جبران طرزي فنان لبناني برتبة فيلسوف
هل يمكن للفن التجريدي الهندسي أن يتحول من مجرد قواعد بنائية صارمة إلى صلاة بصرية تتسع لهوية مشرقية كاملة؟ في عزلته الطويلة التي أثمرت ثلاثمئة لوحة، خاض الفنان اللبناني جبران طرزي كفاحا معنويا ضد قوانين السوق والحروب، ليصوغ من المربعات والدوائر لاهوتا جماليا يرى في العقل والزهد بابا وحيدا للخلاص.
هل باستطاعتنا كمتلقين، أن نكوّن فكرة عن الأبعاد الفلسفية للفن التجريدي الهندسي الذي أنجزه الفنان اللبناني جبران طرزي (1944 – 2010)، بحيث تكشف عن تعبير تاريخي يبين مدى تشبع الفنان بإرث أسلافه الفني؟ وحتى ولو اتخذ جبران طرزي موقفا يغلب عليه الطابع التنظيري الفلسفي الحداثي في إبداعه التجريدي؟
حتى نتمكن من الإجابة على هذا التساؤل يتوجب علينا أن نبرهن للقارئ أن الأعمال المنجزة من قبل الفنان جبران طرزي مر عليها وقت طويل. جاء الوقت الأول عبر الاشتغال البطيء التجريبي من عام 1986 إلى عام 1988 عبر تصميم مرايا وصناديق شرقية تحمل توقيعه والفترة الإبداعية التجريدية من عام 1988 إلى عام 2003، وتجلت بكل ما أنجزه الفنان في عزلته من نحو 300 لوحة فنية هندسية تجريدية، والتي أصر وحرص خلالها رفض فكرة تسويقها قطعا.
الفنان اللبناني جبران طرزي يقدم تصورات فلسفته الفنية بوضوح لتكون وقائع عمله خالية من شوائب المنافسة مع الآخر
هذا القرار ينبع عن تعلق كبير بقيمة ومعاني وجوهر الفن التجريدي الهندسي وبميدان عمله وكفاحه المعنوي الذي يخالف قوانين السوق التجاري ويتحداها.
في الواقع يقدم الفنان اللبناني جبران طرزي تصورات فلسفته الفنية بوضوح لتكون وقائع عمله خالية من شوائب المنافسة مع الآخر. إنه تفكير يمضي قدما في الأخذ المباشر بسمو الفن ورسالته الخالدة. ثبت أن الفنان جبران طرزي كان زاهدا بالمال والشهرة فجوهر نظام عمله يرتهن إلى عدة تفسيرات، أولها انعكاس وجهه كمتصوف متجرد يرى في الفن تطلعا روحيا ساميا، لهذا يتخذ المقدس عنده تصورا محكوما بتقديم رؤية الفلسفة بعيدا عن الإنشاء والغنائية البصرية في العمل الفني. بمعنى أنه يتعامل مع الخطوط والأشكال التجريدية كالمربع والدوائر والمثلثات كمصدر شكلي يتابع علة مسببات الوجود في الطبيعة، وهذه النظرة الفلسفية تنتقل بالشكل من جزء تفصيلي إلى “كل” يبسط هيمنته بحكم سلسلة حالات تتشابه في الأشكال وتختلف في مميزات تجاورها بصريا وهي مغامرة تحتاج إلى دقة في العمل وبناء في تعبير الصورة.
مع هذا هنالك ما يمكن التساؤل عنه ربما يبدو منطقيا حينما نطرحه: هل الفنان جبران طرزي يؤيد فكرة أسبقية النظرية على الفن أم فرضت قوانين تنظيم الفن التجريدي الهندسي شروطا مسبقة لكي يتكون العمل الفني وفق أهمية ذلك الطرح البنائي؟
أعتقد أن الفنان تعامل مع اللوحة الفنية بدافع المتصوف الذي يهدف إلى طرح رؤاه حول الطبيعة والحياة والعالم بمجمله وفق نظرة تجعل من الإنسان منحازا لإنسانيته لتخطي ومداواة جروح الحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1990 من خلال العطاء الثقافي.
