لا حل عسكريًا في السودان
منذ اندلاع المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع يقف السودان أمام مشهد داخلي معقد تتداخل فيه الأحداث والعوامل المحلية مع حسابات إقليمية ودولية، ومع استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية جاءت تصريحات أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، لتضع أبوظبي في موقع واضح، إذ أكد أن الحل العسكري غير ممكن، وأن مستقبل السودان لا يمكن أن تحدده الجماعات المتطرفة المرتبطة بالإخوان المسلمين، بل إن الأولوية يجب أن تكون لوقف إطلاق النار والانتقال إلى حكم مدني، نافياً الاتهامات المتكررة بأن الإمارات تدعم أحد أطراف النزاع، ومذكّراً بأن بلاده ثاني أكبر مساهم في المساعدات الإنسانية بعد الولايات المتحدة.
هذه التصريحات تحمل أكثر من رسالة، فهي من جهة تبرّئ الإمارات من الانحياز العسكري، ومن جهة أخرى تؤكد أن أبوظبي ترى نفسها طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبل السودان ليس عبر السلاح بل عبر الوساطة والدعم الإنساني.
السودان لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبح ساحة تنافس بين قوى إقليمية كبرى؛ فالإمارات تركز على دور الوسيط وتقدّم نفسها كداعم إنساني، ومصر ترى في السودان عمقًا إستراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه وتخشى من تمدد نفوذ قوى غير منضبطة على حدودها الجنوبية، فيما تتحرك تركيا وقطر عبر دعم قوى سياسية مرتبطة بالإخوان المسلمين، وهو ما يثير قلق أبوظبي والرياض، أما السعودية فتحاول الحفاظ على موقع متوازن مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين لكنها تراقب بحذر أيّ تمدد قد يهدد أمن البحر الأحمر.
السودان أمام مفاضلة صعبة؛ إما أن يختار الاستمرار في الحلقة المقفلة التي تربط السلاح بالسياسة وتبقي الدولة رهينة نزاع داخلي أو يختار الانخراط في مسار تفاوضي مدروس يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار
في هذا السياق تصبح تصريحات قرقاش جزءًا من معركة الجدل الدائر حول السودان، فالإمارات تنفي دعمها العسكري وتؤكد أن تدخلها يقتصر على الجانب الإنساني والدبلوماسي، بينما خصومها يروّجون لرواية مغايرة.
الولايات المتحدة، التي أعلنت على لسان الرئيس دونالد ترامب أن إنهاء الحرب في السودان أولوية، تجد في موقف الإمارات فرصة لتعزيز الضغط على الأطراف السودانية، فهي تدرك أن أبوظبي تمتلك نفوذًا يمكن أن يُستخدم لدفع الدعم السريع نحو التفاوض، في حين أن القاهرة تستطيع التأثير على الجيش. أما الاتحاد الأوروبي فيركز على البعد الإنساني محذرًا من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو البحر المتوسط، وهنا يظهر الدور الإماراتي كعامل توازن عبر تقديم مساعدات إنسانية ضخمة مع خطاب سياسي يرفض عسكرة الحل.
تصريحات قرقاش لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع الداخلي السوداني، فالحرب دمّرت البنية التحتية وأدت إلى نزوح ملايين المدنيين، فيما تتزايد الانتهاكات من الطرفين، وفي دارفور حذرت الأمم المتحدة من مجازر جديدة، وفي الخرطوم تحولت الأحياء إلى ساحات قتال.
تصريحات قرقاش تحمل أكثر من رسالة فهي من جهة تبرّئ الإمارات من الانحياز العسكري ومن جهة أخرى تؤكد أن أبوظبي ترى نفسها طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبل السودان عبر الوساطة والدعم الإنساني
وفي ظل هذا الانهيار يصبح الحديث عن حكم مدني ليس مجرد شعار بل ضرورة وجودية، فعبر خطاب قرقاش تحاول الإمارات أن تضع نفسها في موقع من يدفع نحو هذا الحل لتفادي أن يتحول السودان إلى نسخة جديدة من الصومال.
والموقف الإماراتي يمكن قراءته في أكثر من اتجاه؛ فهو يرفض عسكرة الحل ويؤكد أن الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكريًا، وينفي دعم قوات الدعم السريع بشكل واضح، ويحذر من أن الجماعات المرتبطة بالإخوان لا يمكن أن تحدد مستقبل السودان، ويرحب بالتحرك الأميركي معتبراً أن واشنطن قادرة على دفع الأطراف نحو تسوية، وهو ما يعكس رغبة أبوظبي في العمل ضمن إطار دولي لا منفردة.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن حسابات البحر الأحمر، فالإمارات التي استثمرت في موانئ إريتريا وجيبوتي ترى في السودان جزءًا من معادلة أمنية وتجارية أوسع، واستمرار الحرب يربك هذه المعادلة، لذلك يصبح الدفع نحو وقف إطلاق النار ليس فقط موقفًا إنسانيًا بل أيضًا مصلحة إستراتيجية.
السودان اليوم أمام مفاضلة صعبة؛ فإما أن يختار الاستمرار في الحلقة المقفلة التي تربط السلاح بالسياسة وتبقي الدولة رهينة نزاع داخلي، وإما الانخراط في مسار تفاوضي مدروس يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار ويمنع الانزلاق نحو مواجهة واسعة لا يملك البلد أدوات احتمالها. تصريحات أنور قرقاش جاءت لتؤكد أن الإمارات ترى الخيار الثاني هو الطريق الوحيد، وأن أيّ محاولة لإعادة إنتاج نفوذ الجماعات المتطرفة لن تؤدي إلا إلى المزيد من الفوضى، وفي ظروف مثل هذه تبدو خطوة المفاوضات لتحقيق الاستقرار، لا المغامِرة، هي الخطوة التي تمنح الدولة مساحة لتلعب دورا في مشهد يتقلص فيه حضورها يومًا بعد يوم.