مازن أحمد في "احتواء".. أركيولوجيا بصرية تحفر في طبقات اللون والذاكرة

قاعة "أيقونة" ببغداد تحتضن تجربة تشكيلية ناضجة تحول اللوحة إلى مختبر بصري مفتوح على صراع الكتلة والفراغ وسيجال الألوان.
الجمعة 2026/06/12
تجربة فنية ناضجة تعيد صياغة الكتلة والفراغ

احتضنت أروقة قاعة “أيقونة” للفنون في بغداد العرض الأخير للفنان المغترب مازن أحمد، تحت عنوان “احتواء”. واستقطب المعرض نخبة من الفنانين والنقاد والمهتمين، لما طرحه من معالجات بصرية تتجاوز التمثيل المحاكي نحو مختبر تجريدي مفتوح على إمكانات اللون والفراغ.

عندما أقول “مازن أحمد يمارس أركيولوجيا بصرية”، فلأنه لا يرسم صورة جاهزة، بل يحفر ويردم ويكشف ويخفي ويجعل المتلقي يشتغل وكأنه عالم آثار ليكتشف المعنى بنفسه من طبقات اللون.

يأخذنا الفنان مازن أحمد في معرضه الأخير إلى مساحات بصرية مشحونة بالطاقة الحركية والتعبيرية، حيث تتحول اللوحة عنده من مساحة للتمثيل المحاكي للواقع إلى مختبر بصري مفتوح على التجريد التعبيري.

مازن أحمد لا يرى التجريد كمجرد غياب للشكل بل كامتلاء بالمعنى الإنساني عبر بوابات اللون والضوء
◄ مازن أحمد لا يرى التجريد كمجرد غياب للشكل بل كامتلاء بالمعنى الإنساني عبر بوابات اللون والضوء

من خلال معاينة الأعمال المعروضة يتضح أننا أمام تجربة ناضجة تعيد صياغة العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين صرامة البناء الهندسي وسيولة اللون.

تتميز بنية اللوحة عند مازن أحمد باحتدام مستمر بين منطقتين: منطقة المركز المتفجر بالحيوية، والمنطقة الهامشية التي تذوب في سديمية لونية مدروسة.

في إحدى لوحاته، يتجلى هذا بوضوح عبر تلك الكتلة الدائرية العضوية الحمراء الساخنة المتموضعة في يسار الكادر، هذه الكتلة لا تبدو ساكنة، بل أشبه بجرم كوني يعاد تشكيله وسط فضاء من التدرجات الرمادية والترابية، بينما يزحف اللون البنفسجي والأزرق في الجانب الأيمن ليخلق توازنا بصريا يحمي اللوحة من الانكفاء على مركز واحد.

وفي لوحة أخرى ينتقل الفنان إلى تجريد هندسي أكثر هدوءا، يعتمد على تقطيع السطح إلى مساحات مستطيلة ومربعة متداخلة (شفافة ومعتمة). هنا، تبرز الخطوط العمودية والأفقية كأعمدة بنائية غير مرئية تمنح العمل استقراره الرصين، وسط مساحات من التعتيق التي توحي بالزمن والذاكرة.

على الرغم من الهوية التجريدية الطاغية، لا ينفصل مازن أحمد تماما عن مرجعياته الإنسانية أو المحيطية، بل يترك “شذرات” تشخيصية تسبح في ملكوت التجريد. في أحد أعماله تظهر ظلال لجسد إنساني حركي في الجانب الأيسر باللون الأزرق الداكن. هذا الحضور الإنساني ليس تشريحيا، بل هو أثر أو شبح لجسد يتفاعل مع فضاء مليء بالرموز؛ حيث نلمح في الخلفية شكلا يشبه القمم الجبلية أو المثلثات الزرقاء الحادة، بجانب بؤرة ضوئية صفراء مشعة كشمس داخلية تنبثق من قلب اللوحة.

هذا المزج بين التشخيص الخفي والتجريد المطلق يمنح المتلقي مفاتيح متعددة للقراءة، ويجعل اللوحة نصا مفتوحا على تأويلات الحالة النفسية والوجودية.

تعد اللمسة اللونية والاشتغال على الملمس الخشن والناعم أحد أهم مرتكزات الأسلوبية لدى مازن، حيث إننا ونحن نقف أمام منجزاته، نلاحظ الضخامة الأدائية للوحات؛ فالألوان لا توضع بصفاء ريبورتاجي، بل تُبنى عبر طبقات متراكمة تارة، وعبر كشط ومحو تارة أخرى.

سيمفونية بصرية تمزج الترابيات بالكهربائيات
سيمفونية بصرية تمزج الترابيات بالكهربائيات

يتنقل الفنان مازن أحمد بحرفية بين العائلة الترابية الدافئة (الأوكر، البني، البيج) التي تمثل الأرض والجذر، وبين الصدمات اللونية الباردة والكهربائية (الأزرق النيلي، البنفسجي، الأزرق الفيروزي). هذا التضاد اللوني يخلق عمقا بصريا ثلاثي الأبعاد بالرغم من تسطيح اللوحة التجريدية.

في العرض العام يظهر مازن كيف تتجاور هذه الأعمال لتشكل سيمفونية بصرية متماسكة، حيث يسلم العمل التجريدي الراكد طاقته للعمل الذي يليه والمشحون بالحركة.

إن تجربة الفنان مازن أحمد، من خلال هذه المجموعة، تؤكد أنه لا يرى التجريد كمجرد غياب للشكل، بل كامتلاء بالمعنى الإنساني عبر بوابات اللون والضوء. إنه يمارس نوعا من الأركيولوجيا البصرية على سطح اللوحة، يحفر في طبقات اللون ليخرج لنا مخزونا بصريا يجمع بين حداثة الأسلوب وعمق الإحساس بالوجود الصاخب.

يمثل هذا المعرض إضافة حقيقية للمحترف التشكيلي المعاصر، ويدعو المتلقي ليس إلى التأمل المحايد، بل إلى المشاركة في فك شفرات اللمسة واللون.

9