وفقا لما سلف بيانه، غدا الفنان اللبناني جبران طرزي متخذا أشد القرارات الحاسمة في مواقفه. بالتالي يثقل كاهله التفكير في “المقدس” و”الحرية” و”التبعية للآخر” ويعيدنا موقفه إلى من سبقه فهذا آتين جلسون الذي يؤكد في كتابه روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط الصادر عن مكتبة مدبولي أن “الاختيار هو أساس فعل الإرادة”، وهذا ما قدمه جبران طرزي من توضيحات في تتابع الفن والاهتمام به دون اللجوء إلى الآخر أو مقاطعته، وأعتقد أن فعل الاختيار الحر قاده إلى وجود علاقة بين التجريد الهندسي وفكرة الحقيقة.
طرزي كان يسعى بوضوح لإضافة التفكير الفلسفي بالفن ليبدو ضمن فلسفة الجمال مما يجعل ساحة العمل الفني ترتبط بتقديم اختيار “المقدس”، وهو اهتمام أخلاقي وروحي أولا قبل أن يكون تنظيرا. ويتحدث عن الإرادة لدى الإنسان أو عن مفهوم طرح الحرية في الفن والتي هي غالبا ما تقابل الضرورة، فكيف يجمع هذا الفنان في عمله الفني بين الحرية والضرورة؟
في الواقع، ثمة حرية تتوجب أن تحتمل صورة التلقائية في فعل الإرادة وهو ما طرحه في بيانه الفلسفي “رغبة الشرق” الصادر في كتابه “تنويعات هندسية” (دار الفنون الجميلة – لبنان – 2007) حينما أشار في قوله “لا خلاص خارج ثقافة بلدية أصلية مطبوعة بتصميم البحث عن الكونية”.
يتبيّن على نحو معلن أن جبران طرزي وضع شرط الانتماء المشرقي لبيان هويته الإنسانية وهو تفكير يجمع بين الجزء والكل في وحدة موضوعية مرادها التفكير بالإنسان وإرادته الحرة.
ثمة ما يجمع بين المعرفة بالفن والمعرفة التي تخص الإنسان، وربما فلسفة جبران طرزي داخل منظومة العمل الفني تتخذ من طروحات دانز سكوت مثالا يحتذى به. فهذا الأخير يميل إلى تدعيم استقلال العقل بقدر المستطاع عن نظام الحس، حسب ما طرحه آتين جلسون، في كتابه “روح الفلسفة المسيحية”. فلو تمت المقارنة بين نمط التفكير بين جبران طرزي ورؤية دانز سكوت سنصل إلى قناعة بأن الاثنين توجها نحو استقلالية العقل.
جبران يتعامل مع التجريد الهندسي بحكمة ونمط بصري يمثل قيمة التفكير بالعالم الخارجي، وسكوت يلخص الفرق بين مثالية العقل ضمن موضوعة المعرفة والفروقات في نظام الحدس. وهي ليست مبادئ يمكن تصورها بقياس معين بين الاثنين إنما ثوابت أساسها التفكير بالموجودات والتصورات الذهنية والروحية.
وأتصور أن الفنون العالقة في جدران الكنائس القديمة المشرقية هي المؤثر الأول في وعي جبران طرزي، وهذا ما حداه بالقول “حينما أصمم زخرفة فنية أشعر أني السلطان المطلق الذي يسيطر على أتباعه”. إذن عوالم فن الزخرفة المشرقية وتجلياتها الروحية ضمن نظامها البنائي استطاعت أن تثير الاهتمام المتزايد في وعيه. وكأنه أسير فن قديم لا يريد الخروج فيه عن حياة أسلافه من المسيحيين المشرقيين ممن أحيوا فكرة المقدس في حياة الصورة الفنية.
إننا ندرك مدى أهمية التزام الفنان بخياراته اللاهوتية الرؤيوية، لكن نقطة التحديد التي تهمنا هي ما تجلت في براعة الأعمال الفنية المقدمة في اشتغاله التجريدي والتي تتشبع بفكرة الصورة المتغيرة والخالصة وكأنها انتصار لموضوعها على حساب الاستمتاع بفكرة فن ينفض عنه اللذة ليحيي المقدس، ونتساءل هل التفكير بهذه الحدود يكشف لنا وجهة نظر جبران طرزي حيال الحياة والوجود وما يحيط الإنسان من تقلبات؟
أعتقد أن من خبر الديانة المسيحية سيعرف ثمة أفكار تؤكد أن تلك الديانة تؤثر عطاء الذات ومحاربة النفس والشهوات وتدعو كثيرا إلى تأمل العالم الآخر. مما يدفع بنا إلى العزلة عن العالم وهذا ما عاشه فناننا في أواخر حياته كأنه يبدو للجميع قد أخذ بطروحات القديس بطرس الدمياني والقديس برنار واللذين يريان أن جميع الحوافز الطبيعية تبدو شرا.
