مضيق هرمز يعري الناتو ويكشف أزمة التحالفات الغربية
بوصفه حلف الناتو بأنه “نمر من ورق”، لم يطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب شتيمة، بل وضع يده على أزمة أعمق في بنية الأمن الجماعي الغربي. الحلف الذي تأسس ليكون مظلة حماية لأوروبا والعالم الغربي، يجد نفسه اليوم عاجزا عن اتخاذ موقف حاسم في واحدة من أكثر النقاط حساسية في العالم: مضيق هرمز. تصريحات ترامب تكشف التناقض بين خطاب القوة الذي يرفع شعار الدفاع عن المصالح المشتركة، وبين واقع التردد الذي يجعل الحلف يبدو كأنه مؤسسة بيروقراطية أكثر من كونه قوة عسكرية قادرة على الفعل.
الهجوم ليس جديدا في أسلوب ترامب، لكنه هذه المرة يكتسب معنى خاصا، لأن الأزمة في هرمز ليست أزمة نظرية، بل أزمة تمس حياة ملايين البشر وأسعار الطاقة العالمية والأمن الغذائي. حين يقول إن الناتو “جبان”، فهو يعكس شعورا أميركيّا بأن الحلفاء يريدون الاستفادة من المظلة الأمنية الأميركية دون أن يدفعوا ثمن المشاركة. وهذا الاتهام، سواء اتفقنا معه أو لا، يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل الناتو ما زال قادرا على أن يكون أداة فعالة لحماية مصالح الغرب، أم أنه تحول إلى شعار فارغ، يختبئ خلف بيانات القلق العميق والوعود بالمساهمة؟
في المقابل، ردود الحلفاء جاءت بعبارات دبلوماسية: “نعرب عن استعدادنا”، “نثق بأننا سنجد طريقة”، وهي لغة لا تقنع ترامب ولا تعكس جدية في مواجهة التحدي. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل شريان للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فورا على أسعار النفط وعلى استقرار الأسواق.
هل الناتو ما زال قادرا على أن يكون أداة فعّالة لحماية مصالح الغرب أم أنه تحول إلى شعار فارغ يختبئ خلف بيانات القلق العميق والوعود بالمساهمة؟
الأزمة في مضيق هرمز ليست مجرد خلاف على توزيع الأدوار بين واشنطن وحلفائها، بل هي اختبار صلب للناتو نفسه. منذ تأسيسه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان الحلف يقوم على فكرة الأمن الجماعي: إن أي تهديد يُواجه من قبل الجميع، وإن أي خطر على عضو واحد هو خطر على الكل. لكن حين تعلق الأمر بمضيق هرمز، ظهر أن هذه الفكرة لم تعد تعمل كما صُممت، وأن الحلفاء يفضلون الاحتماء بالولايات المتحدة بدلاً من تحمل مسؤولية مشتركة. هذا التردد يكشف أن الناتو، رغم ما يملكه من قوة عسكرية هائلة، يعاني من أزمة إرادة سياسية، وأنه قد يكون بالفعل “نمرا من ورق” كما وصفه ترامب.
البيانات الأوروبية التي تتحدث عن “الاستعداد للمساهمة” و”الثقة في إيجاد طريقة” تبدو أقرب إلى لغة بيروقراطية منها إلى موقف عسكري حاسم. في لحظة كهذه، حيث الملايين يعتمدون على مرور آمن للطاقة والغذاء عبر المضيق، لا تكفي الكلمات ولا تكفي البيانات المشتركة. ما يحتاجه العالم هو فعل، وما يراه ترامب هو غياب هذا الفعل. لذلك فإن هجومه ليس مجرد استعراض سياسي، بل هو انعكاس لواقع أن الناتو لم يعد قادرا على أن يثبت نفسه كقوة ضامنة للأمن الدولي خارج حدود أوروبا.
