معركة الإعلام قبل معركة السياسة

الإعلام في سوريا لم يعد ناقلا للأحداث بل ساحة صراع تحدد مستقبل الدولة بين خطاب يعيد إنتاج السلطة وخطاب يسعى للمساءلة والشفافية.
الجمعة 2026/07/10
من أجل إعلام حرّ ومسؤول

الحروب ليست وحدها ما يحدد مصير الدول بعد سقوط الأنظمة أو انتهاء الصراعات؛ ففي الكثير من الأحيان تبدأ المعركة الحقيقية عندما يتوقف إطلاق النار. عندها ينتقل الصراع من الجبهات العسكرية إلى المؤسسات، ومن السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الإعلام. وفي سوريا، التي تحاول الخروج من سنوات طويلة من الحرب والانقسام، يبدو الإعلام أحد أهم ميادين هذا التحول. فهو لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل ساحة تتنافس فيها رؤيتان متناقضتان للدولة والمجتمع والشرعية.

السؤال الذي يواجه السوريين اليوم لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية بناء المجال العام الذي يناقش السلطة ويحاسبها ويعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. والإعلام يقف في قلب هذا السؤال، لأنه المؤسسة التي ستحدد ما إذا كانت سوريا ستتجه نحو ثقافة سياسية جديدة أم ستعيد إنتاج أنماط الماضي بأدوات مختلفة.

في هذا السياق، يبرز تياران متعارضان. الأول يمكن وصفه بإعلام إعادة إنتاج السلطة، وهو إعلام لا يقتصر على مؤسسات بعينها، بل يمثل ذهنية سياسية ترى أن الاستقرار لا يتحقق إلا من خلال خطاب أحادي يختزل الدولة في السلطة، ويعتبر التعددية مصدر تهديد لا مصدر قوة. هذا الخطاب يوجه لجمهور أنهكته الفوضى بعد سنوات الحرب، مقدما معادلة تبدو بسيطة: الأمن أولًا، وما عداه يمكن تأجيله.

نجاح المرحلة الانتقالية يتوقف على بناء إعلام مستقل يحمي المجتمع من تغول السلطة ويعيد الثقة بالمجال العام، شرط إصلاح المؤسسات وضمان بيئة قانونية عادلة

قوة هذا الخطاب تكمن في أنه لا يعتمد فقط على الحنين إلى الماضي، بل على الخوف من المستقبل. فكلما ارتفعت كلفة التغيير، أصبح الوعد بالاستقرار أكثر جاذبية، حتى لو كان الثمن تراجع الحريات العامة أو تضييق مساحة النقد. وهنا تكمن خطورته؛ إذ لا يعيد إنتاج مؤسسات سابقة فحسب، بل يعيد إنتاج الثقافة السياسية التي جعلت الدولة تبدو أكبر من المجتمع، والاختلاف دليلًا على الانقسام.

في المقابل برزت خلال الأشهر الأخيرة منصات وصحافيون يسعون إلى ترسيخ مفهوم مختلف للإعلام، يقوم على المساءلة والشفافية وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات. هذا التيار لا ينطلق من فكرة أن الإعلام شريك للسلطة، بل من كونه شريكا للمجتمع، ووظيفته الأساسية مراقبة أداء المؤسسات العامة، وكشف الفساد، وفتح المجال أمام النقاش الحر.

غير أن هذا النموذج يواجه تحديات لا تقل تعقيدا عن طموحاته. فالإعلام المستقل يحتاج إلى بيئة قانونية تحميه، وإلى تمويل مستدام يضمن استقلاله، وإلى مؤسسات مهنية قادرة على مقاومة الضغوط السياسية والاقتصادية. وفي مجتمع خرج لتوه من حرب طويلة، حيث تتراجع الموارد ويزداد الاستقطاب، يصبح الحفاظ على استقلال الخط التحريري مهمة شاقة.

لكن المشكلة الأعمق لا تتعلق بالموارد وحدها، بل بطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات غالبا ما تنقسم بين من يمنح الأولوية للاستقرار ومن يمنحها للحرية. والإعلام يجد نفسه وسط هذا الانقسام، معرّضا لأن يُتهم، إما بخدمة السلطة أو بتقويضها، وإما بالدفاع عن الاستقرار أو بتأجيج الخلافات.

