ماذا وراء تهديدات ترامب الصريحة والعلنية للمالكي والعراق؟
كلمات دونالد ترامب على منصة "تروث سوشيال" لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تغريدة في الفضاء الافتراضي المزدحم. هي صفعة دبلوماسية مباشرة خلعت قفازات البروتوكول وكشفت عن قبضة من حديد.
تحذير ترامب الذي لا لبس فيه لبغداد من تعيين نوري المالكي رئيسا للوزراء، مع التهديد بقطع ما تبقى من المساعدات الأميركية، لم يكن موجها إلى شخص المالكي فحسب، بل كان إعلانا صريحا عن نهاية عصر التسامح الأميركي مع حالة العراق السياسية برمتها. بتوجيه هذا التحذير، تكون واشنطن قد انتقلت من لغة التوصيات الخلفية والضغوط غير المعلنة، إلى لغة الإنذار العلني والشروط المكشوفة، محوِّلة الملف العراقي من مسألة سياسية داخلية إلى ورقة في الصراع الإقليمي الدولي الأوسع.
حدة هذا الموقف وصراحته المفرطة تكشفان عن حجم الإحباط الأميركي المتزايد من النظام السياسي العراقي الذي ساهمت واشنطن نفسها في بنائه بعد 2003. فالإشارة المباشرة إلى أن “العراق انحدر إلى الفقر والفوضى” تحت حكم المالكي السابق، ليست انتقادا لأداء شخص بعينه، بل هي حكم على عقد كامل قاده تحالف الهويات الطائفية تحت المظلة الديمقراطية.
الإشارة إلى أن "العراق انحدر إلى الفقر والفوضى" تحت حكم المالكي السابق ليست انتقادا لأداء شخص بعينه بل هي حكم على عقد كامل قاده تحالف الهويات الطائفية تحت مظلة الديمقراطية
ترامب، بخطابه الذي جمع بين الحساب السياسي والخطاب الشعبوي، وضع إصبعه على الجرح، رابطا بشكل مباشر بين الوجوه القديمة التي تتداول السلطة وبين استمرار الفشل الوطني. التهديد بوقف المساعدات هو محاولة لكسر الحلقة المفرغة التي رأتها واشنطن، حيث تُستخدم أموال المساعدات الأميركية والأموال النفطية العراقية “لإدامة نظام فاسد ومتناحر، يهدد الاستقرار بدلًا من بنائه”.
التصريح الرئاسي كان فقط الجزء الظاهر من جبل الجليد. فقبله بساعات، أطلق المبعوث الخاص مارك سافايا سلسلة من التغريدات كانت بمثابة وثيقة اتهام مدمرة، لا تخص المالكي وحده، بل نخبة الحكم العراقية بأكملها. وصف سافايا للفساد بأنه “وقود يغذي الجماعات المسلحة” يحوّل القضية من شأن جنائي داخلي إلى تهديد للأمن القومي الأميركي والإقليمي. كشفه عن “مليارات الدولارات المسروقة” واستخدامها في شراء جنسيات وجوازات سفر بديلة، واستثمارات عقارية فاخرة عبر العالم، هو تفجير للقنبلة التي طالما تحدث عنها العراقيون في الشارع وعلى المنابر.
سافايا بتوجيه هذه الاتهامات يسلط الضوء على الآلية التي تحولت بها الدولة إلى آلة نهب منهجي، وكيف أن النخب الحاكمة لم تكن فقط عاجزة عن إيقاف الفساد، بل كانت في قلب شبكاته، مستعدة للهروب بثرواتها حين تسوء الأحوال.
هذا التوقيت المتزامن بين التهديد السياسي من الرئيس والتهديد القضائي – المالي من مبعوثه ليس صدفة. إنه هجوم مُنسق على جبهتين: الأولى سياسية، تهدف إلى عرقلة ترشيح المالكي عبر رفع كلفته الدولية إلى الحد الأقصى. والثانية قانونية وأمنية، تهدف إلى ترهيب كل من قد يفكر في دعمه عبر التلويح بملفات فساد جاهزة للإطلاق وعقوبات مالية شخصية مدمرة. إنها إستراتيجية “العصا الغليظة” التي تتجاوز الدبلوماسية التقليدية، موجهة رسالة واضحة لقوى “الإطار التنسيقي” الشيعي: دعمكم للمالكي لن يؤدي فقط إلى عزل العراق دوليّا، بل سيفتح أبواب الجحيم القانونية والمالية على كبار قياداتكم.
