من يسيطر على ممرات الطاقة يسيطر على القرار السياسي العالمي
يعلمنا التاريخ أنه عندما تقترب قوة صاعدة من قوة قائمة يمكن أن يحدث تصادم إذا لم تتفاهم تلك القوى وتتقاسم النفوذ بينها بدلاً من الصدام الحتمي. مثلما حدث عندما صعدت ألمانيا لتتجاوز بريطانيا فاندلعت الحرب العالمية الأولى، وعندما صعدت ألمانيا واليابان وتحالفتا ضد أوروبا وأمريكا فاندلعت الحرب العالمية الثانية، وعندما أراد الاتحاد السوفيتي الاقتراب من أمريكا نشبت الحرب الباردة. واليوم تقترب الصين من الولايات المتحدة، وتطمح إلى أن تتخطاها اقتصادياً بحلول عام 2030، خصوصاً مع فائض تجاري لدى الصين يتجاوز تريليون دولار، في مقابل عجز تجاري أمريكي يزيد على تريليون دولار. وهذا يمثل أزمة وجودية للولايات المتحدة التي تخشى فقدان هيمنتها ومكانتها لصالح الصين، ما جعل ترامب يعكس النظرية التقليدية “من يسيطر على النفط يسيطر على العالم” إلى “من يسيطر على العالم يسيطر على النفط والثروات”.
إذاً، هدف حرب إيران هو تأخير تحقيق الصين هدفها في تجاوز الولايات المتحدة أو مقارعتها. فالولايات المتحدة تسعى إلى خنق طريق الحرير الذي يمثل نقطة مفصلية في تفوق الصين، لذلك تريد السيطرة على ممرات الطاقة التي تغذي الصناعات الصينية، وهي عصب الاقتصاد الصيني والعالمي حتى باتت الصين تُسمى “مصنع العالم”. تستورد الصين نحو 70% من احتياجاتها النفطية، بما يصل إلى 11.99 مليون برميل يومياً في أوائل 2026، وتتصدر روسيا قائمة الموردين بـ 2.7 مليون برميل يومياً، تليها السعودية بـ 1.6 مليون برميل يومياً، مع توسع الصين في استيراد النفط من إيران. وتستهلك الصين 16.37 مليون برميل يومياً، ما يمثل 15.96% من الاستهلاك العالمي، وتستورد 2.6 مليون برميل يومياً من النفط الخاضع للعقوبات، إضافة إلى 43 مليون برميل شهرياً من طهران في 2025، ولديها احتياطيات تقدر بنحو 1.4 مليار برميل، تكفي لتغطية احتياجاتها لعدة أشهر في حال توقف الإمداد.
أمريكا لن تتخلى في هذه الحرب مع إيران عن السيطرة على مضيق هرمز، وإن كانت هذه الحرب في جوهرها بين أمريكا والصين. فهي لا تريد خسارة السيطرة على مضيق هرمز في منطقة تضم أكثر من 60% من احتياطيات الطاقة، كما خسرت بريطانيا السيطرة على قناة السويس عام 1956 بعد تأميم جمال عبد الناصر للقناة وفقدانها 44% من أسهمها. الإمبراطورية البريطانية التي سادت بين 1815 و1914 فقدت بذلك إحدى ركائز قوتها العالمية. بل إن إيلون ماسك غرّد بأن هرمز هو الممر الوحيد الذي يمثل عصب التكنولوجيا والطاقة عالية النقاء المتمثلة في الغاز المسال.
الصين دخلت المشهد كقوة موازية والسعودية وظفت حضورها لتقليص الهيمنة الأمريكية مما يفتح الباب أمام نظام دولي متعدد الأقطاب أكثر توازناً
أحكمت البرتغال سيطرتها على مضيق هرمز الاستراتيجي منذ عام 1515، وحولت المضيق إلى قاعدة تجارية وعسكرية، وسيطرت على جزيرة قشم وبندر عباس. وفشلت الدولة الصفوية في استعادة المضيق لأكثر من قرن، حتى تحالف الشاه عباس الأول مع الإنكليز عام 1622 لطرد البرتغاليين.
