قصائد مكتوبة على الحافة.. تحت القصف
يشكّل الشعر مساحةً للتعبير عن التجربة الإنسانية في أعمق تجلياتها، حيث يتداخل الألم بالذاكرة، وتتحول اللغة إلى وسيلة لمقاومة النسيان. وفي السياق الفلسطيني، يغدو الشعر شهادة حيّة على الواقع، يجمع بين البعد الوجداني والبعد الإنساني، ويمنح الصوت لمن يعيشون تحت ثقل المعاناة والشتات.
يجمع الشاعر الفلسطيني سامر أبوهوّاش (مواليد صيدا، 1972) في شِعره بين البساطة والعمق، ويستمدّ صوته من المنفى وتجلياته. تنقّل بين المخيمات والمدن، حاملاً هويةً مضرجّة بالشتات، ومتجذّرة في الذاكرة الفلسطينية النازفة. إلى جانب تجربته الشِعرية المتفرّدة، انشغل بالترجمة، فنقل عشرات الأصوات الشِعريّة من الإنجليزية إلى العربية، لكنّ شغفه الأساسي ظلّ معقوداً على الشِعر، وسؤال الوجود، ومحاولة الإمساك بجوهر الألم الفلسطيني.
في ديوانه الجديد “من النهر إلى البحر”، الصادر باللغتين العربيّة والفرنسيّة عن دار لانسكين في باريس (2025)، يُقدِّم سامر أبوهوّاش شهادة حيّة كُتبت من قلب المذبحة، تنبض في صلب الحدث، وتشارك الجرح الفلسطيني بكل ما فيه من جسد وعاطفة وروح، حاملةً ما يعجز عنه الخبر العاجل، وما تضيق به نشرات الأخبار.
يمضي الشاعر في تأريخ الحرب شعريا، ويجعل من قصيدته فعلا احتجاجيا على محو الحياة، وصوتا في وجه الصمت، ومحاولةً لمواجهة النسيان بالكلمات، في زمنٍ تتراكم فيه الجثث وتتفكك الذاكرة.
جماليات الأسلوب
منذ القصيدة الأولى “الأنقاض”، يبدو الشاعر جزءا من المأساة، يعيش تفاصيلها ويكتب منها مباشرةً، حيثُ يخوض التجربة بجسده وروحه، ويتقدّم مع الضحايا نحو المصير ذاته، شاهدا ومشتبكا مع الألم حتى أقصى حدوده. يستدعي صورة طفلة تمد يدها من تحت الأنقاض، في مشهد مختزلٍ يختصر حجم الكارثة: “ثمّة طفلة/ ما زالت يدها بارزة/ من بين الشقوق/ وقلبها/ ما زال يرتعش/ تحت التراب”.
في هذا السياق، تتحوّل القصيدة إلى نوع من التوثيق المضاد، عبر كشف الجريمة بكل قسوتها، وإيقاظ الوعي بالصورة الصادمة التي تهدف إلى المواجهة لا إلى إثارة التعاطف فقط.
يصوغ سامر أبوهواش شِعريةً من الجرح المفتوح، من رفات الأطفال، من الذاكرة التي تشتعل تحت الركام، كما في قصائد مثل “أهلي”، “الصرخة”، و”الدويّ”. وتتميّز قصائده ببنية جمالية تقوم على البساطة المكثّفة، والإيقاع الداخلي المتوتر، حيثُ تقترب اللغةُ من البوح الصامت بقدر ما تفيض بالدم والمشاعر. يبتعد عن الشكل الكلاسيكي للقصيدة، ويكتب بنَفَسٍ حرّ ينهمر كالماء من بين التشققات، بينما تتشكل الموسيقى من تتابع الصور، وتكرار الأفعال، وانفجار الجمل القصيرة.
في قصيدة “المدينة الأخيرة”، يقدّم الطفلة كرمز لفناء جماعي، يحملها في يديه وكأنّه يحمل مصير أجيال بأكملها. يتحوّل الجسد الصغير إلى مرآة تنعكس فيها الخسارات والحنين، وصوت الزمن المحطّم. حين تموت الطفلة، تنطفئ معها احتمالات حياة كاملة، ويُدفن في غيابها وطنٌ، وذاكرة، وأغنية لم تكتمل: “أحملكِ يا صغيرتي/ كأنّي أحمل دفعةً واحدة كلّ الأحجار الأرواح الدماء الصرخات الظلال الأيام/ الأزمنة الميتة/ والصباحات المجهضة/ كأني أحمل كلّ الأنهار التي جفّت/ في شفتيك/ كلّ السهول التي تبدّدت/ في عينيك/ كلّ الجبال التي استحالت حفنة غبار/ تحت قدميك اللتين لن تطأ بعد اليوم/ هذه اليابسة اليابسة”.
يختصر هذا المقطع البنية الشِعرية التي يعتمدها الديوان: جمل بسيطة الشكل، لكنها مشبعة بطاقة شعورية هائلة. يتكرّر الفعل “أحمل”، ليقود القارئ من الخاص إلى الجمعي، من جسد الطفلة إلى تاريخ الموت الفلسطيني المشترك.
