المفاوضات الأميركية الإيرانية: نجاح الشكل وفشل المضمون

مضيق هرمز أصبح محور الصراع حيث تركزت الشروط الأميركية والإيرانية حوله أكثر من النووي ليغدو رمزًا لتوازن القوى ومفتاحًا لمستقبل المنطقة.
الاثنين 2026/04/13
توني بلير الأميركي

لم تعُد إيران إلى العصر الحجري مساء يوم السابع من نيسان/أبريل 2026، بل نجح نظام الملالي في تحويل مضيق هرمز إلى مفاعل جغرافي خصَّب حظوظ بقائه. المهم أن الرئيس دونالد ترامب تخلَّص من ورطة “التصعيد العمودي”، أي استخدام أسلحة أكثر قوة وعنفًا، عندما أعلن “تعليق” العمليات العسكرية لمدة أسبوعين. إسلام آباد ساعدته على ذلك.

القنابل النووية التكتيكية أو ربما استخدام ما يعادل قوتها التدميرية من أسلحة تقليدية، كانت الخيار الوحيد أمام ترامب لكي يطلق سراح الشعب الإيراني من “الحيوانات” السياسية التي تحكمه، على حد قوله. هذه المفردة كانت صدى لجملة وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، الذي وصف الشعب الفلسطيني بـ”الحيوانات البشرية” بعد أحداث السابع من أكتوبر عام 2023. الاثنان، كما يبدو، أي الرئيس والوزير، أقاما لفترة مؤقتة في “جزيرة الدكتور مورو” كضيفين، أو ربما كانا من السكان الأصليين.

إمكانية استخدام “السلاح النووي لتحقيق انتصار حاسم ضد قوة تقليدية” ليست بالشيء الجديد، فهذا احتمال جرت دراسته في تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون. المفارقة التاريخية أن صدام حسين، الرئيس العراقي الأسبق، كان قد حذّر المجتمع الدولي بما مفاده: “إن إضعاف العراق يعني تعزيز التهديد الإيراني الذي لا يمكن القضاء عليه بعد ذلك إلا بالقنابل النووية”.

التحذير من النووي والطموحات النووية لبعض الدول دائمًا ما كان عصا أميركية غليظة تدفع جميع دول العالم إلى ترديد السردية الأميركية اللانهائية: “إما صديقي وإما عدوي”. وبفضل نعمة الموارد الأميركية الهائلة، فإن هذه السردية ما زالت مؤثرة.

المفاوضات الأميركية الإيرانية تكشف عن نجاح شكلي وفشل جوهري إذ تحولت هدنة ترامب إلى إعادة ترتيب أدوات واشنطن العسكرية والدبلوماسية قبل استئناف المواجهة

بعضنا يعتبر الإعلان الترامبي عن “التعليق” للعمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران خطوة نحو وقف الحرب، وبعضنا الآخر قد يرى فيها نسخة مخففة من هدنة إسرائيل الأولى مع حركة حماس في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، التي استمرت أسبوعًا واحدًا فقط. الباحثان ديفيد سيلفان وستيفن ماجيسكي يمنحاننا القدرة على ترويض آراء الفريقين في كتابهما “آليات الهيمنة الأمريكية”.

اختصارًا وانتقاءً من الاستراتيجيات الأميركية الثلاث التي اعتبراها حاكمة للأداء السياسي الخارجي للعم سام، نذكر مصطلح Epochal، الذي يشير ببساطة إلى أن الولايات المتحدة تلقي بثقلها عندما تجد أن هناك “فرصة تاريخية” قابلة للاستثمار والتطوير في السياسة الخارجية. فورًا، إذا أسقطنا هذا المصطلح على إيقاف إطلاق النار أو “التعليق” للعمليات العسكرية كما سُمّي، لوجدنا أن إيقاف إطلاق النار لا يعدو سوى كونه محاولة أميركية لإعادة تصميم الأدوات العسكرية والإعلامية والدبلوماسية التي فشلت في تحقيق نتائج سياسية لهذه الحرب ضد إيران، قبل استئنافها من جديد. سيلفان وماجيسكي أطلقا على هذه العملية مصطلح Episodic.