وعطفا على ذلك، الملفت من خلال نظرتنا إلى سياق حوارات الفنان السابقة عبر لقاءات صحفية عامي 1993 و1997 اللذين شهدا معرضيه الوحيدين في شارع الحمرا في بيروت في كل من غاليري “لاماتور” وغاليري “50×70” أو ضمن كتاباته المؤرخة في بيانه “رغبة الشرق”، أن روح التفاؤل لا تغيب عنه بل بلغت أهمية في فكره الجمالي ونظرته للوجود. لكن خيار عزلته الاجتماعية كان يعود إلى حسابات تعلو بقيمة الفن والأدب وتنهض بالمبادئ وتنسجم مع طريقة التفكير المسيحي.
ولكن أين المشكلة في طرح جبران طرزي؟ تكمن المشكلة الحقيقية في عدم معرفة الجمهور وتفهمه لطروحات الفنان ورؤيته. ونتساءل كما الآخرين لماذا لجأ طرزي إلى العزلة الاجتماعية القاسية وغابت فكرة التسويق والترويج عن ذهنه كليا بل ظل مصمما على التمسك برؤيته في مشغله؟
طرزي وضع شرط الانتماء المشرقي لبيان هويته الإنسانية وهو تفكير يجمع بين الجزء والكل في وحدة موضوعية
وماذا فعلت الحرب الأهلية في لبنان بوجدانه؟ وكيف شلت قدرته على التفكير والفاعلية بالنشاط الفني والجمالي؟ أعتقد أن العقيدة المسيحية التي آمن بها جعلت منه منظّرا يعي أهمية فكرة الخلاص من شوائب الحياة وصراع الإنسان مع أخيه الإنسان فلجأ إلى السمو والارتقاء بالفن التجريدي الهندسي كخيار يسترجع روح الإنسان الخالصة، ولكن من أين أتت هذه الفكرة؟ وكيف تم تأملها؟
لا غرابة بأن يكون جبران طرزي قد تعلق بنصوص دينية وروحية مهمة كالتي نقرأها في سفر التكوين الإصحاح الأول “ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدا وكان مساء وكان صباح يوما سادسا”. هذه الفكرة في صناعة الجمال حفزت الفنان على أن ينتج أعماله الفنية في عزلته. وهذا النص الروحي وضع جبران طرزي في زاوية حرجة ليعيد التفكير بأمرين؛ الأول عوالم العزلة والثاني خيار التفاؤل، وهذه الثنائية على وجه الدقة ما دفعته إلى خيار الاعتزاز بهويته المشرقية وخاصة في عبارته الشهيرة “من المشروع إدراك معنى المقدس من خلال العمل الإبداعي”.
في الختام، أستطيع أن أستخلص من كل هذا التحليل أن النظر في التفصيل الخاص بالأشكال الفنية لأعمال جبران طرزي وفر لنا قناعة بأن الفنان مدرك لعوالم المحيط الخارجي وسلبيات المجتمع، ومدرك أن الخلاص من كل ذلك يكمن في قوة العقل والعودة إليه. وإن الرجوع إلى التفكير والتأمل بجماليات الفن يعطي النفس الإنسانية مساحة للعودة إلى التفكير في الكثير مما يربك هواجسنا.
هذا الجهد الواعي لم يكن نتاج نزوة ترى في الرسم والتخطيط له لعبة وتسلية لكسر الوقت، بل على العكس أعطى الفنان من عمره وقتا طويلا لتأمل العمل الفني وإنجاز 300 لوحة فنية، والتي تبيّن بأن الفنان سعى لإمكانية الاستمساك بخيوط جامعة بين الفن واللاهوت الفلسفي والاعتزاز بالقديم والانفتاح على التجديد. وهذا ذروة الزهد في الحياة بأنك لا تفرط في قيمك وموروثك ولكن تحرص على تجديد خطاب الفن. ففلسفته تتحقق في حضور الإنسان والإصرار على مبدئه الأساسي.