محمد سهيل يرسم ألغازا بصرية في فضاء التشكيل العراقي

تشكيلي شاب يصوغ مفاهيم بصرية تحاكم الاستهلاك المعاصر والذاكرة الجرحية.
الاثنين 2026/06/29
ألغاز بصرية تحاكم الواقع القاسي

يبرز الفنان العراقي الشاب محمد سهيل كصوت تجريبي يكسر القوالب التقليدية في المشهد التشكيلي المعاصر، مستعينا بألغاز بصرية تستفز المتلقي. ومن خلال دمج التقنيات الرقمية ثلاثية الأبعاد بسيمياء اللعبة والدمية، يقدم سهيل رؤية نقدية حادة تفكك سرديات الحروب وعسكرة الطفولة، محولا اللوحة إلى مساحة لطرح الأسئلة ومحاكمة الواقع الجريح.

لا ينجح كل فنان شاب في ترك بصمة وسط مشهد تشكيلي مثقل بتاريخه وبتوقعاته. لكن المشهد العراقي المعاصر، رغم ازدحامه، ما زال قادرا على استقبال الأصوات التي تكسر القالب وتؤسس لمنعطف نوعي. من هذه الأصوات تجربة محمد سهيل.

الفنان محمد سهيل لا يقدّم لوحات لتزيين الجدران، بل يقدّم “ألغازا بصرية” تدفع المتلقي إلى التوقف والتأمل والشك. معرضه الثاني في غاليري سلام عمر لم يكن مجرد عرض أعمال، بل بيانا جماليا أعلن فيه عن رؤيته الخاصة، وأسس لحضور بصري جديد يمزج بين التقنية الرقمية، وسيمياء الطفولة، ونقد الحروب. بذلك خرج من دائرة التقليد إلى حقل التجريب، ومن تمثيل الواقع إلى تفكيكه وإعادة صياغته.

ثري دي يلتقي الريشة

أبرز ما يميز أعمال سهيل هو استخدامه لمفردات رسومية مستعارة من بيئة التصميم ثلاثي الأبعاد (ثري دي)، حيث الكتل لا تُرسم فقط، بل تُبنى افتراضياً ثم تُسقط على السطح. تتداخل الظلال مع الكتل الافتراضية، فتنتج فضاءً بصرياً مركباً يصعب على العين تحديد حدوده: أهو واقع أم محاكاة؟ أهو ملموس أم رقمي؟

هذه التقنية تمنح أعماله بعدا تقنيا وفنيا مركبا، المتلقي لا يواجه صورة فحسب، بل يواجه لغزا بصريا يستفزه. الظل هنا ليس وسيلة لإظهار الحجم، بل أداة لإنتاج الغموض. الكتلة لا تكتفي بالوجود، بل تفرض سؤالاً عن طبيعة هذا الوجود. بهذا يتحول الفن عنده من تمثيل إلى استقصاء: استقصاء للإدراك، واستقصاء للتخيل، وإعادة نظر في وظيفة الفن كأداة لإنتاج المعنى لا لنسخ الظاهر.

يرتكز خط سهيل الموضوعاتي على مفردة واحدة لكنها عميقة الدلالة: “الدمية واللعبة”. أنثروبولوجيا، اللعبة امتداد لبراءة الطفولة وأداة للتعلم واستكشاف العالم. لكن سهيل ينتزعها من سياقها الوظيفي البريء ويضعها في سياق الحرب.

صناديق الألعاب في لوحاته، وغالباً بقياسات ضخمة تصل إلى 200×200 سم، لا تبدو حاويات عادية، هي أقرب إلى “مقابر جماعية رمزية” أو “ملاجئ تضيق بساكنيها”. داخل الصندوق تتداخل طائرات حربية بلاستيكية وسيارات منقلبة ودبابات، مع دمى قماشية وحيوانات أليفة في حالة ازدحام خانق. البراءة والعنف يتجاوران حتى يكادا يتحولان إلى شيء واحد.

الفن عند سهيل استقصاء للإدراك والتخيل، وإعادة نظر في وظيفة الفن كأداة لإنتاج المعنى لا لنسخ الظاهر

بهذا يحوّل الفنان الدمية من مادة متعة بسيطة إلى “مستودع للأسرار والألغاز”، كما وصفها الناقد سلام عمر. الدمية عنده قناع وملجأ أخير في آن. قناع يخفي وجه الطفل المذعور، وملجأ يضيق بمن فيه لكنه يظل المكان الوحيد الممكن للاختباء من فوضى الكبار.

