لبنان يفاوض على سيادته أم على وجوده؟
منذ انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، ظل لبنان يعيش مفارقة سياسية وأمنية فريدة: دولة تمتلك مؤسسات دستورية معترفًا بها دوليًا، لكنها لا تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم. ومع الانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان عام 2000، بدا أن صفحة طويلة من الاحتلال قد طُويت، غير أن الصراع لم ينتهِ، بل انتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها سلاح حزب الله. فقد قدم الحزب نفسه باعتباره قوة مقاومة تحفظ توازن الردع مع إسرائيل، فيما رأت أطراف لبنانية أخرى أن استمرار وجود قوة عسكرية خارج سلطة الدولة يحول دون استكمال بناء الدولة الحديثة ويكرس ازدواجية القرار الأمني.
ومع مرور أكثر من عقدين، تعاقبت الحروب والأزمات، وتبدلت موازين القوى الإقليمية، لكن المعادلة اللبنانية بقيت أسيرة السؤال نفسه: هل يمكن أن تستعيد الدولة احتكارها للسلاح من دون أن تشعر بأنها تتخلى عن أمنها؟ وهل تستطيع المقاومة أن تتحول إلى مشروع سياسي مدني من دون أن تعتبر ذلك تخليًا عن هويتها؟
اليوم يعود هذا السؤال بقوة مع الزيارة التي يقوم بها الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن، وهي أول زيارة رئاسية لبنانية بهذا المستوى منذ سنوات طويلة، وفي توقيت بالغ الحساسية أعقب الحرب الأخيرة والتغيرات التي أصابت البيئة الإقليمية. فالزيارة لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين بيروت وواشنطن، بل تمثل اختبارًا لإمكان صياغة معادلة جديدة تقوم على مقايضة شديدة التعقيد: انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المتنازع عليها في الجنوب، مقابل انتقال لبنان تدريجيا إلى احتكار الدولة للسلاح.
المعادلة المطروحة تتجاوز انسحابا إسرائيليا أو نزع سلاح حزب الله؛ إنها اختبار لقدرة المؤسسات اللبنانية على استعادة السيادة وسط ضغوط أميركية وإكراهات إقليمية
لقد أصبح سلاح حزب الله خلال العقود الماضية أكثر من مجرد ملف أمني. فهو يمثل بالنسبة للحزب ضمانة إستراتيجية ضد إسرائيل، كما يشكل جزءًا من هويته السياسية والأيديولوجية، بينما تراه قوى لبنانية أخرى تعبيرًا عن خلل بنيوي في مفهوم الدولة، لأن وجود قوتين مسلحتين داخل الكيان الواحد يجعل القرار الوطني موزعًا بين المؤسسات الرسمية والاعتبارات الإقليمية. ومن هنا، لم يعد النقاش يدور حول عدد الصواريخ أو حجم الترسانة العسكرية، بل حول من يمتلك الحق الحصري في اتخاذ القرار العسكري، ومن يتحمل المسؤولية أمام الشعب عندما تُفتح جبهة أو تُغلق.
وهذه المعضلة تكشف أن لبنان لا يناقش قضية تقنية تتعلق بترتيبات أمنية، بل يناقش مفهوم السيادة ذاته. فالسيادة لا تكتمل بمجرد رفع العلم على الحدود، وإنما باحتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة أي دولة بالتخلي عن أدوات الردع بينما لا تزال أراضيها موضع نزاع أو احتلال. لذلك تبدو المقايضة المطروحة أكثر تعقيدًا من أي اتفاق سياسي تقليدي.
في هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة لعب دور الوسيط وصانع الترتيبات الجديدة. فمنذ سنوات تعمل واشنطن على دعم الجيش اللبناني، وعلى تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار، وعلى رعاية مفاوضات الحدود البحرية، وهي اليوم تسعى إلى توسيع هذه المقاربة لتشمل الملف الأمني بأكمله. غير أن السؤال يبقى: هل تملك الإدارة الأميركية الإرادة والقدرة للضغط على إسرائيل بقدر ما تضغط على لبنان؟
الخطاب الأميركي يتحدث باستمرار عن دعم الدولة اللبنانية وتعزيز سيادتها، لكنه يواجه اختبارًا عمليًا عندما يتعلق الأمر بإلزام إسرائيل بخطوات ميدانية واضحة. فإذا كانت واشنطن تطالب بحصر السلاح بيد الدولة، فإن منطق هذه المطالبة يفترض أيضًا إزالة الأسباب التي تُستخدم لتبرير استمرار السلاح، وفي مقدمتها الاحتلال والخروقات العسكرية المتكررة.
