كردستان... وسيط محتمل في شرق أوسط مضطرب

أزمة النظام الدولي تفتح المجال أمام فاعلين جدد
الثلاثاء 2026/07/14
القوة الناعمة رصيد كردستان في بيئة مضطربة

أربيل- في خضم التحولات العميقة التي تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، لم تعد أهمية الفاعلين الإقليميين تُقاس فقط بحجم قدراتهم العسكرية أو ثقلهم الاقتصادي، وإنما بقدرتهم على بناء جسور التواصل بين الخصوم في لحظة تتراجع فيها فاعلية المؤسسات الدولية وتتآكل القواعد التي حكمت النظام العالمي لعقود.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن إقليم كردستان العراق يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه طرفاً قادراً على لعب دور الوسيط الإقليمي، مستفيداً من شبكة علاقاته المتوازنة مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا والعراق، ومن تجربة سياسية جعلته يتعامل مع بيئة معقدة قائمة على التوازنات أكثر من الصدامات.

ولا يأتي هذا الطرح من فراغ، بل يتزامن مع تصاعد الحديث في الأوساط الفكرية والسياسية عن الحاجة إلى أدوات جديدة لإدارة الأزمات، بعد أن أظهرت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب النزاعات المستمرة في غزة ولبنان وأوكرانيا، أن القوة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على إنتاج تسويات سياسية مستدامة، وأن غياب الوسطاء الموثوقين أصبح أحد أبرز مظاهر أزمة النظام الدولي.

ويرى محللون أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، إذ تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع التنافس بين القوى الكبرى، فيما تتراجع قدرة الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف على فرض حلول أو حتى منع اندلاع الأزمات.

وفي مثل هذه البيئة، يبرز دور الجهات القادرة على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى وإن لم تكن دولاً ذات سيادة كاملة.

ويعتقد مراقبون أن أبرز ما يميز إقليم كردستان هو نجاحه في انتهاج سياسة تقوم على "دبلوماسية التوازن".

ومنذ سنوات، حافظ الإقليم على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، التي لعبت دوراً محورياً في دعمه أمنياً وسياسياً، خصوصاً خلال الحرب على تنظيم داعش. وفي المقابل، لم يقطع خطوط التواصل مع إيران، التي ترتبط مع الإقليم بحدود طويلة ومصالح اقتصادية وأمنية يصعب تجاوزها.

كما نجح الإقليم في بناء علاقات متقدمة مع تركيا، رغم التعقيدات التاريخية المرتبطة بالقضية الكردية، وأصبح شريكاً اقتصادياً مهماً لأنقرة في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار، بالتوازي مع احتفاظه بموقع مؤثر داخل النظام السياسي العراقي.

ويرى محللون أن هذه العلاقات المتوازنة لا تعني حياداً كاملاً، لكنها تمنح كردستان هامش حركة أوسع مقارنة بكثير من الفاعلين الإقليميين الذين أصبحوا جزءاً من محاور متصارعة، الأمر الذي قد يؤهلها للقيام بأدوار تسهيلية في حال توافرت إرادة سياسية لدى الأطراف المتنازعة.

وأعادت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران إحياء النقاش حول حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية. فبعد أشهر من الضربات المتبادلة والضغوط الاقتصادية، لم تتمكن واشنطن من فرض تسوية نهائية، كما لم تنجح طهران في تغيير موازين القوى بصورة حاسمة.

ويرى محللون أن هذه الحرب كشفت أن إدارة الأزمات في الشرق الأوسط لم تعد تعتمد فقط على الردع العسكري، بل أصبحت تتطلب مسارات موازية للحوار والوساطة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأزمات تمس الأمن الإقليمي وحركة التجارة والطاقة العالمية.

ومن هنا، تكتسب فكرة الوسيط الإقليمي أهمية متزايدة، ليس لأن الوسيط يمتلك القدرة على فرض الحلول، وإنما لأنه يوفر قنوات تمنع انهيار التواصل بين الخصوم في أصعب المراحل.

ويشير محللون إلى أن تجربة كردستان في الحفاظ على علاقات مع أطراف متعارضة تجعلها أقرب إلى هذا النموذج، خاصة أنها اعتادت إدارة توازنات معقدة فرضتها الجغرافيا والسياسة منذ عقود.

ولطالما اعتُبرت الجغرافيا الكردية مصدر تحديات، لكن محللين يرون أنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر نفوذ. فالإقليم يقع عند تقاطع إيران وتركيا والعراق وسوريا، وهي دول تشكل مجتمعة أحد أكثر أقاليم العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.

وتاريخياً، كان هذا الموقع سبباً في تعرض المنطقة لصراعات متكررة، لكنه منحها أيضاً خبرة طويلة في إدارة العلاقات مع قوى متنافسة، وهو ما يظهر اليوم في قدرة الإقليم على التواصل مع أطراف يصعب أن تجتمع في إطار واحد.

ويرى مراقبون أن الجغرافيا لا تصنع النفوذ وحدها، لكنها تمنح الفرصة لمن يحسن توظيفها، وكردستان تحاول الاستفادة من هذه الميزة عبر تقديم نفسها كمنصة للحوار بدلاً من أن تكون ساحة للصراع.

