ليبيا… هل يبدأ توحيد الدولة من المؤسسة العسكرية؟
شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية واحدة من أعقد الأزمات السياسية والأمنية في المنطقة، حيث انقسمت مؤسسات الدولة بين شرق وغرب، وتحوّل الجيش إلى مؤسستين متنافستين، كل منهما تمارس سلطتها على جزء من البلاد. الانقسام انعكس على حياة الليبيين اليومية، إذ أدى إلى انتشار السلاح، وتعدد التشكيلات المسلحة، وتراجع سلطة الدولة المركزية. لكن خبر زيارة قيادات عسكرية من الشرق والغرب إلى قاعدة رامشتاين الجوية الأميركية في ألمانيا، يفتح نافذة جديدة يمكن أن تُبنى عليها خطوات عملية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
الزيارة التي جمعت ضباطًا محترفين من الطرفين ليست مجرد بروتوكول أو تدريب تقني، بل تحمل دلالات رمزية عميقة. أن يجلس ضباط من الشرق والغرب في مكان واحد، تحت مظلة دولية، يعني أن هناك استعدادًا أوليًا لتجاوز الانقسام السياسي والبحث عن أرضية مشتركة.
من اللافت أن التعاون بدأ في ملفات تقنية بعيدة عن الانقسامات السياسية، مثل إدارة المطارات وصيانة الطائرات والنقل الجوي التكتيكي. هذه المجالات يمكن أن تكون مدخلًا تدريجيًا لتوحيد المؤسسة العسكرية، لأنها لا ترتبط مباشرة بالصراع على السلطة، بل بالاحتياجات المهنية المشتركة. بناء قيادة جوية مشتركة أو غرف عمليات متخصصة في النقل والإمداد قد يكون خطوة أولى نحو بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
الاضطرابات الأخيرة في غرب ليبيا جعلت الحاجة إلى إعادة ترتيب المشهد العسكري أكثر إلحاحًا، لكنها في الوقت نفسه تفتح فرصة لإعادة صياغة التوازنات على أسس مؤسساتية. التحركات التي يقودها وكيل وزارة الدفاع عبدالسلام الزوبي لإعادة تنظيم انتشار التشكيلات المسلحة وحصر مواقع تخزين الذخائر تأتي في هذا السياق. هذه الخطوات، إذا نجحت، ستقلل من خطر السلاح المنتشر في المدن، وتعيد بعض الثقة بين المواطن والدولة.
الدعم الأميركي عبر مبادرة المستشار مسعد بولس، والتمرين العسكري “فلينتلوك 2026” الذي جمع قوات من الشرق والغرب في سرت، يعكس التزامًا دوليًا بتوحيد المؤسسة العسكرية. هذا الدعم ليس مجرد ضغط خارجي، بل يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا إذا التقت الإرادة المحلية مع الإرادة الدولية. المهم أن يتحول هذا الدعم إلى خطوات عملية، لا أن يبقى في مستوى اللقاءات الرمزية.
فالتحدي الأكبر يبقى في دمج التشكيلات المسلحة وتوحيد هرم القيادة والسيطرة، وهي مهمة معقدة تتطلب إعادة هيكلة عميقة وضمانات أمنية وتوافق سياسي. لكن البداية يمكن أن تكون في المجالات الأقل حساسية مثل سلاح الجو والنقل والإمداد، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدًا.
توحيد المؤسسة العسكرية ليس مجرد هدف تقني، بل هو شرط أساسي لبناء سلطة تنفيذية موحدة وإنهاء الانقسام السياسي. فالزيارة إلى قاعدة رامشتاين، والدعم الدولي كلها مؤشرات على أن هناك فرصة حقيقية لإحداث اختراق في الملف العسكري الليبي. هذه الفرصة لن تتحقق إذا بقيت اللقاءات رمزية، لكنها يمكن أن تتحول إلى خطوات عملية تبني الثقة بين قيادات الشرق والغرب.
الاقتصاد والسياسة يحتاجان إلى مؤسسة عسكرية موحدة، لأن الأمن هو الشرط الأول لأي استقرار. ليبيا اليوم أمام خيار تاريخي: إما أن تبقى أسيرة الانقسام، أو أن تبدأ رحلة التوحيد من أبسط الملفات العسكرية لتصل في النهاية إلى بناء مؤسسة وطنية واحدة.
