نوري الراوي.. راوي الفرات ومهندس الذاكرة البصرية العراقية
تستذكر الأوساط التشكيلية العراقية والعربية بتقدير عال إرث الفنان الرائد نوري الراوي، الذي جمع طوال مسيرته الإبداعية بين الفرشاة والكلمة. لم يكن الراوي مجرد رسام للمنظر والذاكرة الفراتية، بل مهندسا ومؤسسا للحركة التشكيلية، وراعيا ملهما للأجيال الفنية الجديدة عبر مبادراته المؤسسية، وبرامجه المرئية، ودراساته النقدية الخالدة.
أحيت الأوساط التشكيلية في العراق الذكرى السنوية لرحيل الفنان الرائد نوري الراوي، الذي وافته المنية في 13 مايو 2014 في بغداد. ويعد الراوي أحد أبرز أعلام الفن التشكيلي العراقي والعربي، إذ لم يقتصر دوره على الإنتاج الفني فحسب، بل كان داعما أساسيا لمسيرة الفن العراقي وراعيا للتجارب الشابة، من خلال كتاباته النقدية ودراساته الموثقة التي أسهمت في تأريخ الحركة التشكيلية وتوثيق مساراتها.
لقاء أول
في صيف 1980 عُيّنت خطاطا في قسم التصميم بدائرة الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة والإعلام. كان المدير العام بالوكالة آنذاك الفنان نوري الراوي، إذ اعتاد المدير الأصلي الفنان إسماعيل الشيخلي أن يقضي صيفه في فرنسا، فينيب عنه الراوي لإدارة شؤون الدائرة.
في أحد الأيام مرّ الراوي بجولة تفقدية على أقسام الدائرة. توقف عند قسمنا، وكانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها وجها لوجه، وهو أيضا أول لقاء له بي كموظف جديد على ملاك الدائرة. على مكتبي كانت مجموعة من رسوماتي الكاريكاتيرية التي كنت أرفد بها الصحف والمجلات بانتظام. كان معي في القسم الخطاطان خليل الزهاوي وزهير محمد علي، رحمهما الله.
فنان كان يتعامل مع اللوحة كنص يحتاج إلى قراءة، ويتعامل مع التاريخ التشكيلي بوصفه ذاكرة يجب حفظها
بعد التعارف، تناول الراوي الرسومات وتأملها مليا، ثم قال “عاشت يدك، حلوات”. واستطرد “أنا أحببت الكاريكاتير من خلال ولدي رائد”. لم أكن أعرف حينها أنه والده، ورائد هو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في العراق، وأنني كنت أتابع أعماله في مجلة ألف باء خلال السبعينات.
سرّني الأمر كثيرا، وبدأت علاقتنا تتوطد. كنا نلتقي أثناء الدوام وفي المعارض، واستمرت هذه العلاقة حتى وفاته عام 2014. أما رائد، فلم ألتقِ به شخصيا حتى اليوم، وإنما عبر صفحته على فيسبوك.. اللقاء مع نوري الراوي لم يكن لقاء موظف بمديره فحسب، بل كان شهادة على تواضع فنان كبير يعرف كيف يلتقط الجهد الصغير ويشجعه، ويحوّله إلى جسر إنساني بين الأجيال.
في مدينة راوة، المدينة الصغيرة المطلة على نهر الفرات في محافظة الأنبار، ولد نوري الراوي عام 1925. المدينة بنواعيرها العملاقة، وبساتينها ونخيلها وبيوتها الطينية، لم تكن خلفية جغرافية عابرة في سيرته، بل كانت المخزون البصري والوجداني الذي عاد إليه طوال حياته.
راوة منحته إيقاع الماء والظل والضوء، ومنحها هو صورا بقيت في ذاكرة الفن العراقي كأيقونات للريف العراقي قبل أن يغزوه التحول السريع.
لكن الراوي لم يكن رساما للمنظر فحسب، بل كان كاتباً وناقداً ومؤسساً ومؤرخاً بصرياً، اشتغل على جبهتين متوازيتين: اللوحة، والكلمة.. وبهما بنى أحد أهم المشاريع الثقافية العراقية في القرن العشرين.
◄ الراوي بريشة علي الدليمي
اللافت للنظر أن اهتمام الراوي بالكتابة سبق احترافه للفن التشكيلي. نشر أولى محاولاته في مجلات عراقية عام 1937، وهو في الصف الأول المتوسط. الكتابة المبكرة منحت كتاباته لاحقا دقة لغوية وقدرة على الربط بين التحليل البصري والسياق الثقافي.
سرعان ما اتسعت رقعة النشر لتصل إلى مجلات وصحف لبنانية وعربية، فصار اسم نوري الراوي معروفاً في الأوساط الثقافية قبل أن يصبح اسمه مألوفاً في صالات العرض.
هذه البداية المبكرة تفسر لماذا ظل الراوي، حتى في لوحاته، يحكي حكاية، ليست حكاية سردية حرفية، بل حكاية مكان وناس وذاكرة، الكاتب فيه لم يمت عندما أمسك بالفرشاة، بل وجد وسيلة أخرى للسرد.
بناء المؤسسة
دخل الراوي معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1940، ضمن جيل كان يضع اللبنات الأولى للحداثة التشكيلية العراقية. هناك احتك برواد الجيل المؤسس، وتشرب المناهج الأكاديمية الغربية الممزوجة بالحس المحلي. لكن دور الراوي لم يتوقف عند كونه طالبا وممارسا.
في عام 1956 ساهم في تأسيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، المؤسسة التي وفرت للحركة التشكيلية العراقية إطاراً نقابياً ومظلة عرض وحوار. بعدها انتقل إلى المشروع الأكبر: المتحف الوطني للفن الحديث، المعروف بـ”كولبنكيان”. كان مديره الأول منذ عام 1962، وبذلك أصبح مسؤولاً عن صياغة سياسة الاقتناء والعرض والتأريخ للفن العراقي الحديث.
