نجوى صليبه تكتب "صيغة توافقية" لتأمل الحياة بين الواقعية والرمز
تجمع الصحافية نجوى صليبه بين زادها الثقافي ووعيها الصحفي في مجموعتها “صيغة توافقية”، لتقدم ثلاثة وعشرين نصا قصصيا يمزج بين الواقعية والرمزية، حيث تشرح الكاتبة قضايا المرأة والذاكرة والخيبات الإنسانية بأسلوب مكثف وسخرية سوداء، محولةً التفاصيل العابرة في دمشق إلى أسئلة وجودية تبحث عن توازن هش بين الذات والواقع.
بعد سنوات من الكتابة الصحفية والخوض في مجالات الفنون والثقافة والاطلاع القريب على المشهد الأدبي داخل سوريا وخارجها، استجمعت الصحافية السورية نجوى صليبه زادها الثقافي والفكري وشغفها بالكتابة لتصدر أول كتاب لها، اختارت أن يكون مجموعة قصصية، من ثلاث وعشرين أقصوصة قصيرة جدا، أطلقت عليها عنوان “صيغة توافقية”. فأي صيغة توافقية تبحث عنها صليبه في هذه المجموعة؟ وما الغاية منها؟
تبدو المجموعة القصصية مثيرة لفضول القارئ منذ عتبتها، إذ يحمل العنوان “صيغة توافقية” كثافة دلالية لافتة، يجمع بين مفردتين تنتميان إلى حقلين مختلفين نسبيا. فكلمة “صيغة” تحيل إلى التفاوض والمعادلة، وربما تشير إلى اتفاق أو قانون خفي ينظم العلاقة بين عناصر متعددة، بينما تحيل كلمة “توافقية” إلى فكرة التفاهم والبحث عن مساحة مشتركة بين أطراف أو رؤى متباينة. وكأننا بنجوى صليبه تبحث بهذا العنوان عن صيغة توفق فيها في قراءة الحياة والبشر ونفسها ضمن هذا الكتاب.
ويمكن قراءة العنوان على أكثر من مستوى. فعلى الصعيد السياسي أو الاجتماعي، قد يرمز إلى محاولة الوصول إلى تسوية بين تناقضات حادة، أو إلى صيغة تجعل المختلفين قادرين على التعايش ضمن مساحة مشتركة. أما على المستوى النفسي أو الإنساني، فقد يعكس فكرة التوافق الداخلي الذي يعيشه الإنسان بين رغباته وقناعاته والواقع الذي يفرض نفسه عليه.
◄ صليبه لا تقدم مجرد حكايات بل تقدم صيغتها التوافقية الخاصة، بأسلوبها الخاص، لفهم الحياة في الشام بكل تناقضاتها
ومن الناحية الأدبية، قد يوحي العنوان بحالة كتابة ليست مكتملة أو مثالية بقدر ما هي محاولة مستمرة لإيجاد توازن هش.
كما يلفت العنوان الانتباه إلى التوتر بين مفردتيه؛ إذ تبدو كلمة “صيغة” عقلانية وجافة نسبيا، في حين تمنحنا كلمة “توافقية” إحساسا بالمرونة واللين والبحث عن حلول، وهو تضاد قد يكون مقصودا ليعكس طبيعة النص أو القضايا التي يناقشها.
ويكتسب العنوان قوته أيضا من غموضه النسبي، فهو لا يكشف موضوع الكتاب بشكل مباشر، بل يفتح باب التأويل أمام القارئ، ويتركه يتساءل: توافق بين ماذا وماذا؟ وهل أن أقصوصات المجموعة تبحث جميعها عن فرصة للتوافق؟
وبمجرد القراءة، سيلمح القارئ بسهولة أن هذه المجموعة القصصية رحلة إنسانية مكثفة تمزج بين الواقعية المفرطة والرمزية الشديدة. من الإهداء الذي يفتح بوابة النص، وصولا إلى قصة “سباق الفقراء” في الخاتمة، يبدو أن الكاتبة تشيد عالما موازيا تعيد فيه صياغة التفاصيل اليومية العابرة لتمنحها أبعادا فلسفية ووجودية عميقة، تحت مظلة ما أسماه الناقد المصري الدكتور رضا عطية “شعرية المفارقة والتقاط العابر”، حيث تأتينا هذه المجموعة بإيجاز لغوي وسلاسة في التعبير وسخرية سوداء، تكشف عن عمق إنساني شديد.
تبدأ المجموعة بلمسة وجدانية واضحة في قصتي “عيد المرأة” و”القلب الأحمر”، مما يوحي باهتمام الكاتبة بالعالم الداخلي للمرأة ومشاعرها، هي هنا تدخلنا عالمها القصصي انطلاقا من أقرب الأشياء إليها، العالم الأنثوي باعتبارها واحدة منه وعالمة بكواليسه وقصصه وما يمكن أن نستشفه من حكم وأفكار منه وعنه، لكنها سرعان ما تنتقل بنا لتكشف عن قضايا اجتماعية شائكة، تخص العالم الأنثوي ذاته، لكن من جانب أكثر سوداوية وسخرية، فقصتا “شرف” و”العروس الجديدة” تشيران بوضوح إلى صراعات القيم والتقاليد التي تحكم الفرد في بيئته.
بهذه القصص لا تبدو نجوى صليبه مجرد سارد للأحداث، بل تحاول تشريح عالم النساء انطلاقا من الذاتي نحو الجمعي، مركزة على تشريح النظرة المجتمعية للمرأة، واصطياد اللحظات التي تتصادم فيها الرغبة الشخصية مع القيود الخارجية.
