لوحات بإيقاع صوفي، يتجاوز الجسد إلى الفكرة، ويتجاوز الفكرة إلى النور

سعاد اللبه تعيد التفكير في العلاقة بين الجسد واللون والتعبيرية والفضاء.
الثلاثاء 2025/09/30
فنانة تزاوج بين جذورها المتوسطية والإرث الفني الغربي

اللون عنصر أساسي في الفن التشكيلي يتجاوز الشكل والزخرفة وملء المساحات، إلى معنى متفرد يختزن بصمة كل فنان على حدة. الوعي بتشكيلات اللون هو الدرس الأبرز الذي يقود الفنان إلى ذاته وتصوراته الخاصة، كما فعلت الفنان التشكيلية الليبية سعاد اللبه.

في اللوحة التي تحمل توقيع وتجربة الفنانة التشكيلية الليبية سعاد اللبه، يتخذ الجسد هيئة شعلة بشرية تتسلّق خيطا ذهبيا ممتدا نحو غيب أعلى، كأنها تتشبّث بمحور سرّي يربط الأرض بعصب الضوء.

ألوان الفنانة ليست مجرد خلفية، إنما هي تيارات طاقية متدفقة، تتلوّى حول الجسد كما تتلوّى الرياح الحارقة والمياه الباردة في عناق متوتر، حيث يتجاور الأزرق البارد مع البرتقالي المشتعل، والأخضر المضيء مع الأصفر الفوسفوري، في تداخل يعكس صراع العناصر وتآلفها في آن واحد.

الجسد واللون

فنانة تجيد تحويل التجربة الحياتية إلى معادل بصري، وتجعل من اللون نصا فلسفيا يقرأ الذات والآخر في آن واحد
اللوحة كطقس بصري

الكتلة اللونية عند اللبه ليست صامتة، فهي تتحرّك ببطء كثيف، مثل سحابة نارية تتفتح من قلب الظلام. والنار، في تدرجاتها البرتقالية والحمراء، تصعد من الأسفل كذكرى عنيفة، بينما الأزرق والأخضر يتسللان كتيارات خلاصية، وكأن اللوحة تعيد تمثيل مسار الروح من الاحتراق إلى الصفاء، ومن الانجذاب إلى العمق إلى الانطلاق نحو الفضاء.

الجسد الأنثوي، شبه المذاب في محيطه، ليس كيانًا منعزلاً، بل هو مركز التفاعل، ونقطة الانكسار التي تتقاطع عندها الطاقة الحسية بالرمزية. هنا، يتحول الجسد إلى محور جاذبية للألوان، فتلتف حوله كما يلتف المعنى حول الأسطورة، وكأن اللوحة تصوغ لحظة عبور بين العالَمين: عالم النار التي تلتهم، وعالم الضوء الذي يحرّر.

العمل من الناحية البصرية يشتغل على التناقض الدينامي – الحركي بين دفء اللون وبرودته، وبين كثافة الكتل وسيولة الامتدادات، ما يمنح العين تجربة حركية مستمرة، ويجعل المتلقي في حالة شد لا يهدأ، كأن اللون نفسه يمارس فعل التسلق إلى الأعلى.

وهنا تكمن قوة اللوحة: في أنها ليست مشهدا مرسوما فحسب، إنما هي طقس بصري حيّ، يوظف علم اللون، وانعكاساته الفيزيائية والنفسية، ليعيد تشكيل الحواس على إيقاع صوفي، يتجاوز الجسد إلى الفكرة، ويتجاوز الفكرة إلى النور.

نلحظ تطور الفكرة البصرية عند الفنانة سعاد اللبه خلال هذه السنوات، والذي لم يكن وليد الصدفة، إنما جاء ثمرة مسار طويل من التجريب والخبرة، ومن الاحتكاك المباشر بالحقل التشكيلي المحلي والعالمي.

 إن مواكبتها الدؤوبة للمعارض الفنية، سواء من موقع المشاهدة أو المشاركة، قد منحتها حساسية نقدية وبصرية عالية، جعلتها تعيد التفكير في العلاقة بين الجسد واللون، بين الطاقة التعبيرية والفضاء التشكيلي.

تجاوز حدود الدهشة

إن إقامتها في الخارج واغترابها الدراسي مع اللون أضاف لها بعدا آخر إلى تجربتها، إذ تماهت مع تاريخ الفن الأوروبي بكل زخمه اللوني والمدرسي، وفتحت لنفسها أفقا يزاوج بين جذورها البصرية المتوسطية وانفتاحها على الإرث الفني الغربي.

لوحات الفنانة تعيد تمثيل مسار الروح من الاحتراق إلى الصفاء، ومن الانجذاب إلى العمق إلى الانطلاق نحو الفضاء
لوحاتها حقول مشتعلة بالمعنى

في لوحاتها يظهر هذا التلاقح جليا: فهي لا تنقل الألوان نقلاً تقليديا، بل تفككها وتعيد تركيبها كأنها كائنات حية تتنفس وتتصارع وتتعانق. الأزرق عندها لم يعد مجرد لون للبرودة، بل صار طاقة خلاصية، فيما يتحول الأحمر إلى احتراق داخلي، والأخضر إلى وعد بالحياة المستمرة.

ولو رجعنا إلى بعض لوحاتها السابقة وعلاقتها بالتجريد التعبيري نجدها محمولة على حس روائي داخلي، فهي قد تحكي عن بشر في حركة أبدية، عن أجساد تتحول إلى إشارات، وعن حياة تختبئ خلف قناع اللون، حياة لا يمكن الإمساك بها إلا عبر الإنصات الطويل للخطوط وهي تنحني وتلتف، وللفراغ وهو يمتلئ بالاحتمال، وللوجوه وهي تذوب في ما يشبه صلاة صامتة.

بهذا التمرين المستمر على الإنصات للألوان، وعلى خوض غمار التجربة الجمالية داخل فضاء عالمي، استطاعت الفنانة سعاد اللبه أن تميز نفسها في المشهد التشكيلي الليبي والعربي بفرادة لونية واضحة، تجعل من لوحاتها حقولًا مشتعلة بالمعنى، ومفتوحة على قراءات لا تنتهي. إنها فنانة تُجيد تحويل التجربة الحياتية إلى معادل بصري، وتجعل من اللون نصا فلسفيا يقرأ الذات والآخر في آن واحد.

أجريت مع الفنانة سعاد قبل أكثر من ثمانية أعوام  حوارا صحفيا تناولت فيه بواكير تجربتها التشكيلية، وما كانت تفتحه من آفاق بصرية أولى، ومنذ ذلك الحين أخذت رحلتها في اللون تنمو بوتيرة متسارعة ومذهلة، حتى غدت قدرتها على تفكيك الظلال وصياغة الانسجامات اللونية أشبه بانبثاق داخلي يتجاوز حدود الدهشة، ويغدو صيرورة متوهجة، تتقاطع فيها التجربة مع الكشف، والبحث مع الإلهام في مسار لم يتوقف عن التمدد والتجدد.

 حين نضع تجربة الفنانة التشكيلية سعاد اللبه في مقاربة لونية مع تجارب بعض الفنانين، ندرك أنّها تنسج فرادتها من داخل حوار طويل مع اللون ككيان وجودي، لا كأداة تقنية.