"نُوردِك" سيرة جيلٍ عاش في ظل الهزيمة ونجا عبر الحكاية
من ميزة القصص القصيرة أنها تكثف اللحظات السردية وتزرع شخصياتها بعناية في أذهان القراء، شخصيات قد لا تكون كاملة أو واضحة، ولكنها بالتأكيد مؤثرة بعمق. هذه السمات حاضرة في شخصيات المجموعة القصصية "نُوردِك… وقصص أخرى"، التي تؤرخ لجزء مجهول من سوريا.
هناك أصوات لا تنتمي إلى الضجيج، بل تسكن هامش الأشياء؛ تصدر خافتة، لكنها تبني لها مكاناً في الذاكرة كما تبني الحصى الصغيرة جدارات البيوت الطينية في أقصى البادية. الكاتب السوري موسى رحوم عبّاس، هو أحد تلك الأصوات. لا يزاحم الضوء، لكنه يعرف تماماً أين يزرع ظلّه، ولا يدّعي البطولة، بل يعيد تعريفها من خلال المهزومين، المغيبين، الذين تآكلهم الزمن دون أن تتآكل حكاياتهم.
في عمله القصصي بعنوان “نُوردِك… وقصص أخرى”، الصادر عن دار سامح للنشر في السويد، يقدم رحوم عبّاس تسع عشرة قصة قصيرة، موزعة على 168 صفحة، لكنها -في حقيقتها- ليست مجرد قصص، بل هي نوافذ على أرواحٍ تعيش في العتمة، وتحاول أن تتلمّس طريقها وسط التواءات المنافي وتيه الذاكرة.
إنقاذ الذكرى
ما يُميز هذه المجموعة القصصية أنها لا تتعاطى مع “القصة” بوصفها وحدة درامية مغلقة، بل كجزء من نسيج متداخل، حيث تنبثق السرديات من عمق الواقع لتصير أقرب إلى مرآة تتشظّى في يد سجين، أو حكمة غائمة في فم شحاذ، أو هذيان نافر في مقهى جامعي يحاصره العسس والكوابيس.

في مجموعته القصصية “نورْدِك” يخطّ عباس سرداً مشبعاً بالحزن والمفارقة، ويستبطن هشاشة النفس الإنسانية في مواجهة الطغيان اليومي، من خلال شخصيات تتوارى خلف أقنعة القسوة أو الغرابة، لكنها تنفجر في لحظة ما، كاشفةً عن أعماق موجعة تنوء بالحياة.
في قصة “اعترافات خَلُّوف الشيَّال” نقف أمام شخصية متفردة، رجلٌ انكفأ على ذاته حدّ العزلة، وارتضى أن يكون حمّال أوزار غيره منذ الطفولة، حتى تحوّل لقبه إلى وصمة ترمز لوظيفة عبثية في حياة لا تكافئ الشجاعة، بل تعاقبها. عبر دفتر اعترافات يسلمه للراوي -في مشهد يكاد يكون وداعياً- يتجلى “خَلُّوف” ككائن محطم، تتراكم داخله الخيبات والعزلة والخذلان، حتى ينطق بما يشبه الوصية، أو الصرخة الأخيرة لرجل تآكلته البلاد التي لم تمنحه سوى الخسارات.
أما في “أفلاطون النُّعيمي” فنصادف الطالب البدوي الذي يحمل اسماً فلسفياً يثير التهكم، لكنه يعيش الفلسفة كحالة وجودية حارقة، لا كمقرر أكاديمي. في رأسه يحيا كبار المفكرين، يحاورهم، يختلف معهم، يصوغ من ذاته مسرحاً للصراع بين العقل والجنون، الوعي والقهر. القصة تنتهي بنص مدهش: أوراقه التي ألقاها أمام أستاذه فارغة إلا من آثار أصابعه وألوان الطلاء، في مجازٍ عن المعرفة التي تعاش جسدياً، لا تنظّر فقط، وعن العالم الذي يلتهم صوت المختلفين بصمتٍ أبيض.
في “نورْدِك”، القصة التي منحت عنوانها للمجموعة، يمضي الكاتب في تأمل ميتافيزيقي في المشي كفعل وجودي. من دروب البادية السورية، حيث الخطو كان ضرباً من التحدي والبقاء، إلى مشية الشماليين في المدن الباردة، حيث العصيّ المزدوجة ترفع الرأس وتثبت الجسد، تصبح “المشية” سؤالاً عن الهوية والكرامة والانكسار. إنه نص عن المنفى الصامت، عن أجساد تمشي كي لا تموت، ووجوه تُحدق في الأرض خشية أن ترى ما لا تحتمل.
