من الشيطان الأكبر إلى مضيق هرمز: هل غيّرت إيران معركتها؟

إيران لم تستبدل عقيدتها بالجغرافيا، وإنما جعلت الجغرافيا تخدم العقيدة، حيث تبدو البراغماتية اليوم وسيلة لضمان بقاء النظام، لا بديلًا عن هويته.
الأحد 2026/08/02
الأيديولوجيا في التجربة الإيرانية لم تختف بل أعادت تموضعها

حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، بدا أن الشرق الأوسط يقف أمام نموذج سياسي جديد لا يشبه الأنظمة التي سبقته. لم تقدم الجمهورية الإسلامية نفسها بوصفها دولة تبحث عن النفوذ أو المصالح التقليدية، بل باعتبارها “ثورة” تحمل رسالة عابرة للحدود. كانت مفردات مثل “الشيطان الأكبر”، و”الموت لأمريكا”، و”إزالة إسرائيل” تشكل العمود الفقري لخطابها السياسي، حتى بدا وكأن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليس مجرد خلاف سياسي، وإنما معركة وجودية ذات بعد عقائدي.

بعد نصف قرن، يبدو المشهد مختلفًا إلى حد بعيد. فحين يتابع العالم الخطاب الإيراني اليوم، يلاحظ أن مفردات مثل مضيق هرمز، وأسواق الطاقة، والعقوبات الاقتصادية، وسلاسل الإمداد العالمية، أصبحت تتصدر التصريحات الرسمية أكثر مما تتصدرها الشعارات الثورية القديمة. وإذا كانت الثورة قد بدأت برفع راية الأيديولوجيا، فإن الجمهورية الإسلامية تتحدث اليوم بلغة الاقتصاد والجغرافيا السياسية. فهل غيّرت إيران معركتها بالفعل، أم أنها غيّرت فقط أدواتها ولغتها؟

في السنوات الأولى للثورة، أدركت القيادة الإيرانية أن بناء الشرعية الداخلية والإقليمية يحتاج إلى سردية تتجاوز حدود الدولة القومية. فجاء مفهوم “الشيطان الأكبر” ليمنح الصراع مع الولايات المتحدة بعدًا أخلاقيًا وعقائديًا، بينما منح شعار “تحرير فلسطين” الثورة بعدًا عربيًا وإسلاميًا مكّنها من مخاطبة جماهير خارج إيران نفسها. كانت تلك الشعارات تؤدي وظيفة سياسية بقدر ما كانت تعبر عن قناعة أيديولوجية؛ إذ وفرت لإيران قدرة استثنائية على تقديم نفسها بوصفها رأس حربة في مواجهة الهيمنة الغربية.

لم تكن الشبكات الإقليمية التي بنتها إيران مجرد أدوات أمنية أو عسكرية، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لهذا المشروع الفكري. فالعلاقة مع حزب الله في لبنان، ودعم فصائل فلسطينية، ثم توسيع النفوذ في العراق وسوريا واليمن، جميعها قُدمت ضمن إطار “محور المقاومة”. وكانت قوة هذا الخطاب تكمن في أنه منح المشروع الإيراني غطاءً أخلاقيًا يتجاوز الحسابات التقليدية للدول، بحيث أصبح النفوذ يُسوَّق باعتباره التزامًا ثوريًا وليس توسعًا جيوسياسيًا.

غير أن الزمن لا يختبر الأنظمة فحسب، بل يختبر أيضًا أفكارها. فالعقوبات الاقتصادية المتراكمة، والعزلة الدولية، والتكاليف الباهظة للانخراط في أزمات إقليمية متعددة، فرضت على إيران واقعًا مختلفًا عن ذلك الذي رافق ولادة الثورة. ولم تعد الأولوية تقتصر على تصدير الثورة أو الحفاظ على الخطاب الأيديولوجي، بل أصبحت تتعلق أيضًا بكيفية حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين الإيرادات، ومنع انهيار العملة، واحتواء الضغوط الاجتماعية المتزايدة.

هنا بدأ التحول الأكثر أهمية. لم يعد التهديد الإيراني للعالم يتمثل في الدعوة إلى الثورة بقدر ما أصبح يتمثل في القدرة على تعطيل الملاحة البحرية أو التأثير في أسواق الطاقة العالمية. وتحول مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة النفط العالمية، إلى الورقة الأكثر حضورًا في الخطاب السياسي الإيراني.