دخول مضيق هرمز في المعادلة هو ما دفع واشنطن إلى محاولة التعديل. السيناتور الأميركي عن الحزب الديمقراطي كريس مورفي، العضو في لجنة الشؤون الخارجية، سلخ جلد الرئيس ترامب على قناة CNN يوم 8 أبريل/نيسان بسبب “التعليق” للأعمال العسكرية وهرمز. قال ما يمكن اختزاله بالعبارة التالية: “مضيق هرمز كان يغط في النوم قبل الحرب، لكن ترامب أيقظه وأرسله إلى ماما طهران التي ألبسته الكاكي”.

ترامب يريد أن ينتقل بالحرب بعد هذا “التعليق” للأعمال العسكرية من “حرب اختيار” إلى “حرب ضرورة”، ليحفّز العالم، وبالذات دول الخليج العربي، على المشاركة في هذه “الفرصة التاريخية” للولايات المتحدة الأميركية، أي إسقاط النظام وتفتيت الجغرافيا الإيرانية.

الشروط الأميركية الخمسة عشر التي بدأ الحديث عنها إعلاميًا منذ 25 مارس/آذار الماضي، والشروط الإيرانية العشرة التي سُرّبت خطوطها العريضة قبل أقل من 24 ساعة على نهاية مهلة الرئيس الأميركي لإيران، لو فُحصت جيدًا، لوجدها القارئ مشغولة بمضيق هرمز أكثر من انشغالها بالنووي والبرنامج الصاروخي ووكلاء إيران في المنطقة.

الشيء الثاني اللافت في الشروط الخمسة عشر الأميركية أنها عرضت على إيران أمرًا يستحق وصفه بـ”صفقة القرن لنظام الملالي”. أتحدث عن سطور البند الذي يتعلق بمحطة بوشهر النووية، إذ كان إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة للتعاطي مع نظام الملالي كما تعاطى الرئيسان الأسبقان ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر مع نظام الشاه قبل مجيء نظام الخميني عام 1979. هذا البند كان رسالة لبكين وموسكو بأن واشنطن تتفاوض مع طهران على انقلاب شامل في سياساتها الخارجية.

ترامب يريد أن ينتقل بالحرب بعد هذا "التعليق" للأعمال العسكرية من "حرب اختيار" إلى "حرب ضرورة"، ليحفّز العالم، وبالذات دول الخليج العربي، على المشاركة في هذه "الفرصة التاريخية" للولايات المتحدة الأميركية

النتيجة التي سعت إليها واشنطن هي إبطاء عمل صفّارة الإسعاف الاستراتيجي في حسابات هاتين العاصمتين لإيران. فقط بعد تعيين مجتبى خامنئي، الذي كان إشارة إلى أن النظام لن يقفز من سفينة الروس والصينيين، بدأت بكين وموسكو بالنحنحة الاستراتيجية لصالح طهران نوعًا ما.

أعود وأكرّر ما كنت قد ذكرته مرارًا في قناتي على يوتيوب لكن باختصار شديد: “بدون السلاح النووي والأكراد لن تغرب شمس الملالي في طهران، وحتى إن غربت فإنها لن تشهد فجرًا أميركيًا”.

الوضع السياسي في المنطقة قبل 7 أكتوبر 2023 لم يتغيّر، أو ما زالت الأعوام التي بعده تحمل ثآليل تغيير لا أكثر. بتعبير ليوباردي الطريف وما أذكر عنه: “غيّر كل شيء قليلًا حتى تجد في الحقيقة أن لا شيء قد تغيّر”.

المؤكد أن الرئيس دونالد ترامب سوف يُذكر كتوني بلير الأميركي. لن يتم تقييمه Plus Reagan، أي ريغان مضاعف، وهنا الإشارة إلى الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، كما بشّره السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إذا ما أعلن الحرب على إيران.

مجلس السلام في غزة سوف يموت واقفًا مثل النبي سليمان. لن يجرؤ أحد على الحديث عن ذلك إلا بعد رحيل بنيامين نتنياهو السياسي. السبب لما تقدّم بسيط ومكرّر مثل معدة الجمل: “القضية الفلسطينية، الدعم الأميركي لإسرائيل، وسياسات أميركية لا تتغيّر”. أما الشعوب العربية فأعتقد أن عليها الإيمان بأن الإسلام السياسي وميليشياته أسلحة دمار شامل للمستقبل العربي، وبأن الشيعة والسنة هما أسماء رمزية في “مسار الحروب الطويلة” التي ترعى بها القوى العظمى منطقة غرب آسيا، بحسب أحد تقارير مؤسسة راند. والأهم أن إيران دولة قومية لا موقع للمذهب في إعراب مصالحها العليا.

7