كيف نبني إقليماً قادراً على حماية مصالحه؟
اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة، لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره محطة جديدة في العلاقات المصرية السعودية، بل باعتباره مؤشراً على تحوّل مهم في طريقة مقاربة الأمن العربي: من التعامل مع التهديدات باعتبارها أزمات منفصلة، إلى النظر إليها باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة أمن إقليمي واحدة.
أهمية اللقاء تتضاعف لأن البحر الأحمر وباب المندب لم يعودا يواجهان خطراً نظرياً. فالتصعيد في اليمن، والتقدم الحوثي على الساحل المطل على البحر الأحمر، والسيطرة على مواقع وجزر قريبة من باب المندب، بالتوازي مع الهجمات التي تستهدف السعودية ومنشآتها الحيوية، أعاد وضع الأمن البحري في قلب الحسابات الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، فإن أي اضطراب طويل في هذه المنطقة لا يبقى محصوراً بين الرياض والقاهرة وصنعاء، بل يمتد سريعاً إلى أسعار الطاقة، وكلفة التأمين والنقل، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة عبر قناة السويس.
من هنا يمكن فهم دلالة تأكيد السيسي والأمير محمد بن سلمان على ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر. الرسالة الأهم ليست عسكرية بالضرورة، وإنما إستراتيجية: أمن هذه الممرات لا يمكن أن يظل رهينة لتطورات ظرفية أو أن يُترك بالكامل للقوى الدولية كي تدير أزماته كلما ارتفع منسوب التوتر.
وهنا تظهر مصر والسعودية بوصفهما دولتين تلتقي مصالحهما الجغرافية والإستراتيجية بصورة يصعب فصلها. السعودية تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره أحد مسارات أمنها الاقتصادي. ومصر تنظر إلى البحر الأحمر وباب المندب من زاوية ترتبط مباشرة بأمن قناة السويس ومكانتها في الاقتصاد المصري. ولذلك فإن ما يحدث جنوب البحر الأحمر لا يمكن أن يكون شأناً بعيداً عن القاهرة، كما أن ما يحدث على امتداد الساحل الغربي للسعودية لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الحسابات الاستراتيجية للرياض.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن معركة الممرات البحرية لم تعد معركة سفن فقط. إنها معركة على قدرة الدول على الحفاظ على بدائلها الاستراتيجية وعلى استمرار حركة الاقتصاد حتى في ظل الأزمات.
الرسالة الأهم ليست عسكرية وإنما إستراتيجية: أمن هذه الممرات لا يمكن أن يظل رهينة لتطورات ظرفية أو أن يُترك بالكامل للقوى الدولية
وهذا تحديداً ما يمنح التنسيق المصري السعودي معنى يتجاوز الأزمة الراهنة. فالقضية ليست فقط كيف تُحمى سفينة تجارية من هجوم، وإنما كيف تُبنى بيئة إقليمية تجعل استهداف طرق التجارة أكثر كلفة.
هذا الاتجاه ليس جديداً تماماً في العلاقة المصرية السعودية، وإنما يمثل تطويراً لمسار سابق. فقد أكدت القاهرة والرياض في مناسبات سابقة أن أمن الخليج والبحر الأحمر يرتبط بالأمن العربي الأوسع، كما وقّعت مصر والسعودية في سبتمبر 2025 بروتوكول تعاون لدعم الأمن البحري الإقليمي. وفي بيانات سابقة شددت القاهرة والرياض على أن أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه يرتبطان بالتجارة الإقليمية والدولية.
الجديد اليوم هو أن الظروف الإقليمية تدفع هذا التعاون إلى مستوى أكثر إلحاحاً. فالممرات البحرية باتت تتأثر في الوقت نفسه بتوترات متعددة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر. وإذا كان مضيق هرمز يمثل بوابة رئيسية للطاقة، فإن باب المندب يمثل حلقة الوصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
وهذا ما يجعل قناة السويس جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي لا مجرد أصل اقتصادي مصري.