ليبيا أمام خيار تاريخي: إما أن تبقى أسيرة الانقسام أو أن تبدأ رحلة التوحيد من أبسط الملفات العسكرية لتصل في النهاية إلى بناء مؤسسة وطنية واحدة
الأمل يكمن في أن يتحول التعاون العسكري إلى مدخل لإعادة بناء الثقة بين الأطراف، وأن يصبح الأمن قاعدة للاستقرار السياسي والاقتصادي. وإذا نجحت ليبيا في هذه المهمة، فإنها لن تستعيد فقط وحدتها العسكرية، بل ستفتح الباب أمام وحدة سياسية واقتصادية تعيد للدولة مكانتها وتمنح المواطن الأمل في مستقبل أفضل.
هذه ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. ما تحتاجه هو إرادة محلية صادقة، ودعم دولي متوازن، وخطوات عملية تبدأ من أبسط الملفات العسكرية لتصل إلى أصعبها. عندها فقط يمكن القول إن ليبيا بدأت رحلة الخروج من بؤس الانقسام إلى أفق التوحيد والاستقرار.
لقد أثبتت التجارب أن بناء مؤسسة عسكرية موحدة هو المدخل الأساسي لأي مشروع وطني ناجح. ففي غياب مؤسسة عسكرية متماسكة، تصبح الدولة عرضة للانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية، وتتحول الساحة إلى فسيفساء من القوى المحلية التي تتنافس على النفوذ. ليبيا ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما تكون المثال الأوضح على خطورة الانقسام العسكري. لذلك فإن أي خطوة، مهما بدت صغيرة، نحو توحيد المؤسسة العسكرية، تحمل في طياتها إمكانية إحداث تحول كبير في المشهد الوطني.
زيارة رامشتاين يمكن أن تُقرأ باعتبارها بداية لتغيير في العقلية السياسية والعسكرية الليبية. فالتعاون في مجالات مثل النقل الجوي وصيانة الطائرات ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو وسيلة لبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة. هذه الثقة هي التي ستسمح لاحقًا بفتح الملفات الأكثر حساسية، مثل دمج التشكيلات المسلحة وتوحيد القيادة والسيطرة. ومن هنا، فإن التركيز على المجالات التقنية والمهنية يمكن أن يكون استراتيجية ذكية لتجاوز العقبات السياسية.
كما أن الدعم الدولي، إذا أحسن استثماره، يمكن أن يتحول من مجرد ضغط خارجي إلى عامل مساعد في بناء الدولة. الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا ودول الجوار كلها لديها مصالح في استقرار ليبيا، لكن هذه المصالح يمكن أن تتقاطع مع المصلحة الوطنية إذا وُجدت إرادة محلية صادقة. المهم أن يدرك الليبيون أن التوحيد العسكري ليس خدمة يقدمها الخارج، بل مسؤولية وطنية يجب أن يقودها الداخل. الخارج يمكن أن يساعد، لكنه لا يستطيع أن يبني الدولة مكان الليبيين أنفسهم.
بعد سنوات من الانقسام والصراع، هناك إدراك متزايد بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكنًا. المواطن الليبي يريد دولة قادرة على ضبط الأمن، وتوفير الخدمات، وبناء اقتصاد قوي. وهذه المطالب لا يمكن أن تتحقق في ظل انقسام عسكري. لذلك فإن التوحيد العسكري ليس مجرد قضية أمنية، بل هو قضية سياسية واقتصادية واجتماعية.
إذا نجحت ليبيا في هذه المهمة، فإنها لن تستعيد فقط وحدتها العسكرية، بل ستفتح الباب أمام وحدة سياسية واقتصادية تعيد للدولة مكانتها وتمنح المواطن الأمل في مستقبل أفضل. هذه ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. إنها تحتاج إلى إرادة محلية صادقة، ودعم دولي متوازن، وخطوات عملية تبدأ من أبسط الملفات العسكرية لتصل إلى أصعبها.