"في مطعم الوجود" التفاصيل الصغيرة تتحول إلى أسئلة كبرى
يتمتّع الشاعر العراقي باسم المرعبي بأسلوب شعري غنيّ، يتسم بالعمق والتكثيف الدلالي، حيث يلتقط التفاصيل اليومية الصغيرة ليحيلها إلى فضاءات فلسفية واسعة، يمزج بين النثرية العالية والإيقاع الداخلي الخفي، مما يجعل قصيدته أشبه بمشهد سينمائي متحرك، ومحمّل بالإيحاءات الوجودية.
يُظهر الشاعر العراقي باسم المرعبي في ديوانه الجديد “في مطعم الوجود”، الصادر مؤخراً عن دار جبرا في عمّان 2025، أسلوباً شعرياً مُغايراً، يتميز بعمق التأمل وتجسيد التجارب الإنسانية بأسلوب سردي متقن، يبحثُ في الغموض الوجودي، وتجارب الحياة اليومية، مما يمنح قصيدته بعدا جماليا وفلسفيا لافتا.
في قصيدة بعنوان “الحرب ثانيةً”، يتناول الشاعر موضوع الحرب وتأثيرها المستمر، من خلال تصوير جندي يستيقظ من موته بسبب قذيفة، مما يبرز عبثية الحرب وتكرار مآسيها، حيثُ يقول “استفاق الجندي القتيل في حربٍ سابقة، عندما سقطت قذيفة مدفع قرب قبره./ حين نظر إلى الغبار المتصاعد مختلطاً بالدخان، وشواهد القبور القريبة منه مهدمة./ وشظايا العظام مبعثرة. أيقن أنها الحرب ثانيةً./ أخذ يفكر بالابتعاد بحثاً عن قبر بعيد لا تطاله القذائف”.
تكشف هذه القصيدة عن حساسية شعرية تتجاوز التجربة الفردية نحو ذاكرة جمعية مثقلة بالحروب والانكسارات، حيث تتحول الحرب إلى قدر إنساني يتكرر بصور مختلفة. ومن خلال هذا التداخل بين الذاتي والجمعي، يفتح المرعبي نصوصه على أسئلة الوجود والمصير، فتغدو القصيدة مساحة للتأمل في هشاشة الإنسان وعلاقته بالعالم.
تدفّق الذاكرة
تتميز لغة باسم المرعبي (من مواليد 1960)، بالبساطة أو ما يسمّى بالسهل الممتنع، والتي تخفي وراءها دلالات جماليّة عديدة، حيث يعتمد على الحذف والاقتصاد، دون أن يفقد المعنى زخمه، فهو يختار كلماته بعناية فائقة، متجنباً الزخرفة التي قد تثقل النص، حيثُ كل جملة لديه تبدو كأنها مفتاح لعالم من التأويلات، ما يخلق نصاً متجدداً، يقرأ بأكثر من زاوية.
القصيدة تنطلق من التجربة الذاتية، ثم تتسع لتلامس التجربة الإنسانية العامة، لتكون أشبه بسلسلة من المشاهد المتجاورة
ويميل المرعبي إلى إدخال السرد في بنية القصيدة بطريقة تنأى عن الأساليب التقليدية، إذ تتوالى المشاهد كما لو أنها تدفّق للذاكرة والصور الداخلية. كثيراً ما تبدو قصائده أقرب إلى لقطات سينمائية تلتقط تفاصيل عابرة، لكنها تنطوي على أبعاد إنسانية وتأملية واسعة. ومن خلال هذا البعد البصري، تتحول الكلمات إلى صور نابضة في ذهن القارئ، تتداخل فيها الحركة مع الإحساس والزمن.
تمتلك تجربة المرعبي خصوصيتها من خلال هذا التوازن الدقيق بين التكثيف والانسياب، بين الحنين والتأمل، وبين بساطة المشهد وعمق دلالته. فالشعر عنده يتجاوز حدود الوصف، ليصبح وسيلة لإعادة اكتشاف العالم وصياغته عبر حساسية شاعر يرى في التفاصيل الصغيرة مفاتيح كبرى للمعنى.
يحضر الحنين في شعر المرعبي بوصفه طاقة روحية مرتبطة بالسؤال عن الذات والمعنى؛ إذ تتكرر في نصوصه إشارات إلى المدن والأزقة والوجوه العابرة والأمكنة التي تلاشت في الذاكرة، فتكتسب القصائد بعداً وجدانياً عميقاً، يمس القارئ عبر تلك العلاقة الحميمة بين الإنسان وذكرياته.
ويبرع الشاعر في تحويل الأشياء اليومية إلى فضاءات تأملية رحبة؛ ففنجان قهوة، أو قطار يمر في المدينة، أو ظل شجرة عند المساء، يتحول في قصيدته إلى مدخل للتفكير في الزمن والعزلة والمصير. التفاصيل هنا تؤدي دوراً جوهرياً في بناء المعنى، إذ تتحول إلى إشارات دقيقة تكشف تعقيدات النفس الإنسانية.
وبالرغم من ميلهِ إلى النثرية في شِعره، إلا أن الإيقاع الداخلي الخفي يخلق المزيد من الانسجام بين الجُمل والصور، ما يجعل قصائده أقرب إلى المقطوعات الموسيقية، حيثُ يعتمد في تحقيق ذلك على حميميّة الإيقاع في التكرار المدروس جنباً إلى جنب مع التوازي الصوتي، واستخدام الجمل الطويلة التي تُفضي إلى نهايات مفاجئة.