فكلما تصاعدت الضغوط الغربية أو توسعت العقوبات، عاد الحديث عن المضيق باعتباره نقطة الاختناق التي تستطيع طهران من خلالها رفع تكلفة أي مواجهة.
هذا التحول يكشف تغيرًا في طبيعة أدوات القوة أكثر مما يكشف تغيرًا في طبيعة المشروع نفسه. فالدول، مهما كانت أيديولوجيتها، تنتهي غالبًا إلى استخدام ما تمنحه الجغرافيا من أوراق قوة. وإيران ليست استثناءً من هذه القاعدة. فهي تدرك أن الاقتصاد العالمي أكثر حساسية تجاه اضطراب إمدادات الطاقة من حساسيته تجاه الشعارات السياسية، وأن تهديد الأسواق قد يكون أكثر تأثيرًا من رفع الشعارات الثورية.

لكن اختزال هذا التحول في كونه انتصارًا للبراغماتية على الأيديولوجيا قد يكون استنتاجًا متسرعًا. فالأيديولوجيا في التجربة الإيرانية لم تختف، بل أعادت تموضعها. بعبارة أخرى، لم تستبدل إيران عقيدتها بالجغرافيا، وإنما جعلت الجغرافيا تخدم العقيدة.

ويمكن تفسير هذا التحول أيضًا من زاوية داخلية. فالأجيال الإيرانية الجديدة تختلف عن الجيل الذي عاش الثورة والحرب العراقية الإيرانية. أولويات قطاعات واسعة من المجتمع أصبحت ترتبط بتحسين مستويات المعيشة، وفرص العمل، والانفتاح الاقتصادي، أكثر من ارتباطها بالشعارات الثورية، وهو ما دفع صناع القرار إلى إعطاء الملفات الاقتصادية مساحة أكبر في الخطاب السياسي.

أما على المستوى الإقليمي، فقد تغيرت البيئة التي ازدهر فيها الخطاب الثوري الإيراني. فالكثير من المجتمعات العربية باتت تنظر إلى الصراعات الممتدة بمنظار مختلف، بعدما دفعت أثمانًا باهظة من الاستقرار والتنمية. كما أن صعود أولويات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا في المنطقة جعل الخطابات التعبوية أقل قدرة على استقطاب الرأي العام مقارنة بما كانت عليه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. لذلك لم يعد كافيًا لإيران أن تتحدث بلغة الثورة وحدها، بل أصبحت مضطرة إلى مخاطبة عالم تحكمه حسابات المصالح أكثر من الشعارات.

ومع ذلك، فإن السؤال الأهم يبقى: هل نحن أمام تراجع حقيقي عن الأيديولوجيا، أم أمام هدنة تكتيكية فرضتها موازين القوى؟

التاريخ يقدم أمثلة عديدة لأنظمة ثورية أعادت ترتيب أولوياتها دون أن تتخلى عن سرديتها المؤسسة. فقد احتفظت الصين بالحزب الشيوعي بينما تبنت اقتصاد السوق، وحافظت كوبا لعقود على خطابها الثوري رغم اضطرارها إلى الانفتاح الاقتصادي في مراحل مختلفة. وفي كلتا الحالتين، لم تختفِ الأيديولوجيا، بل تحولت من برنامج عمل يومي إلى مرجعية سياسية تُستدعى عند الحاجة. وربما ينطبق الأمر ذاته على إيران، حيث تبدو البراغماتية اليوم وسيلة لضمان بقاء النظام، لا بديلًا عن هويته.

وربما يكون مضيق هرمز أفضل تعبير عن هذا التحول. فهو ليس مجرد ممر مائي استراتيجي، بل رمز لانتقال مركز الثقل في الخطاب الإيراني من الصدام الرمزي مع الخصوم إلى امتلاك أوراق تأثير ملموسة في الاقتصاد العالمي. فمن خلال الجغرافيا تستطيع طهران أن تفرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله، حتى عندما تتراجع قدرتها على تصدير خطابها الثوري.

لكن ذلك لا يعني أن مرحلة الشعارات انتهت نهائيًا. فإذا تغيرت البيئة الدولية أو تبدلت موازين القوى، فقد تعود اللغة الأيديولوجية إلى الواجهة باعتبارها أداة تعبئة داخلية وخارجية. فالأيديولوجيا في الأنظمة الثورية نادرًا ما تموت؛ إنها تدخل أحيانًا في حالة كمون، ثم تعود عندما تقتضي الحاجة السياسية ذلك.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت إيران قد استبدلت “الشيطان الأكبر” بمضيق هرمز، بل كيف نجحت في الجمع بينهما داخل استراتيجية واحدة تتغير فيها الوسائل بينما يبقى الهدف المركزي هو الحفاظ على النفوذ وضمان بقاء النظام.

1