من هذه الزاوية، تصبح الشراكة المصرية السعودية ذات بعد دولي أيضاً. فحين تتفق دولتان عربيتان مركزيتان على أن حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب مصلحة إقليمية ودولية، فإنهما لا تدافعان عن مصالحهما الوطنية فقط، بل تضعان نفسيهما في موقع الشريك في صياغة الأمن البحري العالمي. وهذه نقطة مهمة في علاقة العالم العربي بالقوى الكبرى التي طالما تعاملت مع المنطقة من خلال معادلة الحماية الخارجية مقابل الأمن المحلي.
المرحلة المقبلة يمكن أن تفتح الباب أمام تصور أكثر تطوراً: شبكة عربية للأمن البحري لا تقوم بالضرورة على إنشاء تحالف عسكري جديد، وإنما على تنسيق المعلومات، والإنذار المبكر، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية، وتبادل الخبرات، ورفع كفاءة خفر السواحل، وتطوير آليات الاستجابة للأزمات. ويمكن أن تمتد هذه المنظومة، بصورة تدريجية، من البحر الأحمر إلى خليج عدن والخليج العربي، بما يجعل الأمن البحري أحد المجالات العملية التي يمكن أن يتجسد فيها مفهوم الأمن العربي المشترك.
القاهرة والرياض تملكان، بحكم الموقع والقدرات والمصالح، مقومات للقيام بدور مهم في مثل هذا المسار. لكن الأهم أن هذا التعاون لا يحتاج إلى أن يتحول إلى مشروع مواجهة مع أحد حتى يكون فعالاً. على العكس، قوته يمكن أن تأتي من وضوح الهدف: حماية الملاحة، احترام سيادة الدول، دعم الاستقرار، وتوفير بيئة آمنة للتجارة والطاقة. هذه الأهداف تمنح أي ترتيبات إقليمية محتملة شرعية أوسع، وتسمح لها بأن تكون جزءاً من منظومة الأمن البحري الدولي لا منافساً لها.
معركة الممرات البحرية لم تعد معركة سفن فقط إنها معركة على قدرة الدول على الحفاظ على بدائلها الاستراتيجية وعلى استمرار حركة الاقتصاد حتى في ظل الأزمات
وفي هذا السياق، فإن دعم المسار السياسي في اليمن يصبح مكملاً للأمن البحري وليس بديلاً عنه. فالممرات البحرية لا يمكن أن تستقر بصورة دائمة إذا بقيت البيئة السياسية والأمنية على شاطئها في حالة انهيار.
وهذه ربما تكون أهم نقطة في التحول الذي يمكن أن تقوده القاهرة والرياض: الانتقال من مفهوم “حماية الممر” إلى مفهوم “حماية البيئة الإقليمية التي تجعل الممر آمناً”. فالقطعة البحرية لا تعيش منفصلة عن محيطها. وإذا كان باب المندب معرضاً للاضطراب بسبب الحرب في اليمن، فإن معالجة الحرب نفسها تصبح جزءاً من حماية باب المندب. وإذا كانت منشآت الطاقة السعودية عرضة لهجمات عابرة للحدود، فإن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن أمن الدول والمجتمعات المحيطة.
ومن هنا يمكن أن تتطور الشراكة المصرية السعودية إلى نموذج عربي أكثر اتساعاً، تنضم إليه الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وفق ترتيبات تحترم اختلاف مصالحها وسياساتها. فالأمن الجماعي لا يعني بالضرورة تطابقاً سياسياً كاملاً، وإنما يعني الاتفاق على المصالح الأساسية التي لا ينبغي أن تصبح رهينة للصراعات: حرية الملاحة، سلامة السفن، أمن الموانئ، حماية الطاقة، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.
حين تبدأ القاهرة والرياض في التعامل مع هذه الحقائق ضمن رؤية مشتركة، فإنهما لا تبحثان فقط عن حماية طريق تجاري، بل عن إعادة تعريف موقع العالم العربي في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
إنها، في جوهرها، نقلة من سؤال: كيف نحمي الملاحة؟ إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف نبني إقليماً قادراً على حماية مصالحه؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي للشراكة العربية الجديدة.