كيف تحافظ روسيا على حضورها في الشرق الأوسط رغم الانتكاسات؟

موسكو لا تقيس نفوذها بمنطق الربح السريع بل بمنطق التراكم الاستراتيجي طويل الأمد
الأربعاء 2026/01/28
نفوذ صامت

واشنطن- رغم موجة التحليلات التي ذهبت خلال العامين الأخيرين إلى اعتبار أن النفوذ الروسي في الشرق الأوسط يعيش مرحلة أفول حتمي، تكشف القراءة المتأنية لسلوك موسكو الإقليمي عن نمط مختلف تمامًا: تراجع صاخب في بعض الساحات، يقابله صعود هادئ ومدروس في ساحات أخرى.

ويقول المحللان آنا بورشيفسكايا، ومات تافاريس في تقرير نشرته مجلة ناشونال انتريست الأميركية إن روسيا، التي تبدو منشغلة بحرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، لم تغادر الشرق الأوسط، بل أعادت تعريف حضورها فيه عبر ما يمكن تسميته «النفوذ الصامت»؛ نفوذ لا يقوم على الهيمنة المباشرة أو الاستعراض العسكري، بل على التغلغل البطيء في الفراغات التي يخلّفها تردد الغرب، وتضارب أولوياته، وتآكل ثقة حلفائه الإقليميين.

وفي الظاهر، تعرضت موسكو لسلسلة انتكاسات ثقيلة. سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 شكّل ضربة رمزية لأحد أبرز حلفائها التاريخيين في المنطقة، فيما أضعفت الضربات الإسرائيلية المتلاحقة حركتي حماس وحزب الله، وهما ركيزتان غير مباشرتين للنفوذ الروسي عبر الشراكة مع إيران.

وإلى ذلك، تواصل الحرب في أوكرانيا استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية الروسية، بما يوحي بأن قدرة الكرملين على المناورة خارج محيطه القريب باتت محدودة. غير أن هذه القراءة، على شيوعها، تتجاهل حقيقة أساسية: موسكو لا تقيس نفوذها بمنطق الربح السريع، بل بمنطق التراكم الاستراتيجي طويل الأمد.

وتتمثل أولى ركائز هذا النفوذ الصامت في الحفاظ على موطئ قدم عسكري وسياسي في شرق المتوسط. فبرغم سقوط الأسد، لم تُجبر روسيا على مغادرة سوريا.

ويعكس احتفاظها بقواعدها العسكرية، واستمرار دورها كشريك اقتصادي وسياسي، قدرة موسكو على الفصل بين مصير الحليف ومصير النفوذ. فالتفاهم الذي أبرمته مع القيادة السورية الجديدة، والقائم على «التخلي المنظم» عن الأسد مقابل البقاء الروسي، يؤكد أن الكرملين يتعامل مع المنطقة بوصفها مجال نفوذ مستقلًا عن الأشخاص والأنظمة، وهو ما يمنحه مرونة لا تتوفر لكثير من القوى الدولية الأخرى.

ولا يقتصر هذا الحضور على سوريا وحدها. فإعادة نشر الأصول العسكرية الروسية في ليبيا سمحت لموسكو بالحفاظ على قدرتها على التأثير في معادلات المتوسط، وإسقاط نفوذها نحو شمال إفريقيا والساحل الإفريقي، وكذلك الضغط غير المباشر على الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي.

لم يكن الانسحاب الجزئي من سوريا تراجعًا بقدر ما كان إعادة تموضع أكثر كفاءة وأقل كلفة.

 وبهذا المعنى، لم يكن الانسحاب الجزئي من سوريا تراجعًا بقدر ما كان إعادة تموضع أكثر كفاءة وأقل كلفة.

وتكمن الركيزة الثانية للنفوذ الروسي الصامت في شبكة العلاقات المرنة مع أطراف متناقضة ظاهريًا. فموسكو نجحت في الجمع بين شراكات متوازية مع إيران، وإسرائيل، وتركيا، ودول الخليج، دون أن تُجبر على الاختيار الحاد بين هذه المحاور.

