كيف نفهم الصراع بين تشرنوبل المالكي وسكورسيزي السوداني؟

المالكي يصر على نهج الطائفية والولاء لإيران، بينما السوداني يسعى لتسوية الميليشيات عبر الحشد الشعبي في مشهد براغماتي يحدد مصير العراق القادم.
الخميس 2026/04/30
صراع عراقين

إذا أردت الحديث عن نوري المالكي، يُستحسن أن تتخيَّل دراجة هوائية يقودها “شيخ الإطار”، كما نفخ فيه أحد أقربائه البيولوجيين والسياسيين يوم 25 نيسان/أبريل.

ثلاثة وعشرون عامًا ينفخ زعيم ائتلاف دولة القانون في عجلات هذا النظام، مستخدمًا منفاخ الطائفية وحزب البعث.

قرَّر هذا “المرجع” المالكي في ذلك اليوم، يوم تطويبه المبارك كشيخٍ للإطار التنسيقي، أن يؤذِّن كبلال الحبشي في أذني محمد شياع السوداني رئيس حكومة تصريف الأعمال، قائلاً باختصار: “لا ولاية ثانية لك، فتعال نتفق على مرشح تسووي، وكفاك قرعًا على صندوق النتائج الانتخابية”.

التصريحات السياسية لـ “المرجع” المالكي، والتي تشبه مفاعل تشرنوبل، وسَّعت بعدها قطرها الإشعاعي حول السوداني: “إذا حصلت على الولاية الثانية فستكون كولاية مصطفى الكاظمي”.

اسم رئيس الوزراء السابق هذا بات قولًا مأثورًا بوزن صخرة، يرفعه لسان ساسة العراق كأنهم أمية بن خلف، عندما يريدون الكبس على صدر المستقبل السياسي لأحدهم.

نستطيع إذن أن نختصر حياة المالكي السياسية بحصرها في مثلث متساوي الأضلاع: “مفاعل تشرنوبل في التصريحات، صخرة أمية مع الحلفاء والخصوم، ومنفاخ طائفي يطارد البعث؛ أوكسجين شبابه السياسي”.

الصراع بين المالكي والسوداني ليس صراعًا على منصب رئيس الحكومة القادمة، إنما على شكل المستقبل السياسي لهذا النظام. الأول يريد أن يبقى النظام عصا موازنة بين واشنطن وطهران.

الصراع بين المالكي والسوداني يتجاوز منصب رئاسة الحكومة ليعكس معركة حول مستقبل النظام السياسي العراقي بين واشنطن وطهران ومصالح الإطار التنسيقي

المالكي يريد أن يُقنع الإطار التنسيقي الحاكم بأن السوداني حصان طروادة لمؤامرة سرية ستعيد العراق إلى ما قبل 2003.

الحقيقة التي لا يقولها المالكي إنه غير قادر، لا هو ولا فريقه السياسي، على لعب دورٍ غير دور لاعب الوسط التقليدي بين واشنطن وطهران.

إذا قشَّرنا هذه الحقيقة للوصول إلى اللب، لعلمنا أن المرحلة القادمة تريد كائنات سياسية تُجيد الحوار مع الإقليم والعالم، لا الخوار باسم المالكي.

علاقته مع فريقه السياسي تشبه سائق حافلة مدرسية، يقوم بتوصيله إلى مدرسة المواقف السياسية التي يرغب بها.

أعوام القيادة الطويلة اضطرته إلى استخدام مرهم التقليد لعلاج تصلب مواقفه السياسية.

كل منافس سياسي له ينجح بآلية ما، يسطو عليها ويوظفها. باختصار هو مارتن سكورسيزي الإطار التنسيقي، أكثر منه مرجعًا لهذا الإطار المخصص لصور الأمن القومي الإيراني.

محمد شياع السوداني تفوَّق على سكورسيزي الإطار؛ قام باستنساخ معظم الألعاب التي يجيدها المالكي تحت الطاولة مثل استخدام المال السياسي. تقريبًا، نحن أمام مالكي أكثر شبابًا ومرونة.