ويذهب محللون إلى أن الحديث عن دور كردستان لا ينفصل عن الأزمة الأوسع التي يعيشها النظام الدولي. فالعالم يشهد تراجعاً تدريجياً في قدرة المؤسسات الدولية على إدارة النزاعات، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وتتراجع الثقة بالقواعد التي قامت عليها العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

وتكشف الحرب في أوكرانيا، والتصعيد في الشرق الأوسط، والانقسامات داخل مجلس الأمن، عن صعوبة الوصول إلى توافقات دولية بشأن القضايا الكبرى، الأمر الذي يدفع نحو البحث عن صيغ أكثر مرونة لإدارة الأزمات، يكون للفاعلين الإقليميين فيها دور أكبر.

ويرى محللون أن هذا التحول يمنح الكيانات التي تمتلك علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف مساحة أوسع للحركة، حتى وإن لم تكن تمتلك الاعتراف الدولي الكامل الذي تتمتع به الدول.

وتشير التجارب الحديثة، من أفغانستان إلى العراق، مروراً بالحرب على إيران، إلى أن التفوق العسكري لا يترجم تلقائياً إلى نجاح سياسي. فإسقاط القدرات العسكرية أو فرض العقوبات الاقتصادية لا يعني بالضرورة بناء نظام سياسي مستقر أو تحقيق سلام دائم.

ويرى محللون أن المشكلة الأساسية في كثير من الأزمات المعاصرة تكمن في الخلط بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالعمليات العسكرية قد تخلق واقعاً جديداً على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية أو توافقات قادرة على الصمود.

ولهذا السبب، تزداد الحاجة إلى وسطاء قادرين على الجمع بين الخصوم، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الصراع عبر أدوات الردع.

ورغم الحديث عن إمكانات كردستان الإقليمية، يؤكد محللون أن نجاح أي دور خارجي يبقى رهناً بقدرة الإقليم على معالجة تحدياته الداخلية.

فلا تزال العلاقة بين أربيل والسليمانية تمثل أحد أبرز الملفات المؤثرة في وحدة القرار السياسي، كما تواجه حكومة الإقليم تحديات تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز المؤسسات، ومعالجة الخلافات مع الحكومة الاتحادية في بغداد بشأن النفط والإيرادات والصلاحيات.

إقليم كردستان طرف قادر على لعب دور الوسيط الإقليمي، مستفيداً من شبكة علاقاته المتوازنة مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا والعراق، ومن تجربة سياسية جعلته يتعامل مع بيئة معقدة قائمة على التوازنات أكثر من الصدامات.

ويؤكد مراقبون أن أي طموح للقيام بدور إقليمي يحتاج إلى قاعدة داخلية مستقرة، لأن المصداقية في الخارج تبدأ من التماسك في الداخل.

وفي مقابل الأدوات العسكرية، يرى محللون أن كردستان تمتلك عناصر من "القوة الناعمة" يمكن البناء عليها، مثل الانفتاح النسبي على الاستثمارات الأجنبية، والعلاقات الاقتصادية المتشعبة، والقدرة على استضافة اللقاءات السياسية والمنتديات الدولية.

ويعتقد هؤلاء أن النفوذ في النظام الدولي الجديد لن يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على القدرة على بناء الثقة، وجذب الشركاء، وإيجاد مساحات للحوار بين القوى المتنافسة.

ومن هذا المنظور، يمكن للإقليم أن يقدم نموذجاً مختلفاً عن منطق المحاور، يقوم على البراغماتية السياسية وإدارة المصالح المشتركة.

ومع ذلك، يحذر محللون من المبالغة في تقدير قدرة كردستان على لعب دور الوسيط، فالإقليم يظل جزءاً من الدولة العراقية، ويتأثر بالتوازنات الداخلية والإقليمية، كما أن نجاح أي وساطة يبقى مرتبطاً أولاً بمدى استعداد الأطراف المتصارعة للبحث عن حلول سياسية.

كما أن المنافسة بين القوى الإقليمية الكبرى، ولا سيما إيران وتركيا، قد تحد من هامش الحركة الكردي إذا تعارضت مصالح تلك القوى مع أي دور وساطة محتمل.

ورغم هذه القيود، يرى محللون أن البيئة الإقليمية الحالية قد تفتح نافذة جديدة أمام كردستان. فمع تراجع الثقة بالنظام الدولي التقليدي، وصعود الحديث عن عالم متعدد الأقطاب، تزداد الحاجة إلى أطراف تمتلك القدرة على التواصل مع الجميع، بعيداً عن الاستقطابات الحادة.

ولذلك، فإن قيمة التجربة الكردية لا تكمن في امتلاكها حلولاً جاهزة لأزمات المنطقة، وإنما في تقديم نموذج يقوم على الحفاظ على الحوار حتى في أوقات التصعيد، وعلى بناء العلاقات مع الخصوم قبل الحلفاء، وعلى إدراك أن الاستقرار لا يتحقق بإقصاء طرف لصالح آخر، بل بإيجاد توازنات تسمح بإدارة الخلافات.

وقد لا تتحول كردستان في المدى القريب إلى وسيط رئيسي بين واشنطن وطهران أو بين القوى المتنافسة في الشرق الأوسط، إلا أن التحولات الجارية تشير إلى أن دورها السياسي مرشح للتوسع إذا نجحت في استثمار موقعها الجغرافي، وترسيخ استقرارها الداخلي، والمحافظة على سياستها القائمة على التوازن والانفتاح.

وفي منطقة تعاني من فائض في أدوات القوة ونقص في قنوات الحوار، قد تصبح القدرة على بناء الجسور أهم من القدرة على بناء الجيوش، وهو ما يمنح كردستان فرصة لتعزيز مكانتها كفاعل سياسي يسعى إلى إدارة الأزمات لا إلى تعميقها.