في “الخاتم” يُفكّك الكاتب بمرارة وسخرية طقسًا احتفالياً سرياً في مضافة قروية، حيث يتواطأ الفاشلون والمثقفون على لعبة عبثية يديرها شيخ، في محاكاة جليّة لحال بلد يتقن خداع الذات. الخاتم -الذي لم يعثر عليه الراوي أبدا- يتحول إلى رمز مفقود لمعنى الحياة أو جدوى النضال. وعندما يصل البطل إلى لاس فيغاس، يعود بحثه إلى الدوران: لا عن مال أو متعة، بل عن ذلك الخاتم الذي لم يجده يوماً في وطنه.
في “المَلْكُوف”، الاسم الذي ظل يلاحق الأخ سريع الحركة منذ الطفولة، تُعرّي القصة المجتمع المدرسي بما فيه من قسوة وتسلط، حيث يختبئ الجبن خلف التنمّر، وتغدو الألقاب أداة عنف رمزي. تصعد القصة إلى لحظة اعتراف صادمة، حين يكشف الأخ في مشهد درامي بديع عن مصير زميله (م . ص) الذي تحوّل من تلميذ كسول إلى فدائي مقتول. كأن الزمن قد دار بعبثه ليدين البراءة الأولى، ويطوي الأحلام تحت غبار الحرب.
أما “اللِّيدي خاتون” فهي حكاية امرأة استثنائية، تنتمي إلى بادية منسية لكنها تنطق بلغة الآخر، امرأة وُلدت في الأطراف وامتلأت بروح المركز، فصارت رمزاً للتمرّد الناعم. عبر سرد حفيدها، نراها بوصفها “حبّابة” تُشبه التاريخ الذي لم يُكتب بعد، تفتح ألبوم صور بيروت كما لو أنها تُفكك الزمن وتعيد تركيبه. قصتها تسائل النسق الأبوي، وتعرّي السلطة من لغتها الخشبية، وتعلن -بحزن خفي- أن المختلفين في هذا العالم غالباً لا يُفهمون إلا بعد فوات الأوان.
◄ في مجموعته القصصية "نورْدِك" يخطّ عباس سرداً مشبعاً بالحزن والمفارقة، ويستبطن هشاشة النفس الإنسانية في مواجهة الطغيان اليومي
هذه النصوص، بما تحمله من كثافة شعورية ومراوغة فكرية، ليست مجرد حكايات، بل شظايا مرآة يتأمل فيها الكاتب ذاته وبلاده وناسها، في محاولة متكررة للإمساك بما تبقى من الكرامة واليقين والذاكرة.
في زمن تتكاثر فيه الحكايات وتُستهلك كما تُستهلك الأخبار العاجلة، يأتي هذا العمل كصفعة تأملية، تذكّرنا بأن السرد ليس تزجية وقت، بل مقاومة ضد النسيان، ضد التبسيط، ضد تذويب الهويات.
أسلوب الكاتب يميل إلى تداخل الواقعي بالمتخيّل، اليومي بالرمزي، حيث لا فاصل واضحا بين ما جرى وما كان يجب أن يجري، بين الضحك والبكاء، بين السكينة والانفجار. وهنا تتجلى براعة موسى رحوم عبّاس: هو لا يقدم حكاية جاهزة، بل يبني عالماً تتساقط فيه الحكايات كما يتساقط الغبار عن كتاب قديمٍ فُتح بعد طول نسيان.
بطولة هذه القصص ليست انتصارات يحتفى بها، بل هي خيبات تُستعاد، لا لتمجيدها، بل لفهمها، وتأمل هشاشة الإنسان أمام عنف القدر. البطولة هنا لا ترتبط بالسيف، بل بالصبر؛ لا بالنجاة، بل بقدرة السرد على إنقاذ الذكرى من فم النسيان.
ويكتب عباس في أحد مقاطع العمل مشهداً يصف فيه تجربة مروره في مؤسسة “نوبل”، وهي صورة رمزية لا تخلو من عبث وجودي:
“في مؤسسة ‘نوبل’ كنت عارياً تماماً، ثم توقفت وسط صالة كبيرة محاطة بالصور لرجال غريبي الهيئات بقبعات ومن دونها، ولنساء متقدمات في العمر من دون زينة أو مجوهرات. الصورة الكبيرة التي تقف أمامها، كانت لرجل ملامحه عربية، وجهه متعب، لكنه يبدو كفرعون هارب من أحد أهرامات الجيزة.”