الاختلاف الوحيد أنه يعرف كيف ينتقي لاعبين سياسيين يجيدون الهجوم والدفاع ودور لاعب الوسط في ساحة الإطار التنسيقي، وهم أفضل نسبيًا من آلة الجوكبوكس.

فريق المالكي السياسي مختلف، يشبه هذه الآلة؛ يُدخل فيهم قطعة معدنية ليغنوا ما يريد من أغانٍ سياسية.

واشنطن وجدت، بحسب ديفيد دي روش وهو خبير استراتيجي أميركي، أن الإطار التنسيقي باتت فيه نسبة لا بأس بها تؤمن بضرورة ذبح العلاقات مع إيران على قبلة العلاقات الرسمية لا الميليشياوية.

روش قال ذلك في لقاء متلفز يوم التاسع من يناير 2026، والأهم أن ما قاله ليس تحليلًا وإنما خلاصة أحاديث مع لاعبين في الإطار.

السياق التاريخي يؤكد ذلك أيضًا. الولايات المتحدة المعروفة باستمرار سياساتها الخارجية والإصرار على استخدام نفس الأدوات، تجد أنه قد آن الأوان لمغادرة سياسة “أنظر وانتظر” see and wait التي كانت تقوم بها مع نظام البعث في سبعينيات القرن الماضي، بحسب المؤلف براين آر. غيبسون الذي ذكر ذلك في كتاب له بعنوان Sold Out نقلًا عن وثائق تخص مراسلات القائم بالأعمال الأميركي في العراق.

الحقيقة التي لا يقولها المالكي إنه غير قادر، لا هو ولا فريقه السياسي، على لعب دورٍ غير دور لاعب الوسط التقليدي بين واشنطن وطهران

كانت واشنطن تراقب حينها صراع عراقين: “عراق قومي يرفض الانفتاح على الغرب، وعراق قومي آخر يريد الانفتاح والانغماس في كل الألعاب التي تحتاجها الدولة للصمود والبقاء”.

الأكاديمي العراقي والمحلل السياسي رمضان البدران، المقيم في الولايات المتحدة، يستطيع أن يُغني اللوحة التي أعرضها عليك هنا عزيزي القارئ.

البدران كان ألمعيًا عندما قال ما مفاده: “العراق يعيش الآن مرحلة عام 1979″، في إشارة منه إلى أن نظام العراق الحالي الذي يتربع الإطار التنسيقي على قمته وصل إلى مرحلة حتمية من الصدام.

أنبّه القارئ هنا إلى ضرورة مقاومة إغراء المقارنة بين الرئيسين الأسبقين للعراق أحمد حسن البكر وصدام حسين مع نوري المالكي ومحمد شياع السوداني.

العراق الذي يريده المالكي معروف، شاهدناه خلال الأعوام العشرين الماضية: “طائفية، حرب أهلية، الفرار من سجن أبو غريب، سقوط الموصل، مجزرة سبايكر، ملاحقة الخصوم السياسيين، واستنساخ الباسيج الإيراني في العراق”.

أما عراق السوداني الذي يروّج فريق المالكي السياسي عنه بأنه يريده أميركيًا، فهو مجرد هراء. لقد تعاطى هذا المتهم بالأمركة مع إيران بروح بني العباس.

ذكر السفير الإيراني في العراق محمد كاظم آل صادق، في لقاء متلفز على شاشة إحدى الفضائيات الموالية للسوداني، قاصدًا إياه: “لقد قدَّم لإيران أضعاف ما قدمته الحكومات السابقة لنا”.

الفرق بين المالكي والسوداني أن الأخير يريد تسوية ملف الميليشيات الإيرانية على نار الامتيازات والقبول ببيت الطاعة الرسمية: مؤسسة الحشد الشعبي.

شيخ الإطار لديه رأي مختلف؛ يريد تسوية العراق على نار الطائفية والميليشيات الإيرانية الوقحة التي يضع بعض زعمائها على معاصمهم ساعات بقيمة خمسمائة ألف دولار أميركي، بفضل مقاولة المقاومة التي أفقرت العباد ودمّرت البلاد.

الاثنان كائنات براغماتية، كأي لاعب سياسي في العالم، لكن المالكي سيفعل بالعراق أضعاف ما قدَّمه السوداني لإيران.

7