"ملتقى الأساليب" حوار بصري يزاوج بين التراث والحداثة

الحرف العربي والخطوط المختلفة ميزة جوهرية في أعمال ثامر الخفاجي.
الجمعة 2026/03/27
أساليب عديدة في معرض ثامر الخفاجي

يمثل معرض “ملتقى الأساليب” للفنان الخزاف العراقي ثامر الخفاجي، الذي استضافه غاليري المركز الثقافي البولندي في لندن، محطة بارزة في مسيرته الفنية الغنية، وتجلياً واضحاً لعمق تجربته الإبداعية وتنوع مصادر استلهامه.

يضم المعرض بانوراما فنية تتألف من 35 لوحة، و19 صحناً خزفياً، و7 أعمال نحت فخاري، وجداريتين سيراميكيتين صغيرتين، مما يعكس غزارة الإنتاج وتعدد الوسائط التعبيرية التي يتقنها الفنان.

يتأسس المعرض على فلسفة “ملتقى الأساليب”، وهي فلسفة نابعة من رؤية الفنان الرافضة للقوالب الجاهزة والقيود الأسلوبية الجامدة، حيث يعتبر الخفاجي أن الالتزام بأسلوب واحد يولد الملل له وللمشاهد على حد سواء. هذه الرؤية المنفتحة سمحت له بخلق فضاء إبداعي حر، يلتقي فيه التراث بالحداثة، وتتداخل فيه الرموز الحضارية مع التجريب التقني، مما يُثري تجربة المتلقي ويفتح آفاقاً جديدة للتأويل والقراءة النقدية.

توظيف الخط

 يعد توظيف الحرف العربي والخطوط المختلفة ميزة جوهرية في أعمال ثامر الخفاجي، حيث لا يقتصر دورها على الجانب التجميلي أو الزخرفي البحت، بل يتعداه ليكون عنصرا بنيويا ودلاليا عميقا.

فقد تعامل مع الحرف العربي كبنية معمارية وتجريدية؛ يظهر ذلك بوضوح في العديد من أعماله حيث يتحول الحرف، وتحديداً الخط الكوفي، إلى هندسة معمارية مجردة، تشكل مساحات وأحجاما هندسية دقيقة، وتتداخل بانسجام مع الألوان الحيوية والتباينات اللونية. هذه المعالجة الفنية تحرر الحرف من قيوده الوظيفية وتمنحه استقلالية جمالية ودلالية جديدة.

المعرض يتأسس على فلسفة “ملتقى الأساليب” النابعة من رؤية الفنان الرافضة للقوالب الجاهزة والقيود الأسلوبية الجامدة

أما الخط المسماري فقد تعامل معه كجسر حضاري؛ إذ يعطي الخفاجي مساحة هامة للخط المسماري في أعماله، ليس فقط كعنصر زخرفي بل أيضا كرمز حضاري يربط الحاضر بالماضي، ويعبر عن عمق الهوية العراقية القديمة. ويُقدم الفنان الخط المسماري بصورة فنية جميلة، ويُدمجه مع تقنيات الخزف ليخلق أعمالاً فنية ذات خصوصية فريدة.

وفي الحروف الإنجليزية وتعدد الثقافات لا يقتصر توظيف الفنان للخطوط على الكتابتيْن العربية والمسمارية، بل يتعداهما ليشمل الحروف الإنجليزية، وهو ما يعكس انفتاحه على الثقافات المختلفة، ورغبته في إقامة حوار فني عابر للحدود. ويساهم هذا التنوع في تعميق الدلالات الرمزية لأعماله ويُثري تجربة المشاهد.

يمثل التراث الحضاري العراقي منبعا لا ينضب لإبداع الخفاجي، حيث يستلهم من الرموز والزخارف والملاحم القديمة مادة غنية لأعماله الفنية. فقد وظّف الرموز الأسطورية والزخارف النباتية، يبرز ذلك في الصحن الخزفي حيث يدمج الفنان الرموز الأسطورية العراقية القديمة، مثل الثور المجنح، مع الزخارف النباتية والهندسية، ما يخلق عملاً فنيا يضج بالحياة ويحمل دلالات عميقة.

وتتجلى إعادة قراءة الملاحم والقصص القديمة كما في إحدى لوحاته، حيث يقدم الفنان قراءة فنية معاصرة لملحمة جلجامش أو غيرها من القصص القديمة، مستخدماً لغة تشكيلية جديدة تجمع بين الرموز التقليدية والأساليب الفنية الحديثة.

التنوع الأسلوبي والتقني

حوار فني عابر للحدود
حوار فني عابر للحدود

هكذا يعد “ملتقى الأساليب” تجسيداً للتنوع الأسلوبي والتقني الذي يُميز أعمال ثامر الخفاجي، حيث يجمع بين الرسم والنحت والخزف، مستخدما تقنيات مختلفة مثل التزجيج والحفر والبروز.

ويحول الخفاجي الخزف إلى وسيط للرسم، حيث يستخدم الألوان والتأثيرات اللونية لخلق لوحات فنية ذات ملمس فريد وجمالية خاصة.

ويتميز النحت الفخاري بالجرأة والابتكار، حيث يدمج بين الأشكال الواقعية والمجردة، ويستخدم التباينات اللونية والملمسية لإبراز جمالية الخامة.

كما تمثل الصحون الجدارية جزءا هاما من معرض الخفاجي، حيث يوظف فيها تقنيات الزخرفة والحفر والتزجيج لخلق قطع فنية فريدة تحمل بصمته الخاصة.

وجدير بالذكر أن الفنان ثامر الخفاجي حاصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة بغداد 1971، وبكالوريوس سيراميك أكاديمية الفنون جامعة بغداد 1975. وعمل مصمما في “مجلتي” و”المزمار” 1969/ 1975. كما عمل في دائرة الفنون التشكيلية في قاعة الرواق ثم قاعة كولبنكيان ثم مركز الفنون من 1980 إلى 1987. وشارك في العديد من المعارض الفنية داخل العراق وخارجه.

له أعمال في ساحة الاحتفالات ببغداد ومطار البصرة الدولي وفي بناية ساعة بغداد وفي الموصل وفي أماكن حكومية عديدة وفي بيوت خاصة. وقد أقام ثلاثة معارض في بغداد، ومعرضا في الأردن، ومعرضا في سلطنة عمان، وثلاثة معارض في لندن.

9