وهنا تتجاوز القضية حدود المهنة لتصبح سؤالا سياسيا واجتماعيا. فما معنى الوطنية في سوريا الجديدة؟ هل تُقاس بمدى الاصطفاف خلف السلطة، أم بقدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومحاسبتها؟ وهل يمكن بناء دولة قوية من دون إعلام قادر على طرح الأسئلة الصعبة؟

هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي جوهر التحولات التي تمر بها الدول بعد النزاعات. فالدولة التي لا تسمح بوجود إعلام مستقل تخسر إحدى أهم أدوات تصحيح أخطائها. وفي المقابل، فإن الإعلام الذي يتحول إلى طرف سياسي مباشر يفقد تدريجيا قدرته على أداء وظيفته الأساسية بوصفه وسيطا بين المجتمع ومؤسسات الحكم.

ولا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن البيئة الإقليمية. فسوريا تقع في قلب منطقة تتنافس فيها قوى متعددة على النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي، والإعلام أصبح إحدى أدوات هذا التنافس. تدعم أطراف إقليمية منصات إعلامية مختلفة، كل منها يعكس أولويات داعميه بقدر ما يعكس الواقع السوري. ونتيجة لذلك لم يعد الصراع يدور فقط حول نقل الأخبار، بل حول إنتاج السرديات التي تمنح هذا الطرف أو ذاك شرعية أكبر في نظر الرأي العام.

لن تُقاس نجاحات سوريا الجديدة بعدد وسائل الإعلام التي ستظهر، بل بقدرتها على بناء بيئة تسمح لهذه الوسائل بأن تعمل بحرية ومسؤولية في آن واحد

هذا التداخل بين المحلي والإقليمي يجعل بناء إعلام وطني مستقل أكثر صعوبة، لكنه يجعله أيضا أكثر إلحاحا. فكلما ازداد اعتماد المؤسسات الإعلامية على التمويل أو الاصطفافات الخارجية، تراجعت قدرتها على تمثيل المصالح الوطنية الجامعة، واتسعت الفجوة بينها وبين الجمهور.

ولعل التحدي الأكبر يكمن في استعادة ثقة السوريين بالإعلام نفسه. فسنوات الحرب أفرزت كمّا هائلا من المعلومات المتناقضة، والدعاية، والاستقطاب، حتى بات الكثير من المواطنين ينظرون إلى وسائل الإعلام باعتبارها امتدادا للصراع السياسي، لا أداة لفهمه. وإذا استمر هذا الانطباع، فإن الخاسر لن يكون مؤسسة إعلامية بعينها، بل المجال العام الذي تحتاج إليه أي دولة تريد بناء عقد اجتماعي جديد.

استعادة هذه الثقة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالممارسة اليومية: بالدقة، والاستقلالية، والتوازن، والقدرة على تصحيح الأخطاء، والفصل الواضح بين الخبر والرأي. فالمصداقية لا تُمنح بقرار سياسي، بل تُبنى بالتراكم، وقد تضيع بسبب خطأ واحد إذا شعر الجمهور بأن الحقيقة أصبحت خاضعة للاعتبارات السياسية.

في نهاية المطاف، لا تبدو المعركة الإعلامية في سوريا منافسة بين قنوات أو منصات، بقدر ما هي منافسة بين تصورين للدولة. الأول يرى الإعلام أداة لتثبيت السلطة، والثاني يراه مؤسسة لحماية المجتمع من تغول السلطة. وبين هذين التصورين سيتحدد شكل المجال العام السوري خلال السنوات المقبلة.

لن تُقاس نجاحات سوريا الجديدة بعدد وسائل الإعلام التي ستظهر، بل بقدرتها على بناء بيئة تسمح لهذه الوسائل بأن تعمل بحرية ومسؤولية في آن واحد. فالإعلام ليس ترفا في مرحلة إعادة بناء الدول، بل أحد شروط نجاحها. وإذا أرادت سوريا أن تطوي صفحة الصراع، فإنها لن تحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن، بل إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والحقيقة. ومن دون إعلام وطني مستقل، قادر على النقد كما هو قادر على نقل الوقائع، ستظل البلاد معرضة لأن تنتقل من صراع على الأرض إلى صراع لا يقل خطورة: صراع على الذاكرة والشرعية ومعنى الوطن نفسه.

1