محمد مصدّق.. تحولات التعبير وقلق الصورة
هناك محاولات شبابية في الفن لم تزل تأخذ على عاتقها تقديم الجديد والممتع في الرسم، ولعل واحدًا من بين أولئك الشباب هو الفنان العراقي محمد مصدّق، فقد قدّم مجموعة من أعماله المتنوعة ضمن معرضه الأول المقام في قاعة سلام عمر الفنية في بغداد، غلب عليها طابع تعبيري وروح رمزية تحتمل الصدق.
وهو هنا يوضح خطابه في دلالة ملفتة يثيرها عبر تصور في بنائية لها مميزات رمزية تخضع لتوضيح صورة دالة عن الإنسان وهو مكمّم الفم، وكأنه يريد القول إننا لا يمكن أن نتحدث؛ لأن ما يحيطنا غارق في مستنقع خطير من الوهم والفساد والتشريد وسرقة ما يخصّب ذاكرتنا ونضجها كآدميين لنا الحق في العيش على هذه الطبيعة. ومع هذا ثمة ما يربكنا حينما نؤكد على فعل الرسم، فهل كانت كل تلك المقاصد بشكلها الضمني أو المباشر تعرفنا على فنان يختزل تجاربنا ومأساتنا في أشكال موزعة بدقة ومقاربة مختزلة؟ وأين تكمن جمالية لوحاته؟
خصوصية في الأداء والمعرفة
من تابع معرض محمد مصدّق سيتضح له أولًا أن أداءه في الرسم مثل تحولًا أسلوبيًا مؤثرًا مثبتا تمكنه العالي، وأيضًا لم تكن ثمة مرجعية يعود لها الفنان في عمله ولوحاته، إنما ثمة خيال يغلب عليه التفاعل مع الحياة والوقائع اليومية التي نحياها، وبالنتيجة الفنان أعلن عن موقف وهو يكشف ما يتعرض له الجميع، وقد يتعلق الأمر بمرجعية البناء الخاضع لمعايير الرسم الحقيقي والدال على توجه الفنان.
طريقة رسمه بدت لنا محايدة من جهة ومعلنة عن فعلها الخاضع للمعرفة من جهة أخرى، ووفق هذا التصور سنقف عند أمرين: الأول يتعلق بقدرته على التعبير بحيوية يحضر فيها الوعي والمسؤولية في الإتيان بالمتغير والجديد في الرسم العراقي، وثانيهما أنه شكّل عبر أكثر من عشرين عملًا فنيًا وحدة موضوعية لازمت جميع لوحاته، بحيث بقيت خصوصية الرسم تحتفظ بعوامل ظهورها ومرجعيتها الجمالية.
لا يكتفي مصدّق بالإشارة إلى موضوعه وقوة رمزيته، بل يعبّر، عبر طاقة الرسم، عن أحداث كثيرة يلتقطها من محيطه. وقد بدا لنا أن سعيه يقوم على خيار جمالي يرتبط باستقلالية العمل وطاقته الاستعارية. فهذا الفنان، مع قدرته على التعبير، يوضح رؤيته لما يدور حولنا من إشكاليات، ويترك للمتلقي حرية اكتشاف وجهته واتخاذ موقفه، وكأنه يتعمد تقديم تعبير مفتوح وغير مغلق، ليكون القرار الأخير للمتلقي.
أين الجديد في رسوماته؟
سبق لقاعة سلام عمر أن قدمت، في الفترة الأخيرة، تجارب فنية شبابية، مثل تجارب محمد سهيل وعلي كريم، اللذين قدما أعمالًا لافتة. ويواصل الفنان سلام عمر، من خلال قاعته، دعم أسماء فنية شابة تنحاز إلى التجريب وتقدم محاولات جديدة. وتلفت هذه الأعمال الانتباه بما تستحقه من حضور إعلامي، فهي وإن كانت جديدة على عين المشاهد، فإنها تحمل من الخصوصية والإثارة ما يجعلها جديرة بالاهتمام والإشادة.
أما رسومات محمد مصدّق، فقد حققت نوعًا من الألفة مع المشاهد، لكونها تقترب من واقعية المأساة اليومية، من دون أن يتخلى الفنان عن مسؤوليته في تعزيز التنوع في التأليف البصري. ويبدو أن ثمة رغبة واضحة في كسر الرتابة التي تفرضها الأعمال المتشابهة والمتكررة لدى أكثر من فنان، وكأن الأفكار انحسرت في اتجاه واحد وأسماء محددة. ومن هنا يأتي هذا المعرض ليقدم قدرًا من التنوع والمغايرة، ويكشف عن قدرة على طرح محاولات جادة في التعبير.