غير أن السؤال الأعمق هو: لماذا كل هذه القسوة الآن؟ ولماذا تجاهلت إدارات أميركية سابقة، على علم شبه مؤكد بشبكات الفساد، هذه القضية لتصبح اليوم في صدارة أولوياتها؟ الإجابة تبدو متعددة الأبعاد. فمن ناحية، هناك موقف ترامب الشخصي الواضح من النظام السياسي العراقي والوجوه التي تعاونت مع إيران، والتي يراها خائنة للمشروع الأميركي الأصلي. ومن ناحية أخرى، هناك إدراك إستراتيجي بأن العراق، في صراع النفوذ الإقليمي مع إيران، لم يعد مجرد ساحة معركة، بل أصبح مصدر تمويل رئيسي للميليشيات الموالية لطهران عبر اقتصاد الفساد نفسه. قطع هذا الدفق المالي يصبح هدفا إستراتيجيّا يساوي في أهميته أي مواجهة عسكرية.
سافايا بتوجيه الاتهامات يسلط الضوء على الآلية التي تحولت بها الدولة إلى آلة نهب منهجي وكيف أن النخب الحاكمة لم تكن فقط عاجزة عن إيقاف الفساد بل كانت في قلب شبكاته
الأكثر خطورة في هذا التصعيد الأميركي هو ما يكشفه عن مأزق العراق العميق. فالنخبة الحاكمة في بغداد وجدت نفسها في مأزق يصعب الخروج منه؛ الخضوع للتهديد الأميركي يعني خسارة جزء كبير من شرعيتها الداخلية، التي تبني جزءا منها على خطاب مقاومة الإملاءات الخارجية، وخاصة من واشنطن. كما يعني تعريض العلاقة مع إيران، الشريك الأقوى والأكثر حضورا في المشهد العراقي، لهزة كبرى قد لا تُحمد عقباها. في المقابل، تجاهل التهديد الأميركي يعرّض البلاد لعقوبات مالية واقتصادية قاسية في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أمرين: أزمة عميقة، واعتماد شبه كلي على عائدات النفط التي تمر عبر المنظومة المالية الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. إنها معادلة الخضوع أو المجازفة بانهيار اقتصادي.
لذا، فإن معركة المالكي ليست معركة شخص، بل هي اختبار لإرادة النظام السياسي العراقي. هل يستطيع هذا النظام، الذي نما في أحضان المحاصصة والفساد والتبعية الخارجية المزدوجة، أن يتخذ قرارا سياديا مستقلا؟ أم أنه سيجد نفسه مجبرا على الاختيار بين سيدين، إما الانصياع للتهديد الأميركي الواضح، أو الانكفاء نحو الحليف الإيراني الأقدر على تقديم الدعم الأمني والسياسي، وإن كان ذلك على حساب العزلة الاقتصادية الأوسع؟ في كلتا الحالتين، فإن فكرة “سيادة الدولة” التي يتغنى بها الجميع تتهاوى.
المشهد الذي يرسمه ترامب وسافايا هو مشهد قاتم: عراق يُسرَق من قِبَل نخبته، وتُحوَّل ثرواته إلى عقارات في عواصم عالمية وملاذات ضريبية وجنسيات في جزر الكاريبي، بينما تتحول فتات هذه الثروات إلى أسلحة للميليشيات. إنه اتهام مدوٍّ بفشل الطبقة السياسية بأكملها. لكن الخطر الحقيقي هو أن هذا النهج التصادمي الأميركي، رغم شرعيته الأخلاقية من وجهة نظر مكافحة الفساد، قد ينتج نتائج عكسية. فهو قد يدفع بالنخب المستهدفة إلى مزيد من التشرنق والتحالف مع أعداء واشنطن، ويوفر مادة دسمة للخطابات الشعبوية الرافضة للتدخل الخارجي، حتى لو كان هذا التداخل يحمل في طياته فضحا لفساد أولئك القادة أنفسهم.
قد ينتهي الحال بالعراق إلى مزيد من التمزق، حيث تُحسم المعركة ليس في صناديق الاقتراع ولا في أروقة البرلمان، بل في صراع إقليمي دولي تستخدم فيه البلاد وقودا، وتُترك مؤسساتها وشعبها يدفعان الثمن. ترامب قد أزاح القشرة عن الجرح، لكن علاجه بالصدمة الكهربائية قد يقتل المريض.