مدريد تبرئ الرباط وتحاصر “أكاذيب” سبتة

الرسالة من وراء تصريحات سانشيز واضحة: لا مصلحة لإسبانيا في تحويل أزمة الهجرة إلى أزمة سياسية مع المغرب
الاثنين 2026/08/31
حقاق سبتة تنكشف

لم يكن نفي رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وجود أي تورط للمغرب في موجة التدفق المفاجئ للمهاجرين إلى سبتة مجرد موقف يتعلق بتحديد المسؤوليات عن أزمة حدودية عابرة، بل بدا محاولة سياسية واضحة لمنع عودة الهجرة إلى مربع التوتر بين مدريد والرباط.

وبعد أسابيع من الجدل والتكهنات، أكد سانشيز أن أجهزة الاستخبارات التي تتعاون معها الحكومة الإسبانية لم تجد أي دليل يثير الشك في مشاركة السلطات المغربية، بأي شكل، في الأحداث التي شهدتها سبتة.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأن موجات الهجرة الجماعية إلى سبتة ومليلية كثيرا ما تجاوزت بعدها الإنساني والأمني لتتحول إلى مؤشر على طبيعة العلاقات السياسية بين البلدين. ولذلك فإن استبعاد الرباط من المسؤولية لا يعني فقط تصحيح رواية بشأن ما حدث، بل يعكس حرص مدريد على عدم السماح للأزمة بإعادة تسميم العلاقة التي شهدت خلال السنوات الماضية محطات توتر حادة.

لكن الأهم في الرواية الإسبانية الجديدة هو أنها تنقل مركز الاهتمام من الحدود إلى الفضاء الرقمي.

فالحكومة الإسبانية لا تزال تحقق في الأسباب التي أدت إلى التدفق المفاجئ، غير أن المعطيات التي قدمها سانشيز ووزراء حكومته تشير إلى دور كبير للمعلومات المضللة التي انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن نشاط شبكات إجرامية تستغل المهاجرين.

وبذلك، تتحول أزمة سبتة إلى نموذج لتحد جديد: كيف يمكن لشائعة رقمية أو لمعلومة قانونية محرّفة أن تتحول في وقت قصير إلى حركة جماعية باتجاه الحدود؟

وتشير التحقيقات الإسبانية إلى أن قرارا للمحكمة العليا صدر في الثامن من يوليوز الماضي جرى تحريف مضمونه قبل أن تنتشر تفسيرات مضللة عبر المنصات الرقمية. ومن بين المعلومات التي تم تداولها أن الأشخاص الذين يدخلون إلى سبتة سباحة لا يمكن إعادتهم إلى المغرب، وهي رواية أكدت السلطات الإسبانية أنها غير صحيحة.

وهنا يكمن التحول الأعمق. فالهجرة غير النظامية لم تعد تتحرك فقط عبر شبكات ميدانية تقليدية، بل أصبح الفضاء الرقمي جزءا أساسيا من بيئة التهديد.

ومن خلال منشورات ومقاطع فيديو ورسائل متداولة على نطاق واسع، يمكن خلق حالة من التعبئة، ونشر معلومات بشأن فرص العبور، وتحديد نقاط التجمع، بل وإعطاء آلاف الأشخاص الانطباع بأن لحظة استثنائية قد فتحت أمامهم فرصة للوصول إلى أوروبا.

استبعاد الرباط من المسؤولية لا يعني فقط تصحيح رواية بشأن ما حدث، بل يعكس حرص مدريد على عدم السماح للأزمة بتسميم العلاقة مع المغرب

وهذا ما يجعل إدارة الحدود أكثر تعقيدا. فالسلطات قد ترفع مستوى المراقبة وتزيد الدوريات، لكن الأزمة يمكن أن تبدأ قبل ذلك بكثير، من هاتف محمول ومنشور مجهول المصدر.

ويقول الأكاديمي والباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد إن اعتراف الحكومة الإسبانية بعدم تدخل المغرب يمثل خطوة مهمة لحماية التعاون الثنائي من التصعيد السياسي والاستغلال الانتخابي.

فمدريد، بحسب معتضد، تدرك أن مواجهة الرباط لن تخدم معالجة الأزمة، لأن إدارة ملف الهجرة تتطلب تعاونا أمنيا واستخباراتيا مستمرا، وتبادلا سريعا للمعلومات حول الحملات الرقمية المنظمة والشبكات التي تقف وراءها.

وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي شدد أمام البرلمان على أن تعاون المغرب لا غنى عنه، مشيرا إلى أن التواصل مع نظيره المغربي ناصر بوريطة لم ينقطع منذ اليوم الأول للأزمة.

كما حرص ألباريس على فصل ملف سبتة عن القضايا السياسية الأخرى التي حاولت بعض الأطراف ربطها بالأزمة، سواء تعلق الأمر بالعلاقات الإسبانية الجزائرية أو بالنقاشات المتعلقة بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين أو بالخلافات الأخرى بين البلدين.

والرسالة هنا واضحة: لا مصلحة لإسبانيا في تحويل أزمة الهجرة إلى أزمة سياسية مع المغرب.

من جانبه، قدم وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا معطيات تعزز هذا التوجه، مشيدا بجهود المغرب في منع محاولات الهجرة غير النظامية واعتراضها قبل الوصول إلى الحدود.

لكن أزمة سبتة كشفت في المقابل أن نجاح التعاون التقليدي في مراقبة الحدود لا يكفي لمواجهة التهديدات الجديدة.

ويرى هشام معتضد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعاون القائم على إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى تعاون يقوم على استباق المخاطر ورصد المؤشرات المبكرة.

فالأمن الحدودي لم يعد يعني فقط مراقبة البحر والسواتر والمعابر، بل أصبح يشمل متابعة ديناميات التعبئة الرقمية، ورصد الحملات المضللة، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل هشاشة المهاجرين وطموحاتهم.

ومن هنا، تبدو أزمة سبتة أكثر من مجرد حادثة هجرة جماعية. إنها اختبار لنموذج جديد من المخاطر العابرة للحدود، حيث يمكن أن تتحول المعلومة إلى عامل أمني، وأن يصبح الهاتف المحمول أداة تعبئة قادرة على نقل الأزمة من الفضاء الافتراضي إلى الميدان.

ولهذا فإن نفي مدريد مسؤولية المغرب يحمل بعدا يتجاوز الحادثة نفسها. فهو اعتراف ضمني بأن الأزمة لا يمكن تفسيرها بمنطق سياسي بسيط، وأن التحديات الجديدة تتطلب شراكة أعمق بين البلدين.

بين الساتر البحري وشاشة الهاتف، تتغير قواعد إدارة الهجرة. وربما يكون الدرس الأهم من أزمة سبتة أن حماية الحدود لم تعد تبدأ عند نقطة العبور، بل تبدأ في الفضاء الرقمي، حيث يمكن للشائعة أن تتحول، خلال ساعات، إلى أزمة حقيقية على الأرض.