تسعى أمريكا إلى استباق تحول الصين إلى قوة موازية لها عبر القضاء على إيران كذراع للصين وروسيا، مستبقةً زيارة ترامب إلى الصين التي أجّلها شهراً بعدما كانت مقررة في 29 مارس 2026. خصوصاً بعد تمكنه من هندسة ممر زنغزور لنقل الطاقة من أذربيجان إلى تركيا عبر إقليم نخجوان مروراً بمحافظة سيونيك الأرمينية بطول 43 كلم، والذي حظي بزخم إثر اتفاقيات 2025 لتعزيز التجارة وخطوط الطاقة. هذا الممر يشكل حلقة وصل بين العالم التركي وآسيا الوسطى، ويقلل الاعتماد على الطرق الإيرانية الصينية، مع إبعاد التدخل الروسي المتورط في حرب أوكرانيا، بعدما كانت روسيا سابقاً تتولى الوساطة بين أذربيجان وأرمينيا.
سُمي الطريق بـ”طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، مع إمكانية إدارته بضمانات دولية. وقد تغير موقف أرمينيا من المعارضة الشديدة إلى القبول في إطار الاتفاق الجديد، فيما عارضت إيران المشروع بشدة خشية خسارة نفوذها الجيوسياسي وتغيير موازين القوى على حدودها وتقليص دورها كممر عبور رئيسي. تحولت المنطقة من بؤرة نزاع إلى إحياء مسارات التجارة بين الشرق والغرب، لكن تحت الرعاية الأمريكية، بعدما خرجت من الرعاية الصينية أو الروسية، إذ كانت آسيا الوسطى مجالاً حيوياً لروسيا، لكن بسبب تورطها في حرب أوكرانيا فقدت هذا المجال.
ووفق مبدأ مونرو لعام 1823، الذي أعلنت الولايات المتحدة عن تبنيه في عقيدتها الأمنية الجديدة في نوفمبر 2025، وهو مبدأ يركز على منع الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الغربي وتجنب التدخل في شؤون أوروبا، أصبح اليوم موجهاً لمنع الصين من التدخل في نصف الكرة الغربي. وهو ما جعل ترامب يسيطر على مضيق بنما، ويخرج الصين منه، ويغزو فنزويلا ويغير نظامها. لكن وفق هذا المبدأ، تترك الولايات المتحدة مضيق ملقا للصين، وكذلك تايوان، وأيضاً تتنازل لروسيا عن المناطق التي سيطرت عليها في شرق أوكرانيا، مما يفسر عدم تدخل الصين وروسيا في حرب أمريكا مع إيران.
تبعات هذه الحرب على دول الخليج التي اعتمدت لعقود على استراتيجية الأمن عبر ردع القواعد الأمريكية من أي تهديد، تكشف حدود هذه المعادلة. فبسبب موقع دول الخليج في إمداد الأسواق العالمية بالطاقة أصبح أمنها مرتبطاً بالأمن العالمي. الحرب الإيرانية أظهرت أن الحماية الأمريكية لم تعد فاعلة في توفير الغطاء العسكري، خصوصاً وأن الردع لم يعد يعتمد على التفوق التكنولوجي فقط، بل أيضاً على منظومات دفاعية مرنة قليلة التكلفة تتطلب تعاوناً إقليمياً خارج الولايات المتحدة. كما في اتفاق السعودية وعدد من دول الخليج مع أوكرانيا التي نجحت في صناعة مسيرات منخفضة التكلفة لمواجهة المسيرات الانتحارية.
إلى جانب تنويع مصادر تصدير الطاقة، تتجاوز دول الخليج مضيق هرمز عبر العمق الجغرافي السعودي، على غرار خط الشرق–الغرب “بترولاين” الذي استبقت السعودية به هذه التهديدات منذ الحرب العراقية–الإيرانية عام 1980، وينقل نحو 7 ملايين برميل إلى ينبع. ويمكن ربط جميع دول الخليج والعراق بالأراضي السعودية عبر أنابيب وصولاً إلى الساحل الغربي على البحر الأحمر.