أما بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن الملف اللبناني يحمل بعدًا يتجاوز حدوده المحلية. فالإدارة الأميركية تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على إعادة ترتيب الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب المفتوحة، وهي تدرك أن أي تقدم في لبنان سيُحسب ضمن سجلها السياسي والدبلوماسي. لكن هذه الرغبة تصطدم بحقائق إقليمية أكثر تعقيدًا، أبرزها استمرار التنافس مع إيران، وتداخل الساحتين اللبنانية والسورية، وارتباط حزب الله بمحور إقليمي لا ينظر إلى سلاحه باعتباره شأنا لبنانيا صرفا.
تبدو المعركة الحقيقية أبعد كثيرًا من الحدود الجنوبية أو من قضية السلاح. إنها معركة على معنى الدولة اللبنانية نفسها: هل تستطيع أن تصبح دولة كاملة السيادة، أم أنها ستظل رهينة توازنات تجعل وجودها السياسي معلقًا بين الداخل والخارج؟
ومن هنا ينتقل النقاش إلى المأزق الذي يواجه حزب الله نفسه. فالحزب خرج من الحرب الأخيرة بخسائر عسكرية وبشرية وسياسية لا يمكن تجاهلها، كما واجه ضغوطًا داخلية غير مسبوقة من قطاعات واسعة من اللبنانيين الذين باتوا يربطون استمرار الأزمات الاقتصادية والمالية باستمرار حالة الصراع المفتوح. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الحزب التخلي بسهولة عن السلاح، لأنه يمثل بالنسبة إليه مصدر شرعيته وقوته ونفوذه داخل لبنان وخارجه.
لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن الحركات المسلحة لا تبقى على صورتها الأولى إلى الأبد. فقد شهد العالم تجارب عديدة انتقلت فيها قوى المقاومة أو الحركات العسكرية إلى العمل السياسي الكامل عندما تبدلت الظروف الإستراتيجية. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كان حزب الله مستعدًا للبحث عن صيغة مشابهة، تسمح له بالحفاظ على حضوره السياسي والاجتماعي، مقابل انتقال المسؤولية العسكرية تدريجيًا إلى الدولة اللبنانية.
لبنان لا يفاوض اليوم على انسحاب إسرائيلي فحسب، ولا على مستقبل سلاح حزب الله وحده، بل يفاوض على تعريف الدولة اللبنانية نفسها. هل ستكون دولة تحتكر وحدها القوة والقرار، كما تنص المبادئ الدستورية الحديثة أم ستبقى ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية، بحيث يصبح قرارها الأمني نتاج موازين خارج حدودها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل لبنان لعقود مقبلة. فنجاح أي تسوية يتوقف على ثلاثة شروط مترابطة: أولها أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا فعلية ومتوازنة على إسرائيل لإنهاء أسباب النزاع، وثانيها أن يكون حزب الله مستعدًا للنظر إلى دوره السياسي بوصفه قابلًا للتطور بما ينسجم مع متطلبات الدولة، وثالثها أن تمتلك المؤسسات اللبنانية الإرادة والقدرة على ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن أي تحول في المعادلة الأمنية.
وفي النهاية، تبدو المعركة الحقيقية أبعد كثيرًا من الحدود الجنوبية أو من قضية السلاح وحدها. إنها معركة على معنى الدولة اللبنانية نفسها: هل تستطيع أن تصبح دولة كاملة السيادة تحتكر القرار والقوة والمسؤولية، أم أنها ستظل رهينة توازنات تجعل وجودها السياسي معلقًا بين الداخل والخارج؟ ذلك هو السؤال الذي تحمله زيارة واشنطن، وهو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان لبنان يفاوض فعلًا على استعادة سيادته، أم على مجرد تأجيل أزمته الوجودية.