ورغم إخفاقها في تقديم دعم عسكري مباشر لإيران خلال الحرب القصيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، فإن الشراكة الروسية–الإيرانية لم تتآكل، بل تعززت عبر صفقات تسليح نوعية، أبرزها تزويد طهران بمقاتلات «سو-35»، ما يعيد التوازن تدريجيًا إلى قدرات إيران الجوية.

وفي الوقت ذاته، تواصل موسكو لعب دور «الوسيط المحتمل» بين طهران وتل أبيب، مستفيدة من قنوات مفتوحة مع الطرفين، وهو دور يعزز صورتها كقوة لا غنى عنها، حتى في لحظات التوتر القصوى.

وأما الركيزة الثالثة، فهي النفوذ الاقتصادي الذي يتحرك بعيدًا عن الأضواء السياسية.

وعلى عكس التوقعات الغربية، لم تؤدِّ حرب أوكرانيا إلى قطيعة اقتصادية بين روسيا وشركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. بل إن العلاقات التجارية مع تركيا ودول الخليج شهدت نموًا ملحوظًا، خصوصًا مع الإمارات والسعودية.

ولا يعكس هذا التوسع فقط براغماتية المصالح الاقتصادية، بل يكشف أيضًا حدود قدرة واشنطن على حشد جبهة موحدة لعزل موسكو. فغياب انخراط إقليمي واسع في العقوبات الغربية أتاح لروسيا استخدام المنطقة كمتنفس اقتصادي ومالي، وكجسر يخفف من وطأة العزلة الأوروبية.

وإلى جانب الاقتصاد، تستثمر موسكو في أدوات التأثير الناعم، ولا سيما الإعلام. فشبكات مثل «روسيا اليوم» و«سبوتنيك» بالعربية لا تكتفي بنقل الرواية الروسية، بل تعمل على إعادة صياغة سردية إقليمية تشكك في مصداقية الغرب، وتضخم من ازدواجية معاييره، خصوصًا في ملفات مثل غزة وأوكرانيا.

في شرق أوسط مثقل بالفراغات والشكوك، قد يكون النفوذ الصامت أكثر فاعلية من أي حضور صاخب.

ويجد هذا الخطاب صدى واسعًا في مجتمعات تشعر بأن واشنطن تتعامل معها بمنطق انتقائي، ما يمنح موسكو قدرة على التأثير في الرأي العام تفوق وزنها الاقتصادي والعسكري الفعلي.

كما أن عامل الطاقة يظل أحد أعمدة الحضور الروسي المستدام. فروسيا لاعب مركزي في أسواق النفط والغاز، والتنسيق مع دول «أوبك+» يمنحها نفوذًا غير مباشر في استقرار الأسواق العالمية، ويجعلها شريكًا لا يمكن تجاهله في حسابات دول الخليج.

ويحمل هذا الدور، وإن بدا تقنيًا، أبعادًا سياسية عميقة، إذ يرسّخ فكرة أن موسكو ليست قوة معزولة، بل جزء من منظومة إدارة الاقتصاد العالمي.

ولا تقوم الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط على استعادة النفوذ المفقود بالقوة، بل على إدارة التراجع وتحويله إلى فرصة. فموسكو تراهن على الزمن، وعلى تآكل الإرادة الغربية، وعلى حاجة الفاعلين الإقليميين إلى شريك لا يفرض شروطًا سياسية أو أخلاقية صارمة.

وهذا «النفوذ الصامت» قد لا يلفت الانتباه بقدر التدخلات العسكرية المباشرة، لكنه أكثر رسوخًا، لأنه يتغلغل في الاقتصاد، والإعلام، والطاقة، وشبكات الوساطة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت روسيا قد خسرت الشرق الأوسط، بل بما إذا كان الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، قد امتلك استراتيجية واضحة لمنافسة هذا الحضور الهادئ والمتدرج. فالتاريخ الروسي في المنطقة يشي بأن موسكو لا تنسحب نهائيًا، بل تنتظر اللحظة المناسبة للعودة.

وفي شرق أوسط مثقل بالفراغات والشكوك، قد يكون النفوذ الصامت أكثر فاعلية من أي حضور صاخب.