قد يكون شمشوم الجبار فارسيًا؟
اتهمت الكويت إيران باستهداف “عدواني” لمنشآت مدنية وبنية تحتية أساسية، بعدما أعلنت سلطاتها تعرض مواقع للكهرباء والنفط لهجمات إيرانية أسفرت عن إصابات وخسائر مادية أدت إلى اندلاع حرائق.
وقالت وزارة الخارجية الكويتية، السبت 18 تموز – آب، في بيان أن “تكرار استهداف هذه المنشآت الحيوية يكشف عن نهج عدواني ممنهج يستهدف الأعيان المدنية والبنية التحتية، ويعرض حياة المدنيين وسلامتهم للخطر”.
حال الكويت، كما حال دول خليجية وعربية، التي لم تزل تُستهدف من قبل الإيراني الذي يطلق صواريخه ومسيراته باتجاه أراضيها، في كلّ مرة تشتعل فيها الحرب بين الإيراني والأميركي في المنطقة. أمام جولات الضربات المتبادلة في منطقة متوترة يتساءل المتابع لما يتعمد الحرس الثوري الإيراني على ضرب دول المنطقة، طالما إن العمليات العسكرية الأميركية تنطلق من حاملات الطائرات أو من مواقع إسرائيلية؟
التهديدات الإيرانية تجاوزت الرد العسكري إلى استهداف الاقتصاد والموانئ والمضائق لتتحول من دفاع عن النفس إلى سياسة تدمير شامل تعيد رسم خريطة الصراع الإقليمي
أطلق المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، العميد أبو الفضل شكارجي، تحذيرات تفيد بأنه إذا تمّ استهداف البنية التحتية لإيران، فإن الرد الإيراني سيشمل تدمير البنى التحتية في جميع دول المنطقة التي تنطلق منها الهجمات.
تحذير شاكرجي ليس يتيمًا بل سبقه تحذيرات مماثلة من قبل مسؤولين رفيعي المستوى في الحرس الثوري، ما يؤكد أن الهدف ليس فقط ضرب القواعد التي تنطلق منها العمليات. فأن تصبح المعادلة وجودية لإيران وتربطها بمضيق هرمز على اعتبار أنه “ما دامت الاعتداءات الأميركية مستمرة فلا يمكن تصدير الأسمدة ولا أي قطرة من النفط والغاز من المنطقة”، فهنا تتوضح أبعاد الضربات الإيرانية.
تتصرف القيادة العسكرية في طهران على قاعدة “عليّ وعلى أعدائي”، وما كنا ننتظره من الجانب الإسرائيلي يأتي على ما يبدو من الجانب الإيراني الذي أخذ من التقليد الإسرائيلي مقولة “شمشوم الجبار” وذهب نحو تطبيقها. إذ بعد السابع من تشرين الأول عام 2023، ونتيجة لعملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة، ومع اشتداد الحرب عليها من أكثر من جبهة، كان من المتوقع أن تقدم إسرائيل على تنفيذ مقولة شمشوم باستخدامها ربما لأسلحة غير تقليدية مع ارتفاع أصوات مسؤولين ووزراء في حكومة بنيامين نتنياهو على ضرورة استخدام القنبلة النووية.
في سفر القضاة في العهد القديم من الكتاب المقدس، وتحديدًا في الإصحاحات 13 إلى 16، تذكر قصة شمشوم الجبار، الذي كان قاضيًا ومحاربًا في بني إسرائيل، واشتهر بقوة جسدية هائلة اعتبرت هبة إلهية. وفي نهاية القصة، وبينما كان أسيرًا دعا إلى الله أن يعيد إليه قوته بعدما سلبت منه من قبل أعدائه، فاستعادها ودفع أعمدة المعبد الذي كان فيه، فانهار المعبد عليه وعل أعدائه، ومات معهم.
من يقرأ التهديدات الإيرانية، ويشهد على موجات الضربات التي ينفذها الحرس الثوري، يدرك أن هناك قرارًا اتخذ من قبل المرجعيات الحاكمة في طهران بالردّ على الضربات التي ينفذها الجيش الأميركي على أراضيها. فالأمر لا يتوقف عند الرد ّ على الضربات فدائرة الاستهداف الإيراني توسعت، ولم تلتزم الردّ على المواقع العسكرية الأميركية المتواجدة في المنطقة، لأنّها أخذت تطال البنية التحتية والتهديدات طالت تدمير الموانئ ومصافي النفط وبما اجتياح بري. هذا إن دلّ على شيء، فعلى إن الإيراني ذاهب في ضرب كافة مقومات الحياة المدنية والاقتصادية وليس فقط العسكرية.
هي حرب وجودية يعمد فيها الحرس الثوري على فرض قواعد للاشتباك من خلال تفعيل نفوذه في المنطقة بدءًا من موجات الصواريخ والمسيرات وصولًا إلى تحريك أذرعه في مناطق النفوذ
لا نقاش في أنّ الضربات الأميركية على إيران لن تتوقف طالما أنّ الجانب الإيراني لا يبدي ليونة أو يقدم على تنازلات في ما خصّ القضايا التي تطالب بها واشنطن. وهذا ما يفتح المنطقة على الانزلاق إلى سيناريو الحرب الكبرى، التي يجد فيها الحرس الثوري نفسه اليوم أمام ضربات الاستنزاف للجيش الأميركي بمثابة “شمشوم الجبار” داخل المعبد مسلوب القوة.
ذهب الإيراني بعيدًا في تهديداته نحو فتح جبهات جديدة من الحرب فطلب من حركة الحوثيين الاستعداد للدخول في الحرب عبر إقفال باب المندب أمام حركة الملاحة. فالأزمة هناك تؤثر مباشرة على مكانة قناة السويس في حركة التجارة الدولية، ما ينعكس سلبًا على مصر المستفيد الأول من مردود هذه القناة كما حصل عند إسناد غزة مع دخول الحوثي الحرب إلى جانب حماس.
هي حرب وجودية يعمد فيها الحرس الثوري على فرض قواعد للاشتباك من خلال تفعيل نفوذه في المنطقة بدءًا من موجات الصواريخ والمسيرات وصولًا إلى تحريك أذرعه في مناطق النفوذ. فإن الوجود لا يرتبط بسقوطه وحيدًا، بل سقوط المنطقة بكل مقوماتها، كي لا تكون سانحة للأميركي استيفاء ثمن حربه.
فإن التعمد بقصف البنى التحتية والمراكز الاقتصادية في المنطقة وإغلاق المضائق وإشراك دول في حربه، قصف قاعدة التنف في سوريا نموذجًا، رغم إعلان النظام السوري عدم تواجد لقواعد أميركية، دلالة على إصرار للحرس الثوري بضرب وتعطيل كافة المخططات التي باتت تتحدث عن إقامة مشاريع تجارية بعيدة عن تأثير الحرس الثوري، كـ”طريق المشرق العربي” الذي يربط تركيا بدول الخليج العربي مرورًا بسوريا ومدعوم من الجانب الأميركي بهدف تخفيف الاعتماد على الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.