رغم أن الأمن الخليجي لم يعد شأناً إقليمياً فقط، بل جزءاً من مشهد دولي تتنافس فيه قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وأوروبا، فإن دول الخليج تحولت إلى مساحة توازنات مركبة تلتقي فيها مصالحها مع مصالح الدول الكبرى. ومع استمرار الولايات المتحدة كركيزة أمنية بسبب تفوقها العسكري والتقني وشبكاتها اللوجستية والعسكرية، توسع السعودية وبقية دول الخليج هامش الاستقلال الاستراتيجي ضمن منظومة مشتركة، بما يؤدي إلى نظام إقليمي أكثر استقراراً.
بعد انتهاء الحرب، سيقود هذا الرباعي ضغطاً دولياً وإقليمياً واسعاً لحل القضية الفلسطينية، وستجد إسرائيل أن الخطر الحقيقي ليس صواريخ إيران، بل هذا التحالف الرباعي الإقليمي الذي تشكّل ضدها
اتجهت السعودية إلى تشكيل تحالف رباعي إقليمي يضم باكستان التي تمتلك السلاح النووي، والسعودية التي تملك النفط والقوة السياسية والدينية، ومصر التي تسيطر على قناة السويس، وتركيا التي تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وهي عضو في الناتو. تحالف قادر على التأثير في القرار الدولي دون التورط في حروب إقليمية.
كعادة السعودية القادرة على تشكيل التحالفات، يوصف هذا التحالف بأنه سياسي استراتيجي قد يغيّر موازين المنطقة، ويتحرك باتجاه واحد لإعادة تشكيل الإقليم دون إسرائيل. وتراه إسرائيل ليس من أجل التوسط بين طهران وواشنطن، بل محاولة لفرض نظام إقليمي جديد.
الدول الأربع لا تتحرك بدافع السلام فقط، بل بدافع تقليص نفوذ ثلاثة أطراف دفعة واحدة: إيران، إسرائيل، وأي تحالف يتشكل معها. ولأول مرة يظهر خطاب إقليمي غير معلن يؤكد أن طهران خطر، لكن إسرائيل أيضاً خطر. وتُقرأ الحرب والضربات الإسرائيلية في سوريا ولبنان ليس فقط كدفاع عن النفس، بل أيضاً كجزء من فرض واقع إسرائيلي جديد بالقوة.
هذا ما وحّد الأطراف الأربع، لأن إسرائيل تقرأ المشهد من منظور عسكري، وبذلك تواجه ليس فقط العزلة، بل أخطر من ذلك: تآكل البيئة السياسية حولها، مهما كان دعم الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني لها، خصوصاً بعدما أصبح التطبيع مع السعودية أبعد ما يكون.
يتحرك الإقليم كله نحو صيغة جديدة لا تشارك فيها إسرائيل، رغم محاولات الاتفاقيات الإبراهيمية التي ضمت بعض الدول العربية، لكن إسرائيل تخرج تدريجياً من معادلة المنطقة.
وكما نجحت السعودية في مارس 2023 في توقيع اتفاق تهدئة مع إيران برعاية بكين، وكان بمثابة زلزال سياسي في واشنطن، إذ دخلت الصين منطقة تراها الولايات المتحدة حكراً لها، فقد أوقفت السعودية حينها لعبة القوى الكبرى على الصراع بين السعودية وإيران. واليوم أيضاً أدخلت السعودية التنين الصيني من خلال مبادرة لإدارة الأزمة حتى لا يصبح القرار في الشرق الأوسط أمريكياً فقط.
تدخلت الصين لأن ما يجري ليس مجرد حرب نفوذ، بل تهديد مباشر لمصالحها. وكما تهدد الولايات المتحدة بخنق الصين عبر التحكم في ممرات الطاقة والتجارة وتهديد سلاسل التوريد، فإن الصين تملك اقتصاداً قاتلاً قادراً على خنق الصناعات الأمريكية بفضل هيمنتها على 80-90% من المعادن النادرة. وحتى الآن لم يعد العالم أحادي القطب، وإن لم يستقر بعد على نظام جديد، لكن ملامحه باتت واضحة.
بعد انتهاء الحرب، سيقود هذا الرباعي ضغطاً دولياً وإقليمياً واسعاً لحل القضية الفلسطينية، وستجد إسرائيل أن الخطر الحقيقي ليس صواريخ إيران، بل هذا التحالف الرباعي الإقليمي الذي تشكّل ضدها.