خصوصيّة بناء القصيدة
يتميّز البناء الشِعري لدى الشاعر المرعبي بفرادة واضحة، تجمع بين النثر الفني والتكثيف الدلالي والمشهدية البصرية. تنطلق القصيدة من التجربة الذاتية، ثم تتسع لتلامس التجربة الإنسانية العامة، عبر تدفق شعوري يجعل النص أشبه بسلسلة من المشاهد المتجاورة، حيث يتداخل الزمن والذاكرة والصورة ضمن حركة سلسة. ويعتمد على المشهد الشعري بوصفه أداة مركزية في بناء النص، فتتوالى الصور كما لو أنها لقطات متتابعة في فيلم.
يوظف المرعبي تقنيات السرد داخل قصيدته دون أن يحولها إلى مجرّد حكايةٍ، إذ يخلق توازناً بين الحكي والتأمل. تظهر شخصيات عابرة، وأمكنة تتكرر، وأحداث تتشابك خارج التسلسل الزمني، فتبدو القصيدة نصاً مفتوحاً يتداخل فيه الواقع مع الحلم.
ويميل الشاعر إلى التكثيف والتلميح، حيث ينجح أحياناً في بناء مشهد كامل عبر جملة واحدة مشبعة بالدلالات، كما يعتمد على الانزياحات اللغوية التي تبدأ بمعنى محدد ثم تنفتح على احتمالات أخرى، ما يخلق إحساساً بالدهشة والاستكشاف الدائم.
يتعامل المرعبي مع الزمن بوصفه مساحة متداخلة، تمتزج فيها الذكريات بالحاضر، فيصبح الماضي جزءاً حياً من التجربة الراهنة، ما يجعل قصيدته قريبة من بنية الحلم، حيث تتكرر المشاهد وتتداخل الأصوات وكأنها صدى بعيد لشيء لا يزال مستمراً.
ورغم الطابع الذاتي الذي يلوح في كثير من نصوصه، فإن القصيدة تنفتح على الآخرين عبر حضور شخصيات عابرة: مسافر، ظل، وجه مجهول، أو عابر طريق، مما يسهم في خلق بعد حواري داخل القصيدة، حيث تتحول القصيدة إلى ساحة يتداخل فيها الحديث عن الذات مع استبطان وجود الآخرين.
الأصوات داخل النص
قصيدة المرعبي متعددة الأصوات، إذ يتحول الصوت الشعري من راوٍ متأمل إلى شخصية داخل المشهد، ثم يفسح المجال أحياناً للصمت كي يؤدي دوره التعبيري. تمنح هذه التعددية النص بعداً درامياً، فيبدو أحياناً كأنه مونولوج داخلي، وأحياناً أخرى كأنه حوار مع الذاكرة والظلال.
وغالباً ما تنتهي قصائده بنهايات مفتوحة، تترك القارئ أمام أسئلة واحتمالات متعددة. هذا الأسلوب يعكس رؤية شعرية ترى المعنى في حالة تشكّل دائم، وتمنح النص قدرة على إعادة إنتاج دلالاته مع كل قراءة جديدة.
في قصيدة بعنوان “مدن الخيال” يقول “سافرت إلى مدنٍ كثيرة كنت قد كتبت عنها. ولطالما جلست في مقاهيها مستمتعاً بالتدخين تحت شمس الشتاء النديّة، واستعادة ذكريات عن مدن اختفت إلى الأبد. مدن لطالما سرت في شوارعها، وسُررتُ مفتوناً بسحر نسائها. متعجباً من ابتهاج سكّانها الدائم. مدن لا يمكن عدّها بمشاهدها العصيّة على الوصف لروعتها، غير أني لم أجد أجمل وأرحب من المدن التي أنشأتها على الورق، ولم يكن لها من وجود أصلاً”.
التداخل بين الذاتي والجمعي، يفتح المرعبي نصوصه على أسئلة الوجود والمصير، فتغدو القصيدة عنده مساحة للتأمل
تكمن خصوصيّة تجربة باسم المرعبي في مزيجها المتقن بين السردي والمشهدي، وبين الحميمي والكونيّ، وبين اللغة المكثفة والانفتاح التأويلي. فقصيدته تتجاوز حدود التعبير عن لحظة شعورية عابرة، لتصبح محاولة لإعادة تشكيل العالم عبر الكلمات، واكتشاف المعنى المختبئ داخل الأشياء اليومية بمنتهى الحساسية والدهشة.
وجدير بالذكر أن باسم المرعبي شاعر وكاتب عراقيّ مقيم في السويد. نالت مجموعتُه الشعريّة الأولى جائزةَ يوسف الخال 1988. عمل في الصحافة الثقافيّة في لبنان، وأصدر في العام 2006 مجلة “ملامح”، المتخصصة في الشعر بالعربيّة والسويديّة. كما أسّس “بيت الشعر” في السويد.
أصدر اثنتي عشرة مجموعة شعرية وتسعة كتب نثرية تتوزع بين النقد الأدبي والمقال السياسي، ومختارات شعرية وقصصية لشعراء وكتاب آخرين.
تَرجم إلى العربيّة عشرات الشعراء من السويد ومن بقية العالم، كما ترجم ونشر العديد من المقالات الأدبية، بينما تُرجم نتاجه الشعري إلى لغات عديدة، مثل الإنجليزية، السويدية، الفارسية، الفرنسية، الألمانية، الكُردية، الإسبانية والإيطالية.