محمد الخروبي.. فنان ليبي يرسم اللهجات بألوان مسموعة
يشكّل الفنان الليبي محمد الخروبي تجربة فنية متفرّدة تمزج بين أصالة الخط العربي وروح التشكيل المعاصر، في مسار إبداعي يتجاوز حدود التدوين إلى فضاء بصري مفتوح على التأويل. عبر مراحل متعدّدة، يواصل بناء مشروعه القائم على التجريب، واستنطاق الخامة، وتحويل الحرف إلى أثر حيّ يراهن على تجريب تشكّله.
يتكئ الفنان التشكيلي والخطاط الليبي محمد الخروبي على ثقافة فنية واسعة وخبرة طويلة تمتد إلى أكثر من 25 سنة تقريبًا، بين العمل الفني بشكل خاص والعمل الإداري للفن التشكيلي والمتمثل في مؤسسة “دواية للفنون”.
وقد تجاوزت المؤسسة عيدها العاشر قبل عدة أشهر مضت، وأصبحت من المؤسسات الفاعلة في المشهد التشكيلي الليبي بإقامة ملتقى دواية لفن الخط والحروفية أو بالدعم والمشاركة في العديد من المعارض والورش والفعاليات الفنية والثقافية الأخرى التي تشهدها مدينة طرابلس من وقت إلى آخر، بالإضافة إلى المشاركات الخارجية عبر هذه المؤسسة في تواصل فاعل مع العديد من المهرجانات والملتقيات العربية المجاورة.
أعمال الفنان لا تضيع في متاهة الصنعة، فهي دائمة التجدد والتنوع رغم نسقها العام والموقف التشكيلي الذي يتخذه
رسم اللهجات
في تجربة الفنان الشخصية مرّ بالعديد من المراحل، كتجريبه للعديد من التقنيات، وأنتج أعمالًا متنوعة بين فن الخط العربي التقليدي واللوحة الحروفية، وكانت مشاركاته في مجال الخط والحروفية مبكرة بالنسبة إلى عمره الفني في العديد من الملتقيات المهمة داخل ليبيا وخارجها.
أعماله لا تضيع في متاهة الصنعة، فهي دائمة التجدد والتنوع رغم نسقها العام والموقف التشكيلي الذي يتخذه في مسيرته الفنية. فالمهارة عنده أداة من أدواته الطيعة يستدعيها حسب الحاجة الفنية، فتكون حاضرة بقوة في أعمال وتغيب قليلًا في أعمال أخرى، فالموضوع يحدد الضرورة لاستخدام القدرة الفنية ونسبتها في الأعمال المنجزة.
تظهر في أغلب الأحيان حروفيات ومخطوطات قديمة مهترئة في مظهرها، متماسكة في بطنها، فنصوصه التشكيلية تتشكل على أسطح لوحاته ككتل ملونة متداخلة الحروف والألوان، تجدها تارة في حالة عراك وتارة أخرى في حالة عناق، وكلا الحالتين لا تخلو من الانسجام والتناسق بين التجاور والعناق.
العملية الإبداعية عند الفنان تبدأ كـ”شفرة مورس” التلغرافية، حاملة معها تتابعات ذات أطوال موجية مختلفة تعبر عن حروف وأرقام ورموز، تصبح مكانًا لتوليد الأفكار ومعمل إنتاجه. يتواصل معها المتلقي عبر أسطح ملونة ومكتظة بالأشكال المعبرة عن نصوص الفنان المقترحة في أعماله الفنية، ومرتبطة بذائقة المتلقي وخبرته الفنية أيضًا في التعامل مع هذه الأطوال وفك شفرتها واستخلاص مضامينها.