وتتجلى القوة الأكاديمية لسهيل في توظيف “التناص” مع روائع الفن الكلاسيكي العالمي، لكنه لا يقتبس ليحتفي، بل ليحاكم ويسخر. في إعادة صياغة لوحة “نابليون عابر جبال الألب” لدافيد، يُقحم نابليون ممتطيا جواده وسط دمى دببة ملونة وشخصيات كرتونية مثل عبقرينو وكعكي وحصان “ماي ليتل بوني”.

هنا، تصطدم النزعة الإمبراطورية الكولونيالية بعالم ألعاب بلاستيكي سطحي. النتيجة تفكيك للسرديات الكبرى للحروب: حوافر التاريخ تتحول إلى لعب أطفال عابثة، وقدسية البطولة تسقط لصالح تهريج بصري مقصود.

وفي لوحة مستوحاة من ماستر كلاسيكي للحروب الباروكية والرومانتيكية المليئة بالأجساد الصريعة والملائكة، يضع “ميكي ماوس” بابتسامته اللامبالية في قلب المذبحة، حيث نرى أيقونة الرأسمالية والترفيه الغربي تقف متفرجة أو مستثمرة في مآسي الشعوب. هكذا يحوّل التناص إلى أداة نقد ثقافي: الاستهلاك لا ينجو من الدمار، بل يتفرج عليه ويستفيد منه.

سيميائية الشعارات

لا يكتفي سهيل بالصورة، بل يدخل الكتابة المباشرة كوثيقة نقدية. عبارات مثل “MADE IN IRAQ” (صنع في العراق) و”MADE IN IRAN” (صنع في إيران) و”الخطوط الجوية العراقية” وغيرها مطبوعة على الألعاب. بهذا تخرج اللوحة من الجمالي البحت إلى السياسي المعقد.

الإشارة واضحة: الطفل العراقي لا يلعب في فراغ، فألعابه منتج مستورد أو محلي مشحون بإرث الصراع والتحولات الاقتصادية والجغرافيا السياسية. حين يظهر “مسدس ماء بلاستيكي” أو دبابة خضراء مكتوب عليها “Made in Iraq” وسط دمية طفلة صغيرة، يحدث ما يمكن تسميته “عسكرة الطفولة القسرية”. الطفل ينشأ في بيئة تتماهى فيها أداة القتل مع أداة اللعب، فلا يعود يميز بينهما إلا بعد فوات الأوان.

هذه المفارقة تخلق حسا نقديا حادا: من يصنع طفولة الطفل؟ ومن يقرر شكل ألعابه وذاكرته؟

حين يتفرج ميكي ماوس على المذبحة
حين يتفرج ميكي ماوس على المذبحة

تقنيا، يمتلك سهيل قدرة عالية على محاكاة الملمس. المتلقي يميز بوضوح لمعة البلاستيك للسيارات، وفراء الدببة القماشي، والجلد الاصطناعي. هذا التركيز على “مادية الأشياء” يعزز إحساس “التشيؤ”؛ الدمية تكتسب جمودا يقترب من جمود الموت، فيصبح الفارق بين اللعبة والجثة فارق درجة لا فارق نوع.

أما منظوره المفضل فهو الزاوية العمودية من الأعلى في لوحات الصناديق، يضع المتلقي في موقع المراقب الإلهي الذي ينظر إلى فوضى العالم من فوق؛ هذه الزاوية تزيد وطأة الشعور بالحصار: نرى كل شيء ولا نستطيع التدخل، تماما كما الطفل المحصور في صندوقه.

لكن المثير أن سهيل يخرق نسقه مرة واحدة بلوحة طبيعية مفتوحة: نهر، أشجار، سماء غائمة بضربات فرشاة تعبيرية عريضة. لكنه يزرع في المقدمة حصانا بلاستيكيا ورديا.

الصدمة هنا فكرية: الاصطناعي غزا حتى الطبيعة البكر. الطفولة المعاصرة لم تعد قادرة على الانفصال عن قوالبها البلاستيكية حتى في الفضاء الحر. التلوث الاستهلاكي لم يعد ماديا في البيئة فقط، بل غزا الوعي والذاكرة والطفولة نفسها. الطفل اليوم لا يرى الطبيعة بكائناتها الحية، بل يراها عبر وسيط بلاستيكي مشيّأ.

من أبرز ملامح سهيل استعارة مفردات الطفولة لتعزيز المفارقة، حيث براءة الشكل تتقاطع مع غموض الدلالة، النقاء الطفولي يتصادم مع التعقيد المفاهيمي، فتولد عوالم بصرية تتأرجح بين الضحك والقلق.