الأزمة تكشف أيضا عن خلل في مفهوم “الأمن الجماعي” نفسه. فحين يكون الخطر بعيدا عن العواصم الأوروبية، يتراجع الحماس، وتصبح المشاركة مشروطة ومحدودة. لكن في عالم مترابط، لا يمكن فصل أمن الطاقة في الخليج عن أمن الاقتصاد في أوروبا، ولا يمكن تجاهل أن أي اضطراب في هرمز ينعكس فورا على أسعار النفط والغاز في برلين وباريس ولندن. ومع ذلك، يظل الموقف الأوروبي مترددا، وكأنهم يفضلون أن تتحمل واشنطن وحدها العبء، بينما يكتفون بالاستفادة من النتائج. هذا التناقض يضع الناتو أمام سؤال وجودي: هل هو تحالف حقيقي، أم مجرد واجهة سياسية؟
ترامب، بأسلوبه الصدامي، قد يكون عبّر عن حقيقة لا يريد الأوروبيون الاعتراف بها: إن الحلف يعيش أزمة ثقة داخلية، وإن الولايات المتحدة لم تعد ترى نفسها ملزمة بالدفاع عن حلفاء لا يريدون الدفاع عن أنفسهم. هذا التحول في الموقف الأميركي يضع الناتو أمام لحظة الحقيقة. فإما أن يثبت أنه أكثر من مجرد شعار، وأنه قادر على الفعل في مواجهة التحديات العالمية، أو أن يظل كما وصفه ترامب: “نمر من ورق”، عاجز عن مواجهة الأزمات خارج حدوده التقليدية.
التردد يكشف أن الناتو رغم ما يملكه من قوة عسكرية هائلة يعاني من أزمة إرادة سياسية وأنه قد يكون بالفعل “نمرا من ورق” كما وصفه ترامب
مضيق هرمز، بهذا المعنى، ليس مجرد ممر للطاقة، بل هو مرآة تعكس أزمة التحالف الغربي. فإذا كان الحلف عاجزا عن تأمين شريان حياة عالمي، فكيف يمكنه أن يقنع العالم بأنه قادر على مواجهة تحديات أكبر، مثل صعود الصين أو التهديدات الروسية؟ وإذا كان الأمن الجماعي يتوقف عند حدود أوروبا، فما الذي يبقى من فكرة التحالف الدولي؟ هذان السؤالان لا يمكن أن يُجاب عنهما ببيانات دبلوماسية، بل يحتاجان إلى أفعال تثبت أن الناتو ما زال قوة حقيقية، لا مجرد مؤسسة بيروقراطية تتحدث عن القلق العميق.
الأزمة في هرمز قد تكون لحظة فارقة. فهي إما أن تدفع الناتو إلى إعادة تعريف نفسه، وإلى إثبات أنه قادر على حماية مصالح العالم الغربي في أي مكان، أو أن تكشف أنه فقد دوره التاريخي، وأنه لم يعد سوى ظل لقوة أميركية تتراجع عن التزاماتها. في كلتا الحالتين، ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف عابر، بل هو اختبار لمستقبل التحالفات الغربية، ولقدرة الناتو على البقاء كقوة ذات معنى في القرن الحادي والعشرين.
وإذا استمر الحلفاء في رفض الانضمام إلى الولايات المتحدة في تأمين المضيق، فإن ذلك سيعني عمليّا أن الناتو فقد القدرة على العمل خارج حدوده التقليدية، وأنه لم يعد سوى إطار للتشاور السياسي، لا قوة عسكرية فاعلة. هذا الموقف سيعزز الانطباع الذي عبّر عنه ترامب، ويجعل الحلف يبدو عاجزا عن مواجهة التحديات العالمية. عندها سيكون أمام الناتو خياران لا ثالث لهما: إما أن يظل “نمرا من ورق”، أو أن يعيد بناء نفسه كتحالف قادر على الفعل، لا مجرد شعار يرفع في البيانات الرسمية.