ويتجلى ذكاء الكاتبة في اختيار عناوين تعتمد على المفارقة، فعناوين مثل “من تحت الدلف إلى المزراب” تعكس حالة من اليأس الممزوج بالبحث عن مخارج، حتى لو كانت مؤقتة أو غير مجدية. أما قصة “شلة القهوة” و”في الحافلة”، فهي تضعنا في قلب المكان، حيث تُصنع الحكايات من تفاصيل بسيطة ولحظات عابرة لكنها تكشف عن سلوكيات مجتمعية، عن وعي جمعي يتناسخ. هذه هي “شعرية العابر” التي تجعل من المألوف مادة أدبية مدهشة.
وتحتل الذاكرة حيزا كبيرا في المجموعة القصصية، حيث نجد “صندوق الذكريات” و”لو بقيت ذكرى..!”. يبدو أن صليبه ترى في الماضي مرآة لفهم الحاضر أو لإعادة قراءته من زاوية مختلفة، لكن الحنين الذي تجلى في الأقصوصتين قابله سعي حثيث نحو المستقبل في “جولة جديدة” و”أمنية أخيرة”، مما يخلق توازنا دراميا بين ما كان وما تأمل الكاتبة أن يكون.
وفي قصص أخرى مثل “المثابر” و”بسرعة فائقة”، يظهر صراع الإنسان مع الزمن ورغبته في إثبات وجوده قبل فوات الأوان.
ولا تغيب القضايا الكبرى عن نسيج القصص، لكن صليبه طرحتها برمزية ذكية، وبإيجاز لغوي كبير، ومن خلال قصة “النصر المبتور” تلخص حالة الخيبة التي قد تلي الانتصارات الظاهرية والوهمية، وكيف يخرج الإنسان من الحروب مثقلا بخساراتها الكبرى. وتصل المجموعة إلى ذروتها الإنسانية في قصة “سباق الفقراء”، وهو عنوان مشبع بالدلالات الطبقية، حيث يتحول البقاء في حد ذاته إلى ماراثون منهك يخوضه المهمشون يوميا، هؤلاء المهمشون الذين نراهم في سوريا كما يظهرون في كل بلدان العالم، ويبدون “حركة عابرة” مألوفة ضمن السلم الزمني، تلتقطهم الأعين ولا تنتبه لهم العقول، لكن عبورهم ذلك حكايات مثيرة.
إن هذه المجموعة القصصية، عبر عناوينها الـ23، تبدو كأنها حقيقة مرة حاولت الكاتبة تقديمها بأسلوب لغوي بسيط وأنيق زينته بأمثال شعبية سورية وبعبارات تحيلك على المكان والزمان وتذكرك بأنك بصدد قراءة قصص دارت وقائعها في الشام، ولولا هذه الاقتباسات التي تأتيك بغتة داخل النص للاحظت أن النص صالح للعديد من الأمكنة والأزمنة، فأحداث حكاياته متشابهة، السردية اليومية هي ذاتها في الكثير من الدول العربية ومعاناة نسائها أيضا متشابهة، وحتى العادات والتقاليد وصراع الموظف اليومي مع العمل والتعاملات الإدارية.
“صيغة توافقية” مزيج من السخرية السوداء والواقعية المؤلمة، إنها أيضا دعوة للقارئ لكي يتأمل في الأمانة التي يحملها الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وسط زحام الحياة وفوضاها، والتي تناولتها الكاتبة في إحدى قصص المجموعة.
وكتب الناقد المصري في تقديمه للمجموعة “تتسم قصص صليبه بالوجازة اللغوية، فلا إطالة ولا مط، وثمة انتقال سلس بين الوصف والحوار الذي ينعش الجسد القصصي، فتصل إلى المقاصد المرادة من أقصر الطرق وأسهلها، وعلى الرغم من اقتصاد لغة السرد استعاريا، غير أن بعض الاستعارات على ندرتها تتسم برهافة تعبيرية”.
وبالفعل هناك في الحكايات رهافة تعبيرية شديدة، تحيل إلى رهافة الكاتبة ورهافة إحساسها بذاتها وبالآخر، ورهافة إحساسها بمجتمعها السوري وانتمائها إليه، رهافة تجعلنا نعيد التفكير في المجموعة القصصية التي تؤكد لنا أن صليبه لا تقدم مجرد حكايات، بل تقدم صيغتها التوافقية الخاصة، بأسلوبها الخاص، لفهم الحياة في الشام بكل تناقضاتها، من خلال عين تلتقط ما لا يراه الآخرون، عين الكاتبة الصحافية التي اعتادت الانتباه للتفاصيل وصياغة الأخبار والقصص وكتابة ما يخشى الكثيرون البوح به. وهنا تعيدنا هذه الصورة لغلاف الكتاب، الذي يبدو أن صورة المرأة فيه هي نجوى صليبه ذاتها، تدير ظهرها للقارئ موجهة نظرها للأفق الممتد أمامها وأمام القارئ، أفق الحياة المنفتحة على كل احتمالات لا نهائية، الحياة التي تخفي حكايات متشابهة ومختلفة بين هناك وهنا.
إنها مجموعة تعد بتجربة قرائية ثرية، تسافر بنا من التفاصيل الصغيرة إلى الأسئلة الوجودية الكبرى، وهي أشبه بمرآة عاكسة لحياتنا المعاصرة، حيث فقدنا انتباهنا وحساسيتنا تجاه أحداثها اليومية الروتينية، وصرنا لا نملك حلولا نهائية لمشكلاتها، ونعيش في دوامة السعي المستمر لإيجاد تسويات وصيغ توافقية تحفظ لنا شيئا من المعنى والأمل.