كيف تُقيمون مهرجانًا سينمائيا بلا سينما؟

"مهرجان نينوى السينمائي" يفتح سؤال الصناعة الغائبة: من المهرجان إلى دار العرض والإنتاج وتكوين الجمهور
الأحد 2026/09/20
الموصل من المهرجان إلى سؤال السينما الغائبة

 سبق أن كتبتُ عن المسافة الملتبسة بين الفيلم بوصفه إنجازًا فرديًا، والسينما بوصفها صناعة تقوم على البنية والتراكم والاستمرارية. فوجود أفلام جيدة، أو حصول مخرجين عراقيين على حضور وجوائز في المهرجانات الدولية، لا يعني بالضرورة قيام صناعة سينمائية. الفيلم قد يكون حدثًا منفردًا، أما السينما فهي منظومة تبدأ من التعليم والإنتاج، ولا تنتهي عند العرض والتوزيع وتكوين الجمهور.

تبدو الموصل اليوم مثالًا مناسبًا لإعادة طرح هذا السؤال، مع اقتراب الدورة الثانية من «مهرجان نينوى السينمائي الدولي»، المقرر إقامتها من 8 إلى 10 أكتوبر 2026. إقامة مهرجان سينمائي في مدينة ذات ذاكرة سينمائية عريقة تحمل أهمية ثقافية واضحة، خصوصًا أن الموصل ما تزال تعمل على استعادة حياتها الثقافية بعد عقود من الحروب والاضطراب. لكن استعادة السينما لا تتحقق بمجرد إقامة مهرجان، مهما كان عدد الأفلام والضيوف والفعاليات.

إعادة بناء الشاشة

المهرجان حدث محدد الزمن، أما الصناعة فهي حياة يومية. وجود المسابقات والجوائز والورش والندوات والنجوم لا يعني، في حد ذاته، قيام صناعة سينمائية. الصناعة تحتاج إلى إنتاج متواصل، ومؤسسات، ومهن، ومعدات، وتمويل، وخدمات تقنية، وسوق، وجمهور. والأهم أنها تحتاج إلى القدرة على إنتاج الفيلم التالي، لا الاكتفاء بالاحتفاء بالفيلم الذي أُنجز.

وهنا تكمن المفارقة في الموصل. فالفعاليات تقام في قاعة الدكتور محمود الجليلي ضمن المسرح الجامعي في جامعة الموصل، لكن القاعة التي تستضيف مهرجانًا لا تقوم بوظيفة دار سينما تعمل طوال العام. دار العرض ليست مجرد شاشة ومقاعد؛ إنها مكان لتكوين الجمهور، ومنصة للتوزيع، وفضاء للنقد والنقاش، وحلقة أساسية تربط الفيلم بالمتلقي. ومن دون عرض سينمائي مستمر، تبقى علاقة المدينة بالفيلم مرتبطة إلى حد كبير بالمناسبات.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن يُحتفى اليوم بالسينما في مدينة اندثرت فيها دور العرض التي كانت يومًا جزءًا من ذاكرتها وحياتها الثقافية. تُقام المهرجانات وتُعرض أفلام الآخرين، بينما الأماكن التي كان يمكن أن تستقبل الفيلم المحلي والجمهور المحلي غابت أو تغيّرت وظائفها، وكأننا نحتفي بما يأتي من الخارج فوق أنقاض ما كان ينبغي أن يكون حاضرًا في الداخل.

ومع كامل الاحترام لقيمة الأفلام والسينمائيين والضيوف الذين يستضيفهم المهرجان، يبقى السؤال مشروعًا: أليس الأجدى أن يكون من ثمار هذا الاحتفاء إعادة بناء الشاشة التي غابت، حتى لا تظل الموصل مدينة تستضيف السينما من حين إلى آخر، بدل أن تكون مدينة تنتجها وتشاهدها وتعيشها؟

الصناعة السينمائية

وفي المقابل، لا يمكن القول إن المشهد المحلي خالٍ من البدايات. هناك طلبة وشباب ومخرجون ومصورون ومشروعات أفلام قصيرة وورش تدريبية، وتجارب مثل FilmLab في معهد الفنون الجميلة تحاول تدريب الطلبة على اختصاصات صناعة الفيلم وإتاحة فرص الإنتاج لهم. وهذه خطوات مهمة، لكنها تمثل حركة سينمائية ناشئة أكثر مما تمثل صناعة مكتملة.

المسألة ليست في نوع الكاميرا التي صُوِّر بها فيلم طلابي أو في امتلاك معدات لمشروع محدد، وإنما في وجود منظومة مهنية يمكن الوصول إليها بصورة مستمرة: معدات تصوير وإضاءة وصوت، فنيون متخصصون، مونتاج وتصحيح ألوان وتصميم ومكساج الصوت، إلى جانب المنتجين والتمويل وشركات الإنتاج. يمكن لشاب أن يصنع فيلمًا جيدًا بوسائل محدودة، لكن الصناعة تبدأ حين يصبح إنتاج الفيلم التالي ممكنًا بصورة أكثر انتظامًا واستقلالًا.

وتزداد أهمية ذلك في مدينة ما تزال تحمل آثار الحروب وتعمل على استعادة بنيتها العمرانية والثقافية والاجتماعية، في ظل إرث من الفساد وسوء الإدارة أضعف قطاعات مختلفة. في مثل هذه الظروف، لا تكفي المظاهر الاحتفالية وحدها. استضافة النجوم والنجمات، وحضور الضيوف، وإضاءة السجادة الحمراء تمنح المهرجان بريقًا إعلاميًا، لكنها لا تبني دار سينما، ولا تؤسس شركة إنتاج، ولا تدرب فنيًا، ولا تخلق جمهورًا.

قيمة المهرجان تبدأ من اليوم الذي تنتهي فيه فعالياته. ماذا سيبقى بعد مغادرة الضيوف؟ هل ستتحول الورش إلى تدريب مستمر؟ هل يجد المخرج الشاب فرصة لإنتاج فيلم جديد؟ هل تتطور الخدمات التقنية؟ وهل تعود الشاشة إلى المدينة بوصفها فضاءً دائمًا للعرض وتكوين الجمهور؟ هنا يصبح المهرجان فرصة حقيقية، لا مجرد مناسبة احتفالية.

يمكن لـ«مهرجان نينوى السينمائي الدولي» أن يكون جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء السينما في الموصل، بما يملكه من قدرة على جمع السينمائيين ولفت الانتباه وخلق العلاقات. لكن قيمة هذا الدور ستقاس بما يتركه خلفه: كوادر، ومواهب، وخدمات إنتاج، وشراكات، وجمهور، وربما شاشة دائمة تعيد الفيلم إلى الحياة اليومية للمدينة.

فالسينما ليست مهرجانًا، كما أن المهرجان ليس صناعة. الصناعة هي النسيج الذي يجعل الفيلم ممكنًا مرة بعد أخرى. ومن هنا يأتي السؤال الذي تختصره تجربة الموصل: كيف تُقيمون مهرجانًا بلا سينما؟ لعل الإجابة ليست في إلغاء المهرجان أو التقليل من قيمته، بل في تحويله إلى جزء من مشروع يعيد السينما إلى المدينة فعلًا؛ بحيث تصبح السجادة الحمراء خاتمة لمشهد سينمائي متحقق، لا الصورة الأكثر وضوحًا لغياب ذلك المشهد.