هذه المقاربة نادرة لأنها تستدعي أسئلة جوهرية حول العلاقة بين التشكيل والذاكرة، وبين الرمز والسياق. الذاكرة عند سهيل ليست حنينا إلى الماضي، بل شظايا بلاستيكية نحاول تركيبها من جديد. الرمز لا يشرح نفسه، بل يطلب من المتلقي أن يعمل ويبحث ويخطئ ويعيد التأويل.

​  "ألغاز بصرية" تفكك عسكرة الطفولة  ​
"ألغاز بصرية" تفكك عسكرة الطفولة  ​

إعادة إنتاج الوعي

تجربة محمد سهيل تعيد إلى الواجهة سؤالا قديما جديدا: ما وظيفة الفن حين تتقاطع التكنولوجيا مع التعبير الإنساني؟ هل يمكن للفن أن يعيد تشكيل الواقع بأدواته البصرية؟ وإلى أي مدى يسهم الفنان في إعادة إنتاج الوعي أو تحفيز الإدراك الجمالي؟

سهيل يجيب عمليا: نعم، يمكن.. لكن ليس عبر تمثيل الواقع، بل عبر تفكيكه، أسلوبه التجريبي ومفاهيمه البصرية غير التقليدية يرشحانه للانتماء إلى حقل الفن التجريبي المعاصر الذي لا يكتفي بالمرآة، بل يكسرها ثم يعيد تركيب شظاياها ليرينا وجهاً آخر للعالم.

أعماله صرخة بصرية أكاديمية ناضجة ضد الحروب. لكنها صرخة لا تأتي بدماء حقيقية، بل بفك وتركيب شظايا الذاكرة الطفولية البلاستيكية. احتجاج على عالم مشوّه غلبت فيه الآلة وحسابات الكبار على براءة الصغار.

رغم حداثة سنه، فهو من مواليد عام 2000، رسم محمد سهيل مسارا مهنيا متسارعا حيث نظم عام 2009 معرضه الشخصي الأول في قاعة مردوخ ببابل، وهو في التاسعة من عمره، وجاء المعرض إشارة مبكرة إلى موهبة استثنائية. عام 2014 نظم معرضه الثاني برعاية مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية ووزارة الثقافة العراقية.

في العام 2022 كان له حضور مميز في معرض مشترك في كلية الفنون الجميلة بغداد، كذلك في العام 2023، حيث حضرت أعماله في معرض مشترك لافتتاح غاليري سلام عمر “ريمونتادا”.

صرخة بصرية ضد الحروب. لكنها صرخة لا تأتي بدماء حقيقية، بل بفك وتركيب شظايا الذاكرة الطفولية البلاستيكية

عام 2024 شارك في معرض جماعي بعنوان “انتباه” في غاليري سلام عمر، وسمبوزيوم رأس المتن في لبنان. أما عام 2025 فعقد معرضه الشخصي الثالث في غاليري سلام عمر، وكانت له مشاركة في معرض مشترك بعنوان “فن القاهرة” في مصر. وخلال العام الحالي كانت له أيضا مشاركة في معرض “من مراسمنا”.

هذه المحطات تؤكد أن سهيل لا يعمل بمعزل عن الحركة التشكيلية في العراق وخارجه، بل يتحرك داخل شبكة فاعلة من القاعات والمهرجانات المحلية والعربية، ويبني حضوره خطوة خطوة.

صانع ألغاز لا أجوبة

تجربة محمد سهيل ظاهرة بصرية لافتة تحاول صياغة “سريالية واقعية” جديدة، تنبثق من بيئة عراقية محملة بذاكرة الحروب. لا يهرب إلى الحلم المجرد، بل يغمس الحلم في طين الواقع البلاستيكي.

نجح في تحويل الدمية من موضوع هامشي إلى مركز نقدي. ومن خلال تقنيات “ثري دي” والتناص والمنظور العمودي، خلق عالما فنيا مميزا خارج المألوف. تمتزج فيه التقنية الحديثة بالرؤية الإبداعية، والبراءة بالغموض، والطفولة بالسياسة.

محمد سهيل لا يقدّم لنا أجوبة. يقدّم لنا ألغازا. وربما هذه هي مهمة الفن الحقيقية في زمن ضجت فيه الإجابات الجاهزة: أن يجعلنا نتوقف، نحدق، نشك، ثم نسأل من جديد. لأن السؤال، حين يُطرح صح، هو أول خطوة نحو عالم أقل عسكرة وأكثر إنسانية.

9