الفنان لا يركز على مضمون النص المكتوب بقدر تركيزه على الحالة التشكيلية التي يصنعها حضور كل المفردات التشكيلية مجتمعة، بما فيها النص المكتوب نفسه، ويتضح هذا جليًا في مراحله الجديدة، فيصبح العمل الفني عنده نصًا تشكيليًا قائمًا بذاته، حاملًا معه النص المكتوب في داخله كوحدة واحدة، بعد التفاعل الكيميائي الناتج من عناصر التكوين وخلطة الألوان والأحبار ومواد الرسم، والتفاعل النفسي والوجداني الناتج من تفاعل حساسية الفنان بالمحيط.
يركز الفنان في أعماله على اللهجات المرسومة بعد أن تعلم فن الخط المغربي، وهو أقرب في شكله إلى الرسم منه إلى الخط، فتصبح نصوصه البصرية ذات أصوات مسموعة باختلاف لهجاتها ونغماتها المرسومة بها من أنواع الخطوط التي تعلمها في مراحله التجريبية، كالخط الكوفي، والخط المغربي، وخط الثلث، وخط النسخ، وخط الرقعة، والديواني، والفارسي، والمكي، والمدني، وكل اشتقاقاتها الأخرى؛ فهي تحمل أصواتًا متباينة لكل من ابتكرها وتعامل معها وتفنن في خطها من أنبياء وسلاطين وشعراء وأمراء وفنانين وتجار عبر كل تلك العصور المضيئة والمظلمة.
يصف الفنان حالة الرسم والتدوين عنده في حوار سابق: “في لوحاتي غالبًا ما يكون النص حاضرًا، ولكن بعد تحويله إلى مدلول بصري، لا أسعى من خلاله لإبراز دور الخط التدويني في نقل المعاني، وإنما أجعله عنصرًا مكملًا للون، وأنا لا أعتبر هذا تفريغًا للمحتوى أو للرسالة المباشرة التي يود المتلقي أن يجدها في اللوحة، فبصفتي حروفيًا فرسالتي الأولى بصرية بالدرجة الأولى، ومع ذلك تستطيع قراءة بعض اللوحات إن أمعنت البصر والفكر، وأضيف أيضًا أن المضمون متغير حسب الثقافات المختلفة، والإدراك البصري الجمالي متفق عليه تقريبًا، وعلى الحروفي أن يسعى لعمل لوحة خطية معاصرة ذات طابع شخصي، تحمل جماليات تتفق مع الفنون الأخرى”.
تنويع التجربة
محمد الخروبي بقي محافظا على الخيط الرفيع بين رشاقة الخط عند الرسم وفن الخط في انضباط يظهر مهارة وإتقانا
في معرض “تأويل” يفلت الفنان محمد الخروبي من قبضة فن الخط وينطلق إلى عالم أرحب، أقرب إلى فن الرسم والتلوين؛ فاللوحة عنده بدأت تبتعد عن الأجواء الكاليغرافية التي تنضبط تحت معايير المدارس والقوانين لأنواع الخطوط العربية المعروفة أو حتى المبتكرة منها، بل أصبح نشاطه الفني تشكيليًا خالصًا، باحثا في جماليات الأثر وانعكاسات الكلمة المرسومة، والتي كانت الأصل في لغة التواصل قبل تشكل واكتشاف الخط ككلمة، بل كرسم في صورة رموز وإشارات في العديد من الحضارات الأولى لفجر الإنسان المعرفي.
بدأ من “أديم” في تحول واضح إلى عمل اللوحة، كاشفًا عن سطحها الفني، مرورًا بتجاربه المتعددة من مجموعة “أطرابلس” بالأحبار الملونة إلى “تأويل”، فأصبح العمل عنده تشكيليًا خالصًا.
