دوّان موسى الزبيدي.. نصف قرن في محراب اللغة
ليست سيرة المدرّس والباحث والمؤلف دوّان موسى الزبيدي مجرد سجل للوظائف والمناصب والكتب، بل رحلة إنسان بدأت من اليُتم والفقر، وشقت طريقها عبر التعليم واللغة، وصولًا إلى البحث والتأليف والعمل في مؤسسات إعلامية عربية.
إنها سيرة رجل لم يتعامل مع قسوة البدايات باعتبارها ذريعة للشكوى، بل حوّلها إلى دافع لبناء الذات، وظل طوال مسيرته مؤمنًا بأن قيمة الإنسان بما يعرفه ويقدمه، لا بما يحمله من ألقاب ومناصب.
التعليم والنزاهة
وُلد الزبيدي شتاء عام 1958 في قرية سورية محدودة الإمكانات، وفي السادسة من عمره فقد والده. كان اليُتم بداية مبكرة لتحمل المسؤولية، لكنه لم يتحول لديه إلى ثقافة شكوى، بل إلى تدريب على الاعتماد على الذات. وفي سنواته الدراسية الأولى ظهرت قدرته على التعلم بوضوح؛ انتقل وهو في الثامنة من الصف الأول إلى الثالث الابتدائي، وظل من المتفوقين، قبل أن يحتل المرتبة الثالثة في دار المعلمين على مستوى ست محافظات.
كان التفوق، بالنسبة إلى فتى محدود الإمكانات، أكثر من نجاح دراسي؛ فقد رسخ لديه اعتقادًا بأن المعرفة يمكن أن تكون وسيلة للارتقاء ومواجهة الظروف. ومن هنا نشأ أيضًا حسه المبكر تجاه الكفاءة والعدالة، وهو حس سيظهر لاحقًا في مواقفه المهنية وكتاباته.
بدأ حياته المهنية عام 1977 مدرسًا في ثانوية تل أبيض، لتنطلق رحلة امتدت قرابة 47 عامًا في التعليم والتدريب والبحث والإعلام والتأليف. ثم انتقل إلى الرقة، حيث عمل في عدد من مدارسها ومؤسساتها التعليمية، بينها مدرسة عمر بن الخطاب وثانوية الرشيد ودار المعلمين.
كان ينتمي إلى جيل يرى في المدرسة أكثر من مؤسسة لمنح الشهادات. فالمعلم، في نظره، صاحب معرفة ودور اجتماعي، وعلاقته بالطلاب تتجاوز حدود الحصة الدراسية. لكن المؤسسة التعليمية، مثل غيرها من مؤسسات الدولة، كانت محكومة بمناخ سياسي وإداري جعل الولاء في بعض الأحيان يتقدم على الكفاءة، وفرض على الموظف خيارات صعبة بين الصمت والاعتراض.
اختار الزبيدي في الغالب الاعتراض، انطلاقًا من قناعة بأن الوظيفة التي تفرض على صاحبها التخلي عن كرامته تفقد معناها. ومن أكثر تجاربه دلالة على ذلك ما رواه عن تكليفه مندوبًا لوزارة التربية في الامتحانات العامة في اللاذقية عام 1988. ففي شهادة شخصية كتبها لاحقًا، يستعيد أجواء من الخوف والتهديد والضغوط والتدخلات التي رافقت تلك المهمة، ويتحدث عن محاولات للتأثير في أوراق الإجابات، وعن تدخل أصحاب نفوذ، وصولًا إلى مواقف قال إنه اضطر خلالها إلى مواجهة محاولات ترهيب داخل مراكز الامتحان.
وتنبغي قراءة هذه التفاصيل بوصفها شهادة شخصية على مرحلة عاشها صاحبها، لا أحكامًا قضائية على أشخاص بعينهم. غير أن أهميتها في سيرته تكمن في أنها تكشف نظرته إلى معنى المسؤولية: الامتحان، في نظره، ليس إجراءً إداريًا، بل مساحة ينبغي أن تتساوى فيها الفرص، وألا تتحول السلطة أو النفوذ إلى طريق مختصر للنجاح.
من هنا اتخذت نزاهة التعليم لديه بعدًا اجتماعيًا. فالغش لا يظلم الطالب المتفوق وحده، وإنما يضرب الثقة في التعليم نفسه، ويبعث رسالة خطرة إلى المجتمع مفادها أن الكفاءة ليست الطريق الوحيد إلى النجاح. ولذلك كان دفاعه عن نزاهة الامتحانات دفاعًا عن أولئك الذين لا يملكون سوى علمهم.
مشروع لغوي
مع مرور السنوات، اتسعت تجربته. عمل مدربًا ومشرفًا في التدريب المستمر، وأسهم في نقل الخبرة إلى المدرسين، وتولى مهمات وزارية تتطلب الدقة والمسؤولية. لكنه لم ينظر إلى المنصب بوصفه قيمة في ذاته؛ فقيمة المسؤولية، بالنسبة إليه، بما تتيحه من خدمة الآخرين وإنصافهم.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في مقالاته، ومنها نص «وجاهة مستعارة»، الذي انتقد فيه ظاهرة الألقاب التي تكبر في ظاهرها فيما يصغر مضمونها. فهو ينتقد «الدكتور» الذي يبحث عن اللقب قبل المعرفة، و«الشيخ» الذي يستعير الهيبة من دون علم، والمدير الذي يتكئ على منصبه لصناعة قيمة شخصية، والمسؤول السابق الذي يظل أسير لقب انتهت صلاحيته بانتهاء مهمته.