إنه مشهد مدهش، تتقاطع فيه هشاشة الجسد أمام السلطة المعرفية الغربية، مع عبثية الانكشاف الذي لا يضمن النجاة، ولا ينقذ من الريبة. هنا يعري الكاتب ذاته من الأسلحة المجازية، من الهوية المفروضة، ليعلن عريه الاختياري: إنه لا يخفي شيئاً، لكن ذلك لا يعني أنه مُتقبل، بل أنه “مرئي” حتى الانكشاف التام.
وفي العبارة الأخيرة التي تأتي كهمسة من الأم: “احذر أن ترمي نفسك في نهر لا تتقن السباحة فيه،” نقرأ وصية سردية تتجاوز حدود القصة إلى أخلاقيات الوجود نفسه: ما الذي نخسره حين نغامر بدخول سياقات لا تعترف بنا؟
سيرة جيلٍ بأكمله
الحنين في نصوص موسى رحوم عبّاس ليس زمنياً فقط، بل هو أداة تحليل نفسي واجتماعي وتاريخي لذات ممزقة بين مرجعيات متعددة. فالغربة ليست فقط في الجغرافيا، بل في اللغة، في الذاكرة، في النظرات التي تحاصر جسدك في المؤسسات، وفي الصالات، وفي المخافر. لكنه لا يستسلم لفكرة “الضحية”، بل يعيد إنتاج الغربة كمساحة إبداع، تتيح للكاتب تفكيك بنية السلطة، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو اجتماعية.
وهنا نستحضر سيرة الكاتب ذاته، لا كعنصر خارجي، بل كامتداد عضوي لعمله الإبداعي. وُلد موسى رحوم عبّاس في قرية كسرة مريبط، بريف مدينة الرّقة، وهي بيئة شبه بدوية، لم تعرف الزراعة إلا مؤخراً، وفي ذلك بذور أولى لوعيٍ متوتر، يراقب تحولات الهوية الجمعية، وازدواجية الانتماء بين البداوة والحضر، بين الأصل والحركة، بين الجذر والمنفى.
دراسته للفلسفة والنفس واللغة، ثم انتقاله إلى السويد بعد محطات طويلة من الغربة والعمل التربوي، منحاه مرونة في التحليل، وعمقاً في البناء السردي، نلمسه في كل جملة، حيث اللغة لا تخدم الحكاية فحسب، بل تشكّلها، كما تشكّل الريح ملامح الكثبان الرملية.
◄ المجموعة تستبطن هشاشة النفس الإنسانية في مواجهة الطغيان اليومي، من خلال شخصيات تتوارى خلف أقنعة متعددة
من الشعر إلى القصة، ومن المقال إلى الرواية، تنوعت أعمال عبّاس، لكنها جميعاً تشترك في خاصية سردية واحدة: كل نصّ يحمل أثر اليد التي كتبت بالحبر والوجع معاً، والذاكرة التي لم تتصالح تماماً مع الماضي ولا مع الحاضر.
من دواوينه الشعرية مثل “حارس الفصول والظلال” و”فبصرك اليوم حديد”، إلى رواياته مثل “بیلان” و”الصاعدون إلى النعيم”، وإلى القصص مثل “العبور إلى مدين” و”هداليش”، نلمس حضور الذات السورية المكلومة، لا بوصفها عنواناً سياسياً، بل بوصفها حالة إنسانية، تعيش في كل من تعذّب، أو حُرم، أو نُبذ، أو نُسي.
البيت، في نصوصه، ليس فقط مكاناً مادياً، بل رمز للاستقرار المفتقد؛ والقرية ليست مجرد جغرافيا بل بنية شعورية من الحنين والرفض في آنٍ واحد. أما المدينة فهي مساحة قاسية، فيها كل شيء مؤقت، وكل شيء مشروط، حتى الهوية.
ليس صدفة أن يكون موسى رحوم عبّاس عضواً في رابطة الكتاب السويديين، وأن تصدر أعماله عن دور نشر أوروبية. ما يفعله، لاسيما في هذه المجموعة، هو محاولة جمالية عميقة لإعادة بناء الذاكرة السورية، الفردية والجمعية، في المنفى. يحول الحنين من غصة إلى نصّ، والخذلان من ألم إلى أداة تفكيك، والغربة من حالة مَرَضية إلى محرّك للمعنى.
في “نوردك”، نحن لا نقرأ القصص فحسب، بل نقرأ سيرة جيلٍ بأكمله، جيلٍ عاش في ظل الهزيمة، ونجا عبر الحكاية.