الكلمة التي تنزف
تتشظّى اللغة كما تتشظّى الأجساد في هذا الديوان، وتأتي القصائد في هيئة نصوص مفتوحة، متوترة، محمّلة بالإنهاك والانكسار. يقول الشاعر: “لم نأتِ من جهةٍ ولا من مكان”، كأن الكلمات تنطق من قلب الفراغ، مثقلةً بآثار التيه.
يستعمل الشاعر لغة شفافة، مفرداتها يومية، لكنها محمّلة بثقل الذاكرة والدم. تبتعد اللغة عن الزخرفة والتزيين، وتأتي العبارات ناصعة ومباشرة، تخترق المعنى بحدة، وتمضي عميقا كما يفعل الرصاص في الجسد.
ومن الملفت أنّ الشاعر يتجاوز وصف الضحيّة، ويتجه إلى رسم ملامح القاتل بكامل بشاعته. في قصيدة “الضباع”، تتحول آلة الحرب إلى كائنات تنهش أجساد الأطفال وتضحك على قلبٍ مرسوم على السبورة: “الضباع الضباع/ ضاحكة تتلوى/ لتعلن انتصارها النهائي/ على دمية ما زالت تتشبّث بيد صغيرة/ وعلى الملابس الداخلية لامرأة خطفها النوم”. يصوّر هذا المقطع القتل من زاوية تكشف بشاعته من الداخل، ويدفع القارئ إلى مساحة يتوسّع فيها الموت خارج حدود المعركة، ليتحوّل إلى تراجيديا مكتملة.
وفي قصيدة “من النهر إلى البحر” يستخدم الشاعر تقنية التكرار المتصاعد، في سرد طويل لتفاصيل الحياة الفلسطينية، من البيت إلى المزهرية، من الحذاء إلى اسم الطفل، من الغيم إلى النعش: “كل حجر، كل قطرة، كل اسم، كل عتبة، كل ابتسامة، كل نعش”.
هذا التعداد يشكّل توثيقًا شاملًا لوجودٍ مهدد بالمحو، ويقدّم الشاعر من خلاله صورة لهويته كما تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، لا في الشعارات. أما في قصيدة “لم يعد مهمّا أن يحبنا أحد”، فيقول “لم يَعُدْ مهمّا، بعدَ اليومِ، أن يحبّنا أحدٌ/ يكفي أنْ يحبّنا الملاكُ العظيمُ/ في سمائِهِ النّاصعة”. في هذا المقطع الخارج من عمق الإحباط والخذلان، تتحرك فلسطين نحو مطالبة العالم بحقيقة بعيدة عن الزيف، وخالية من التجميل والمجاملات.
القصيدةُ تابوتٌ مفتوح
الشعر عند أبوهواش صرخة في وجه الخراب، يمنح الضحايا اسما وصوتا وحيّزا في الذاكرة زمن الإبادة والنسيان
في قصيدةٍ مؤلمة وآسرة في الآنِ معاً، يسأل الشاعر “وكيف تُمكن كتابة قصيدة/ أو أيّ شيء/ عن ذلك الصبي/ الذي نقشوا اسمه/ رقماً على جبهته؟”، هنا يظهر جوهر الديوان؛ ليس في البحث عن شكل شِعري، وإنما في التقاط المعنى في عالم متشظٍ وفاقد لتوازنه. الشعر عند أبوهواش صرخة عالية في وجه الخراب، يمنح الضحايا اسما وصوتا وحيّزا في الذاكرة، ويؤكّد الحضور في زمن الإبادة والنسيان.
ديوان “من النهر إلى البحر”، الواقع في 144 صفحة، عمل يكتب على الحافة، ويعيد للشِعر دوره الوثيق في وجه الصمت، كلمات كُتبت تحت القصف، وعلى جدران البيوت المهدّمة، وفوق أجساد الأطفال. يكتب أبوهواش عن فلسطين ككائن يُذبح كل يوم، ويحاول الشِعر أن يمنحه اسماً في زمن يلتهم الأسماء.
جديرٌ بالذكر أن الترجمة الفرنسيّة للقصائد أنجزها الكاتب والمُترجم اللبناني أنطوان جوكي، فجاءت موازية للجرح، ومخلصة لنبرة الأصل.
أما سامر أبوهواش فهو شاعر وكاتب ومترجم وصحافي فلسطيني، ولدَ في صيدا، لبنان عام 1972، عملَ في الصحافة الثقافية وترأس تحرير ملاحق ثقافية عديدة في جريدة “السفير” و”المستقبل” و”النهار” و”زهرة الخليج” و”نداء الوطن”، كما عملَ مديرَ تحرير موقع الإمارات 24، (2012 – 2017).
لهُ مجموعة كبيرة من المؤلفات تجاوزت 40 عنواناً في كل من الرواية والشعر والتراجم. منها تأليفا: “سوف أقتلك أيها الموت” (2012). “سيلفي أخيرة مع عالم يحتضر” (2015)، “السعادة أو سلسلة انفجارات هزت العاصمة” (2007)، “ليس هكذا تصنع البيتزا” (2017). حصل على مجموعة من التكريمات وجوائز التقدير، منها تكريم وزارة الإعلام اللبنانية عام 2000.