هذه العناوين دليل على مشروع يتعامل مع اللغة بوصفها فضاءً متصلًا بالمعرفة والثقافة والحياة اليومية لا مادة معزولة
لم يكن نقده للألقاب مجرد سخرية اجتماعية، بل دفاعًا عن معيار رافقه منذ طفولته: الإنسان بما يعرفه وينجزه، لا بما يضعه أمام اسمه. ولهذا لم يكن ضد المكانة، وإنما ضد المكانة التي لا تستند إلى استحقاق، ولا ضد اللقب، وإنما ضد تحوله إلى بديل عن العمل.
بعد سنوات التعليم، اتجهت تجربته بصورة أوسع إلى اللغة. لم تعد العربية بالنسبة إليه مادة يدرّس قواعدها في الصف، بل صارت مجالًا للبحث والتأليف. حمل خبرته إلى عدد من البلدان العربية، ثم استقر في قطر، حيث عمل باحثًا ومدققًا لغويًا في مؤسسات إعلامية، بينها فضائيات وصحف ومجلات.
وهنا اتسعت مسؤولية اللغة. فالمعلم يراجع جملة يكتبها طالب، بينما يتعامل المدقق اللغوي في مؤسسة إعلامية مع نص قد يصل إلى آلاف القراء أو الملايين. والخطأ لا يبقى على الورق، بل يمكن أن ينتشر ويتحول إلى استعمال شائع.
وتكشف مؤلفاته عن اهتمام يتجاوز النحو المدرسي إلى علاقة العربية بمجالات المعرفة المختلفة. ففي كتابه «التطور اللغوي ومعايير الخطأ والصواب» يطرح إشكالية التغير اللغوي وحدود الفرق بين التطور الطبيعي والخطأ الذي يضعف الدقة. كما ألّف «تعليم لغة القرآن الكريم: مشكلات وحلول»، و«لغتنا والأعلام»، و«لغتنا والقانون»، و«الترجمة إلى العربية: مشكلات وحلول»، و«لهجة بني تميم وأثرها في القرآن الكريم»، و«الوجيز في دقة معاني ألفاظ الكتاب العزيز»، فضلًا عن «الخيل والفروسية في التراث العربي الإسلامي".
وتكشف هذه العناوين عن مشروع يتعامل مع اللغة بوصفها فضاءً متصلًا بالمعرفة والثقافة والحياة اليومية، لا مادة معزولة في كتب القواعد. فاللغة في القانون حاملة للمعنى والدقة، وفي الترجمة جسر بين الثقافات، وفي الإعلام أداة لصناعة الوعي، وفي النص القرآني والتراث وعاء لذاكرة ثقافية واسعة.
وتُوّج حضوره العلمي بمشاركاته ومحاضراته وعضويته في المجلس الدولي للغة العربية، لينتقل من تجربة معلم بدأ في مدرسة ريفية محدودة الإمكانات إلى فضاء ثقافي عربي أوسع.
المعرفة معيار للقيمة
لكن قيمة تجربته لا تختصر في عدد الكتب والمناصب. وراء هذه المسيرة طفل فقد والده في السادسة، وفتى اكتشف في العلم وسيلة لبناء الذات، ومدرس دخل الصفوف في مقتبل العمر، ورجل احتك بمؤسسات الدولة وعرف مظاهر النفوذ والمحسوبية، ثم ظل متمسكًا بفكرة أن المعرفة لا تكتمل من دون أخلاق.
وهنا تبرز خصوصية هذه السيرة: فالمناصب لم تغيّر معيار الرجل في الحكم على الناس. ظل يرى أن قيمة المسؤول بما ينجزه، وأن اللقب لا يمنح معرفة، وأن المكتب لا يصنع صاحبه. وربما لهذا بقي شديد الحساسية تجاه الوجاهة المصطنعة، التي اعتبرها شكلًا من أشكال التعويض عن غياب الاستحقاق الحقيقي.
ولا تعني قراءة سيرته تحويلها إلى صورة مثالية أو شخصية فوق النقد؛ فكل سيرة بشرية تحمل نجاحاتها وإخفاقاتها، ومواقفها التي يمكن أن تختلف حولها القراءات. لكن القيمة في تجربته تكمن في حفاظه على الرغبة في اتخاذ موقف، وعلى الإيمان بأن الصمت ليس دائمًا الطريق الأسلم أو الأصح.
وبعد قرابة نصف قرن من العمل، تبدو مسيرة دوّان موسى الزبيدي أقرب إلى دفاع طويل عن مفهوم الاستحقاق: أن يحصل الطالب على حقه لأنه اجتهد، وأن يصل الموظف لأنه كفء، وأن يُحترم الباحث لأنه يعرف، وأن تكون قيمة المسؤول بما ينجزه لا بحجم الكرسي الذي يجلس عليه.
لقد تغيرت الأمكنة والوظائف، واتسعت التجربة من المدرسة إلى التدريب والبحث والإعلام والتأليف، لكن الخيط الأساسي ظل حاضرًا: الإيمان بأن المعرفة في خدمة الإنسان، وأن اللغة جزء من الذاكرة والهوية، وأن المسؤولية من دون ضمير تتحول إلى سلطة فارغة.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان، بعد 47 عامًا من العمل، إلى شهادة أكبر من أثر يتركه في طلابه وقرائه. فالمناصب تنتهي، والألقاب تتبدل، والسلطة تفقد بريقها، لكن كلمة المعلم، وكتاب الباحث، والموقف الذي يُتخذ دفاعًا عن العدالة، قد تعيش أطول من أصحابها.
وهنا تحديدًا تكمن خلاصة رحلة دوّان موسى الزبيدي: رجل بدأ من اليُتم والهامش، ووجد في التعليم واللغة طريقًا إلى بناء الذات، ثم جعل من المعرفة معيارًا للقيمة، ومن الوفاء للمبدأ معيارًا للأثر.