من كاندنسكي إلى التجريد المعاصر… حين يصبح اللون لغة الروح

رحلة في فلسفة التجريد بين بلاغة اللون واختزال الشكل.
الأربعاء 2026/04/29
لوحة لكاندنسكي تعود إلى عام 1913

يشكل التجريد في الفن التشكيلي مساحة بحث عميقة في جوهر التعبير الإنساني، حيث يتحرر اللون من وظيفته التمثيلية ليغدو لغة قائمة بذاتها. ومن خلال استلهام تجارب رواد مثل كاندنسكي، تتجلى اللوحة كحقل بصري مفتوح يزاوج بين الإحساس والموسيقى، ويعيد صياغة العلاقة بين الفن والروح.

كان لمقترحات الفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي المبكرة في رسم الطبيعة تأثير كبير في تجربتي التشكيلية، وكان هناك الكثير من التركيز على الاختصار في التشبيه وتكثيف الألوان والتركيز على علاقاتها وما تضيفه من متعة بصرية وتمثيلها بأنغام موسيقى منسجمة كتناغم ألوان لوحاته، بخلاف الأعمال التقليدية التي سبقت ودون الخوض في التفاصيل التي تسرد قصصا أو توثق أحداثا تاريخية أو تتعلق بنقل حرفي لصور الواقع دون تصرف من قبل الفنان.

كان اللون هو الهدف والغاية المنشودة عند كاندنسكي، لأن من خلاله يمكنه الإفصاح عن مكامن النفس وأحلامها بشكل أكثر تلقائية وأوضح في التعبير، كممارسة لفن الرسم بمثابة البحث والاكتشاف عن كل ما هو مجهول عن الروح العميقة. يحاول دائما إضفاء صيغة أخرى للطبيعة ولكن بالمحافظة على خصائصها الأساسية كالخطوط العائمة ومساحات النور من الألوان في مناطق متحاورة، كأنها ترجمة لموسيقى وإيقاعاتها المتزنة الأولى بتمثيلات الألوان المتجاورة والخطوط والنقاط من كتل ومساحات فارغة بين العتمة والنور.

في أعمال أخرى كان يتحرى الدقة في التعبير عبر رسم خطوط متموجة تكون تعبيرا عن حالة ما، كرسم لوحة المغنية مع التأثيث المتقن لفراغ المسرح والإحساس بوجود جمهور غائب عن الظهور في الكادر والحاضر بالوعي في ذاكرة اللوحة، ينصت ويرى ويندهش بكل تركيز واستمتاع بأداء المغنية وانسياب خطوطها المرسومة من نغمات وألوان وتوحد الخلفية مع العازف بالبيانو. فاللوحة عنده دراما تشكيلية تجسّد المشاعر الإنسانية في أبلغ صورها.

pp
لوحة ويليام تيرنر

بين الارتجال والانفعال في الأداء من الخطوط العائمة تبدو الأشكال متشابهة مع ما تشكله الطبيعة من أشجار وتلال وأرض وسماء، بخلاف ما فكر فيه الهولندي بيت موندريان بخطوط أفقية وعمودية تتقاطع لتكوين صور أخرى من عالم متخيل أكثر انضباطاً ومثالية، وكلاهما يستوحي أعماله من الطبيعة، إلا أن الأول (كاندنسكي) كان يحاول أن يحيلها إلى أصولها الأولى قبل أن تتشكل في صيغتها الحالية، والآخر (موندريان) يدفع بها إلى نهايتها، محاولا أن يرسم صورتها الأخيرة بالخطوط الحادة الهندسية في محاولة لجعل العالم أكثر مثالية بالابتعاد عن الطبيعي والركون إلى عالم يحكمه منطق هندسي تكون فيه المادة الصناعية هي الأساس كأنها استشراف لمستقبل ما تصبح الآلة فيه هي الأساس لحياة البشر وذائقتهم.