في مرحلة “أديم” كانت تجربة تهتم بفن الخامة قبل الخطوط والكلمات؛ العمل والمحسنات التشكيلية من اهتماماته الأولى، كأنه يخوض تجارب التجريديين الأوائل باستخدام فن الخامة. بدلًا من أن يدمج المواد العضوية كالرمل والخيش والمواد اللاصقة والجبس والورق الملون أو القماش الملون “كولاج”، استخدم تقنية صناعة الورق اليدوية بإضافة أصباغ محلية، فأصبحت كأنها ملونة من الداخل بشكل طبيعي؛ ألوانها البني الغامق إلى المحمر والأوكر والأصفر والأبيض، تلك التي تميل إلى طبقات الأرض بكافة تدرجاتها وأنواعها، كأنك تتأمل طبقات من الصخور الرسوبية في الصحراء الكبرى تكونت عبر آلاف السنين من حياة الكون.
وتراجعه الواضح عن فن الخط، ليس تغييرًا لمنهج، بل إضافة لمسيرة الفنان المتصلة بسلسلة من المراحل في سياق تطور تجربته الفنية باستمرار. فنان يمتلك قدرة الخطاط ومعرفته بالقوانين والشروط، وتجربته الطويلة في التلوين والطباعة كانت لها دور في صياغة مرحلته الحالية التي أفضت إلى نتائج ناضجة.
بقي محمد الخروبي محافظًا على الخيط الرفيع بين رشاقة الخط عند الرسم وفن الخط، فكانت تكويناته تميل إلى الانضباط، وخطوطه تظهر مهارة وإتقانًا.
يعمل على مزج اللغة بالفن التشكيلي عبر فن الخامة في مجموعته “أديم”، فكانت رؤيته واضحة في فن صناعة الورق اليدوي وتجهيزه للعمل، وبين رؤيته التشكيلية التي تبناها في هذه المجموعة “أديم” وما ظهر منها للعيان.
بأعماله الأخيرة يقترب الفنان الليبي من “الكتابة الصورية” التي كان يعتمدها خوان ميرو في رسوماته التجريدية، بحيث حافظ الخروبي على روح الكتابة العربية في رشاقتها وليونتها وديناميكيتها في مساحات مفتوحة بدون خط الأفق التقليدي، بحيث تصبح اللوحة مساحات مفتوحة من فضاء أو جدران متنوعة الملامس بالخطوط والألوان، تُقرأ وتُرى في آن، كأنها تمائم ضد النسيان.
جدير بالذكر أن محمد الخروبي من مواليد طرابلس 1974، وحاصل على بكالوريوس كلية الفنون طرابلس 1997، ودبلوم دراسات عليا 2006، وماجستير الفنون الجميلة سنة 2018. وهو عضو مؤسس بالاتحاد العالمي للخط العربي والزخرفة الإسلامية، ونائب رئيس الاتحاد بليبيا، وعضو مؤسس لنقابة الخطاطين الليبيين. كما أنه عضو مؤسس لمركز ليبيا برنت ميكرو لفنون الحفر والطباعة، ومن مؤسسي منظمة دواية للفنون.
تدرب الفنان على يد شيخ الخطاطين أبوبكر ساسي، ولازم الأستاذ الفنان إبراهيم المصراتي. تحصل على الترتيب الثاني والثالث في مهرجان الجزائر الدولي للخط العربي لسنتي 2009 و2012، وشارك في ملتقى الشارقة لفن الخط العربي، وملتقى المدينة المنورة لخطاطي المصحف الشريف، ومعرض “الماضي يضيء الحاضر” بالمركز الثقافي الروسي بتونس 2007، ومعرض “همسات الصمت” بقاعة “دي فيلا” طرابلس 1998، ومعرض بعنوان “تمائم ضد النسيان” بدار الفنون طرابلس 2001، ومعرض مشترك بسوريا عام 2001، وبينالي القاهرة الدولي لفن الغرافيك، وقدم معرضه الشخصي “نقطة” بقاعة كازا لونج 2010 طرابلس، والكثير من المعارض والورش داخل ليبيا وخارجها.
وهو أحد أهم المؤسسين لملتقى دواية لفن الخط العربي والحروفية مع الفنان أحمد البارودي، ومعرض “أديم” 2021 طرابلس، ومعرض “تأويل” 2024، وملتقى دواية لفن الخط والحروفية 2025.