليجية. قطر ترعى علاقات مع أطراف تعدّها الرياض خصوماً. لكن هذا التعدد في المصالح، المتقاطعة لا المتطابقة، هو بالضبط ما يجعل النظام الجديد أكثر صلابة من الأنظمة الهرمية السابقة: حين تُقرّر قوة واحدة الانسحاب أو التحوّل، لا ينهار الهيكل لأنه لا يعتمد على عمود مركزي.

لا يمكن قراءة هذا التحول دون الإشارة إلى المتغير الصيني. بكين التي أنجزت مصالحة سعودية – إيرانية عام 2023 أثبتت أنها قادرة على اللعب في الملعب الذي كان حكراً على واشنطن. والسؤال الذي تطرحه مذكرة إسلام آباد بشكل غير مباشر هو: هل يمكن أن يتقاطع الأميركي والصيني في دعم منظومة استقرار إقليمية، حين تكون مصالحهما متقاربة في منع الفوضى حتى وإن تعارضت في ملفات أخرى؟

هذا التقارب الوظيفي لا يعني تحالفا ولا تناغما إستراتيجيا. لكنه يشير إلى احتمال لم يكن مطروحا بجدية من قبل: عالم يتراجع فيه “السلام الأميركي” لكن دون انهيار النظام الدولي، لأن قوى أخرى، بعضها حليف لواشنطن وبعضها منافس لها، تشترك في مصلحة استقرار الممرات البحرية وأسواق الطاقة وتجنّب الانهيارات الكبرى.

إذا صحّ هذا السيناريو، فإن “السلام الأميركي” لن يُخلَف بـ”سلام صيني” ولا بفوضى شاملة، بل بنظام أكثر تعقيدا وأقل قابلية للإدارة المركزية، لكنه أيضا أقل عرضة للانهيار الكامل حين تتعثر قوة واحدة.

قد تُسجّل مذكرة إسلام آباد يوما ما في كتب التاريخ لا بوصفها وثيقة أنهت حرباً، بل بوصفها علامة على انتقال من عصر إلى عصر. من عالم كان فيه الشرق الأوسط ملعباً تحدد واشنطن قواعده وتُعيّن حكّامه، إلى عالم تتشارك فيه قوى متعددة عبء الإدارة ومكاسبها وأعباءها.

لكن اللحظات التاريخية الكبرى لا تُقرأ صحيحةً إلا بمسافة زمنية. ما يبدو اليوم كتحول هيكلي قد يتكشّف غداً أنه كان هدنة ذكية في انتظار عودة القديم. البنية الجديدة تواجه اختبارات لم تُجرَّب بعد: كيف ستتصرف حين تتعارض مصالح أطرافها تعارضا حادا؟ وكيف ستدار أزمة لا يجمع أطرافها قاسم مشترك يكفي للتسوية؟

السؤال المفتوح الذي تتركه مذكرة إسلام آباد ليس فقط: هل ستصمد هذه البنية الجديدة؟ بل: هل نحن فعلا أمام لحظة تأسيسية لنظام إقليمي جديد، أم أننا نُحسن تفسير حدث ظرفي بمصطلحات أكبر منه؟

1