ثم جاءت الشرارة الأولى التي أشعلت وميض التجريد في الكثير من التجارب العالمية التي أصبحت تتخذ من التلخيص أسلوبا لها في عملها الفني، وتطور الأمر إلى أن كانت لكل تجربة فنية فلسفتها الخاصة وطريقتها في المعالجة والرؤية، فالعمل على تلخيص الرسم والاكتفاء بعلاقات لونية وخطوط رشيقة ونقاط وفراغات ومساحات أخرى ذات كثافة لونية وخطوط متقطعة وأخرى صارمة وسريعة (الأولى واهية والثانية تمتلك القوة)، مع استحضار ثنائيات مثل: الإحساس بالخفة والثقل، السيولة والتماسك، الشفافية والكثافة، النور والعتمة، الانسجام والتنافر، والنسيج وفن الخامة كما عند الإسباني أنطونيو تابيس وصولا إلى الألماني المعاصر أنسيلم كيفر.

كل هذه المفردات وأكثر اتفق عليها العالم بأسره في اتفاق ضمني على أنها من الجماليات التي ترفع أو تزيد من القيمة الفنية للأعمال. الكثير منها موضوعات تشبيهية لأشياء تبدو للوهلة الأولى غامضة ولكن عند تأملها تتكشف أشياء وأشكال يمكن أن يربطها المتلقي في علاقات معينة ويستخلص نتائج قد تكون مرضية تستدعي متعة بصرية، وأخرى يمكن أن تحقق وتستكمل الجانب المعرفي في مواضيع معينة كالحرب والسلام والحب والعلاقات الإنسانية الأخرى واليومي العابر والحلم والأزلي والنور والظلمة والخير والشر والصحراء والغابة والمادي والروحي.

لوحة لفاسيلي كاندنسكي
لوحة لفاسيلي كاندنسكي

وكل فنان يسعى إلى أن يحقق أكبر قدر ممكن من الرضا عن نفسه في إنتاجه الفني، ومن يسلك الطرق المختصرة في التعبير والأداء يجب أن يكون قادراً على إثبات قدرته على البلاغة التشكيلية في أن يقدم خلاصة مقنعة للمتلقي بدون أي مبالغة في الاستعراض للمهارات الفنية المكتسبة من التعليم الأكاديمي وغيرها، كنقل المنظور والرسم الواقعي بشكل احترافي.

هذه المحاولات دائما ترضي الجمهور غير المتخصص أو أصحاب الذائقة التشكيلية البسيطة والذين دائما يركنون إلى التشبيه والتطابق في الرسم والمرسوم على الحواف، دون الأخذ في الاعتبار بتقنيات العمل أو بألوانه أو بالحالة الدرامية التي تم إنتاج العمل من أجلها، فتصبح كل الأعمال متساوية؛ من الإيطالي روفائيل سانزيو دا أوربينو إلى الهولندي بيتر بول روبنز والإيطالي ليوناردو دافنشي وأي فنان آخر لا يتقن من موضوع التصوير الزيتي إلا محاكاة أشكال سطحية.

من المهم التمكن من القدرة على نقل الواقع مصحوبا بشيء من السحر، كتلك الأعمال التي أبدعها البريطانيان جون كونستابل وويليام تيرنر قبل قرنين من زمن الأرض، فكانت لوحات يعتريها البلل بعد أيام ممطرة ووهج الروح في كل انبلاج فجر جديد، ألوان تأتي من الداخل في اتجاه الخارج تضفي على اللوحات أجواء سينمائية كان يفتقدها المتلقي في واقعه المعيش. والتعبيرية التي هي أساس الفعل الفني خصوصا الأعمال التي تركن إلى التجريد والخلاصة الفنية الرفيعة، تقترب من الملامح العامة دون الغوص في أعماق تلك الأشكال.

في نهاية المطاف، لا يهم إن كان المسار الجمالي قد سلك طريق التأني المنضبط أو الارتجال الانفعالي المفاجئ السريع لإنتاج أعمال رفيعة المستوى؛ فالمعيار الحقيقي يكمن في مدى الحفاظ على ذلك الحبل السري الذي تعبر من خلاله الروح المبدعة إلى الأشياء المرسومة. هو الرابط الحي الذي يحوّل اللوحة من مجرد سطح مغطى بالطلاء إلى عوالم تنبض بأنفاس البشر وشجونهم، وتتحول فيه المادة الصماء إلى لغة وجدانية بليغة. إن التجريد، بهذا المعنى، ليس ابتعادا عن الواقع، بل هو غوص في أعماقه، حيث تلتقي الخطوط بالأنغام لتصبح اللوحة هي المرآة الأصدق لبلاغة الوجود.

pp
لوحة جون كونستابل

9