إدارة المتحف لم تكن وظيفة إدارية بالنسبة له. كانت امتداداً لعمله النقدي. هو الذي عرف كيف يختار، كيف يرتب، كيف يروي للجمهور قصة الفن العراقي عبر جدرانه. في تلك السنوات تشكّلت ذاكرة بصرية رسمية للحركة التشكيلية العراقية، وكان الراوي مهندسها الأول.
من 1957 إلى 1987 أعدّ وقدّم برامج الفنون التشكيلية في تلفزيون العراق. هنا تظهر خاصية أخرى في شخصيته: المثقف العام. الراوي لم يكتب للنخبة فقط، ولم يرسم للنخبة فقط. استخدم الشاشة ليفك اللوحة، ليشرح التقنية، ليعرّف المشاهد العادي على أسماء وتجارب كانت ستظل حبيسة الصالات المغلقة.
في زمن ما قبل الإنترنت، كان برنامجه بمثابة جامعة مفتوحة. أجيال من العراقيين تعرفت على التشكيل من خلال صوته الهادئ وشرحه المبسط العميق. هذا الدور الإعلامي يجعل منه حلقة وصل نادرة بين الممارسة الأكاديمية والوعي الجماهيري.
والعودة إلى الرواة تتكرر في كل مرحلة من مراحل إنتاجه. النواعير العملاقة ليست مجرد عنصر بصري، بل استعارة للحركة الدائمة والماء الذي لا يتوقف. النخيل والبيوت الطينية تتحول إلى كتل لونية وإيقاعات خطية تحتفظ بملامح الواقع لكنها تتجاوزه إلى الرمز.
اللوحة عند الفنان الراحل نوري الراوي ليست وثيقة فوتوغرافية بل إعادة تركيب للمشهد وفق ذاكرة عاطفية
اللوحة عند الراوي ليست وثيقة فوتوغرافية، بل إعادة تركيب للمشهد وفق ذاكرة عاطفية. الألوان دافئة، التراكيب متوازنة، والخط يميل إلى الوضوح الذي يسهل على المتلقي الدخول إلى اللوحة دون حواجز. هذا الوضوح لا يعني التبسيط المخل، بل ثقة فنان يعرف ماذا يريد أن يقول.
أقام الراوي وشارك في عشرات المعارض داخل العراق وخارجه. كان حضوره المستمر في المشهد يجعل منه شاهداً ومشاركاً في تطور الحركة التشكيلية العراقية. معارضه لم تكن استعراضاً للأسلوب، بل محطات لمراجعة العلاقة بين الفنان ومكانه. حتى في أعماله المتأخرة ظلت راوة حاضرة، كأن الفنان لم يغادرها قط، حتى وهو يعيش ويعمل في بغداد.
بناء خطاب
إلى جانب الممارسة البصرية، بنى الراوي خطاباً نقدياً مهماً، فمقالاته وتحليلاته لم تكن تعليقات صحفية عابرة، بل محاولات لتأصيل التجربة العراقية ضمن سياقها العربي والعالمي. كان يتعامل مع اللوحة كنص يحتاج إلى قراءة، ويتعامل مع التاريخ التشكيلي بوصفه ذاكرة يجب حفظها.
هذا الدور جعل منه مرجعاً للباحثين والطلبة. هو الذي سجل، ووثق، وكتب، في وقت كانت فيه المصادر شحيحة والتوثيق المؤسسي ضعيفاً.
أسلوب نوري الراوي لا ينتمي إلى المدرسة الانطباعية أو التعبيرية حرفياً، بل يخلق منطقة وسطى. يستفيد من الإضاءة واللون الانطباعي في تصوير الطبيعة، لكنه يحتفظ بصلابة التكوين التي تمنع اللوحة من الذوبان في الانطباع.
الموضوع محلي بامتياز، لكن المعالجة تستوعب دروس الحداثة. النتيجة لوحة يمكن لعين قادمة من أي مكان أن تقرأها، لكنها لا تخطئ في التعرف على هويتها العراقية. هذا التوازن هو ما جعل تجربته مؤثرة وقابلة للاستمرار.
ما يميز نوري الراوي عن كثيرين من معاصريه أنه لم يكتفِ بإنتاج عمله الخاص. بنى مؤسسات، أنشأ ذاكرة، علّم جمهوراً. الجمعية، المتحف، البرنامج التلفزيوني، المقالة الصحفية، كلها أدوات استخدمها لضمان أن الحركة التشكيلية العراقية لا تبقى ممارسات فردية متفرقة.
هذا الجانب المؤسسي يجعل دراسته ضرورية ليس فقط لفهم أعماله، بل لفهم كيف تشكّلت البنية التحتية للفن العراقي الحديث.
توفي نوري الراوي تاركاً خلفه أرشيفاً بصرياً ونصياً ضخماً. لكن الأهم من الكم هو النموذج الذي قدّمه: فنان لا يفصل بين الإبداع والمسؤولية الثقافية. رسم راوة كما رآها، وكتب عن الفن كما فهمه، وبنى مؤسسات كما تمناها.
اليوم، حين نتحدث عن الجذور المحلية للحداثة العراقية، يظهر اسم نوري الراوي بوصفه أحد الأعمدة. لوحاته لا تزال تحكي عن نهر الفرات ونواعيره، وكتاباته لا تزال تذكّرنا بأن الفن لا يعيش بمعزل عن الناس، وأن مهمة الفنان قد تبدأ بالفرشاة، لكنها لا تنتهي عندها.