عُمان: نافذة أمل في زمن الانسداد
يكفي النظر إلى خريطة الخليج لفهم أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري تنتقل عبره ناقلات النفط والغاز، وإنما أصبح نقطة تختبر عندها المنطقة والعالم قدرة السياسة على منع الجغرافيا من التحول إلى سلاح.
في الساعات الأخيرة، ازدادت الصورة تعقيداً. الاجتماع الذي كان مقرراً في سلطنة عُمان بين إيران وعدد من دول الخليج لبحث ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز أُرجئ، وقال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إن التأجيل جاء “حرصاً على التوافق”، من دون تحديد موعد جديد. وفي الوقت نفسه، استمرت تداعيات الهجوم الذي أدى إلى إغلاق خط أنابيب شرق–غرب السعودي، فيما تعرضت سفن لهجمات جديدة في الخليج، واتسع الضغط على مسارات الطاقة مع تصاعد التهديدات في باب المندب.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا المشهد كأنه انتكاسة لفكرة الوساطة العُمانية. اجتماع مؤجل، خلافات مستمرة، وأسواق نفط تستجيب بقلق للتطورات الأمنية. لكن القراءة الأعمق قد تقود إلى نتيجة مختلفة تماماً: حين يتعثر الحوار في أكثر اللحظات توتراً، تصبح الحاجة إليه أكبر، لا أقل.
وهنا تحديداً تكتسب سلطنة عُمان أهمية تتجاوز حدود الوساطة التقليدية.
فمسقط لا تقدم نفسها باعتبارها قوة تريد إعادة تشكيل ميزان القوى، وإنما بوصفها دولة راكمت عبر عقود قدرة نادرة على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة بين أطراف يصعب عليها أحياناً أن تتحدث مباشرة مع بعضها البعض. وهذه الوظيفة تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن المنطقة لم تعد تواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها في مكان واحد، وإنما شبكة متداخلة من الأزمات تمتد من هرمز إلى باب المندب، ومن خطوط الأنابيب إلى الموانئ، ومن أمن السفن إلى أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
لقد كان الاجتماع العُماني المنتظر مهماً ليس لأنه كان سيقدم حلاً نهائياً لأزمة هرمز، وإنما لأنه كان يمكن أن يمثل أول مساحة جماعية للبحث في ترتيبات عملية للملاحة بين إيران ودول الخليج. وكانت طهران قد تحدثت عن تفاهم مع مسقط بشأن مسار بحري جديد، لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شدد في الوقت نفسه على أن هذا التفاهم لا يعني إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، وأن النقاش يتعلق بترتيبات محددة للملاحة.
تأجيل اجتماع مسقط لا يعني الفشل بل يعكس أهمية التوافق حيث تصبح الحاجة للحوار أكبر في لحظات التوتر لتفادي مواجهة دبلوماسية جديدة
وهذه النقطة مهمة للغاية. فالدبلوماسية الجادة لا تبدأ عادة من التسويات الكبرى، وإنما من الملفات التي يمكن الاتفاق عليها ولو جزئياً. وإذا كان فتح المضيق بصورة كاملة مسألة شديدة التعقيد، فإن ضمان ممرات آمنة للسفن، وتنظيم الحركة البحرية، ومنع الاحتكاك، يمكن أن تكون خطوات أولى أكثر واقعية.
لكن حتى هذه الخطوات الصغيرة أصبحت اليوم صعبة.
وهذا هو سبب أهمية عُمان. فمسقط لا تحتاج إلى أن تقنع الأطراف بأن خلافاتها غير موجودة، بل تحتاج إلى أن تساعدها على منع هذه الخلافات من ابتلاع المصالح المشتركة. إيران لديها حساباتها السياسية والأمنية، ودول الخليج لديها مخاوفها المشروعة، والولايات المتحدة لديها حساباتها الاستراتيجية، والأسواق العالمية لديها حساسيتها تجاه الطاقة. وليس مطلوباً من الوسيط أن يلغي هذه الحسابات.
البحرين، على سبيل المثال، اتخذت موقفاً أكثر تحفظاً، ورفضت المشاركة في الاجتماع الجماعي مع إيران قبل استعادة العلاقات الدبلوماسية، في ظل تأكيدها على قضايا السيادة ووقف الاعتداءات واحترام القانون الدولي. وهذه المواقف لا يمكن تجاهلها في أي مسار تفاوضي جاد. لكنها في الوقت نفسه تكشف مدى الحاجة إلى وسيط يستطيع أن يحول المخاوف الأمنية إلى ترتيبات قابلة للنقاش، بدلاً من أن تبقى الخلافات أسيرة البيانات والمواقف المتقابلة.
وهنا تصبح عُمان أكثر من مجرد مستضيف للاجتماعات.
إنها مساحة اختبار لفكرة أن الأمن يمكن أن يُبنى بالتدرج.
فالاستقرار لا يحتاج دائماً إلى اتفاق شامل منذ اليوم الأول. قد يبدأ بقاعدة بسيطة للسلوك في البحر، أو قناة اتصال مباشرة بين الأطراف، أو تفاهم حول مسار محدد، أو آلية للتعامل مع الحوادث البحرية. وقد تبدو هذه الإجراءات متواضعة مقارنة بحجم الأزمة، لكنها في لحظات التوتر الكبرى قد تكون الفارق بين حادث يمكن احتواؤه وحادث يتحول إلى حرب.
ولعل أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة أن المشكلة لم تعد محصورة في هرمز أصلاً.
فالهجمات التي طالت خط أنابيب شرق–غرب السعودي، الذي يمثل أحد أهم المسارات البديلة لنقل النفط بعيداً عن هرمز، أظهرت أن إغلاق المضيق ليس وحده مصدر الخطر. فقد اضطرت السعودية إلى إغلاق الخط احترازياً بعد تعرضه لهجمات في منطقتي الرياض والمدينة، في وقت كان فيه هذا المسار يحظى بأهمية استثنائية بسبب قدرته على نقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر بعيداً عن المضيق.
ثم جاء التصعيد في باب المندب ليضيف طبقة أخرى من المخاطر. وهذا ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من ثلاثة في المئة في التعاملات الأخيرة، مع تجاوز خام برنت مستوى 107 دولارات للبرميل.
وهنا تتضح أهمية الدور العُماني بصورة أكبر.
الأزمات مترابطة من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس ما يجعل الحلول السياسية ضرورة ويبرز الدور العُماني كنافذة أمل في زمن الانسداد
فإذا كانت الأزمات مترابطة جغرافياً واقتصادياً، فإن الحلول يجب أن تكون مترابطة أيضاً. لا يمكن أن نتحدث عن أمن هرمز بمعزل عن أمن باب المندب، ولا عن حرية الملاحة من دون النظر إلى أمن خطوط الطاقة والموانئ، ولا عن استقرار أسعار النفط من دون التفكير في كيفية منع تحول البنية التحتية للطاقة إلى أهداف في حرب إقليمية مفتوحة.
لقد أصبحت المنطقة أمام معادلة خطيرة: إذا أُغلقت الممرات البحرية، استُهدفت البدائل البرية؛ وإذا اتسعت الحرب في الخليج، امتدت آثارها إلى البحر الأحمر؛ وإذا تعطلت الطاقة، انتقلت الأزمة بسرعة إلى الاقتصاد العالمي.
وهذه المعادلة تجعل البحث عن مخرج سياسي أكثر إلحاحاً.
من هنا لا ينبغي النظر إلى تأجيل اجتماع مسقط باعتباره فشلاً. التأجيل قد يكون، في بعض الحالات، جزءاً من العمل الدبلوماسي نفسه. فمسقط قالت بوضوح إن الهدف هو الحفاظ على التوافق، فيما أفادت إيران بأن التأجيل جاء بناء على طلب بعض دول المنطقة وبقرار مشترك مع عُمان، على أن يجري التنسيق لتحديد موعد مناسب لاحقاً.
وهذا التفصيل مهم. فالمسار لم يُعلن انتهاؤه، وإنما تعثر في لحظة لم تكن فيها الشروط السياسية ناضجة بما يكفي لعقد اجتماع قد ينتهي إلى نتيجة هشة أو إلى مواجهة دبلوماسية جديدة.