علي المندلاوي "سادو" الملامح وفيلسوف البورتريه الساخر
يمثل الفنان العراقي علي المندلاوي تجربة تشكيلية استثنائية تمتد لأكثر من أربعة عقود، حيث نجح في تحويل الكاريكاتير والبورتريه الساخر إلى فلسفة بصرية تغوص في أعماق الروح الإنسانية. ومن طفولته بين ريف مندلي وشناشيل بغداد، شق طريقه نحو المنصات العالمية، متمردا بريشته الجريئة على قوالب المحاكاة التقليدية ليوثق الذاكرة والوجدان.
لا يقف فن البورتريه الكاريكاتيري عند حدود المحاكاة البصرية أو التشويه الفكاهي لملامح الوجه، بل هو في جوهره قراءة تفكيكية لبناء الشخصية الداخلي، وإعادة صياغة الهوية الإنسانية وفق رؤية فلسفية تختزل التاريخ والموقف في خطوط وألوان.
في المشهد التشكيلي والصحفي العراقي، يبرز اسم الفنان علي المندلاوي المولود في مدينة مندلي بمحافظة ديالى عام 1958، بوصفه رائدا ومجددا في هذا الفضاء، ومؤسسا لمدرسة فنية زاوجت بين رصانة اللوحة التشكيلية الحرّة وجرأة الكاريكاتير الصحفي الصادم.
إن تجربة المندلاوي، التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، لم تكن وليدة المصادفة، بل هي نتاج حراك معرفي وأكاديمي واع، حيث نال دبلوم معهد الفنون الجميلة عام 1979 وبكالوريوس أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1986 بتخصص التصميم الطباعي. ومن خلال الغوص في العوالم السيكولوجية للمشاهير، استطاع المندلاوي أن يبتكر الواقع الخاص به، محطما المرآة التقليدية ليقدم للمتلقي حقيقة أخرى للشخصية، حقيقة يمتزج فيها الشبه الخَلقي الدقيق بالفلسفة النفسية العميقة.
شناشيل الكفاح
تتشكل البدايات الأولى للفنان علي المندلاوي من تداخل بيئتين متناقضتين في تلوينهما البصري والحسي، وهو ما يصفه بالعيش في طفولتين: الطفولة الأولى “جنان مندلي”، في قريته الريفية الكبيرة “كبرات”، أين تفتحت عيناه على الطبيعة العذراء، وأشجار النخيل، وعصافير الأرياف، والأهم من ذلك على المنحوتات الطينية التي كان يصنعها شقيقه الأكبر موسى. هذه التماثيل البدائية للراقصين والحيوانات شكّلت صدمته الجمالية الأولى وداعبت خياله الطفلي.
خلال الطفولة الثانية حيث “صخب بغداد والشلل”، داهمه مرض خطير في بداية مرحلته الابتدائية، أدى لاحقا إلى إصابته بشلل الأطفال، مما اضطر عائلته إلى النزوح صوب العاصمة بغداد بحثًا عن العلاج. هناك، وسط حواري شارع الكفاح وشناشيله العتيقة، دخل المندلاوي في حلم سريالي جديد ضاجّ بالأضواء، ودور السينما، وباصات النقل الحمراء، ومجلات الأطفال التي استهوته وسحرته.
في سن الرابعة عشرة، وتحديدا في الصف الثاني المتوسط، ظهرت ملامح النجومية المبكرة للمندلاوي، فخلال مشاركته في دورة صيفية نظمها المتحف العراقي للموهوبين، أنجز نحتا بارزا من مادة البورك يمثل فرقة موسيقية سومرية، مستوحاة من اللقى المعروضة في القاعة السومرية، ونال العمل إعجاب المشرفين حتى اقتناه سائح ألماني.
ولم يقتصر تميزه على النحت، بل قام بإعداد وكتابة وتلوين نسخة كاملة لمجلة مخطوطة أسماها “مجلة عبوسي”. هذا النشاط الاستثنائي قاده للقاء الفنان حمودي الحارثي، والظهور في برنامج “جنة الأطفال” الشهير مع عمو زكي، ليدخل من الباب الكبير إلى عالم الصحافة كرسام واعد في مجلتي “مجلتي” و”المزمار”، وينشر أول رسم كاريكاتيري له في جريدة “التآخي”.
ويمثل الرسم للأطفال في مسيرة المندلاوي محورا إبداعيا مستقلا وليس مجرد مرحلة عابرة. يصف المندلاوي مطبوعات الأطفال بأنها “شجرة الفاصولياء السحرية التي تسلقها في طفولته وأبقته في فردوسها”.
لقد احترف الرسم في دار ثقافة الأطفال عام 1975، ووضع الرسوم التوضيحية لأكثر من 40 كتابا للأطفال، فضلا عن السيناريوهات المصورة (الكوميكس) في المجلات العراقية والعربية، وكان متميزاً جداً برسمها.
في هذا الفضاء يرفض المندلاوي الانصياع للواقع الكلاسيكي البليد، فهو يعيد إنتاج الكائنات، والطيور، والحيوانات، والطبيعة وفق منظور “مندلاوي” خالص يتميز بالجرأة اللمسية والشفافية اللونية، وهو ما جعل رسومه تأسر عقول الأطفال وتساهم في تطوير ملكاتهم الإبداعية. إن الرسم للطفل، بحسب رؤيته، هو التزام بنص يقترحه كاتب آخر، لكن حريته الكاملة تتجلى في ابتكار البيئات والتقنيات الصبغية التلقائية التي تنضج في فرن خياله المتقد.
وتتتبع مسيرة الفنان الفنية محطات تشكيلية فارقة تعكس تطور رؤيته وتجربته عبر العقود؛ إذ انطلقت أولى خطواته في بغداد عام 1975 من خلال معرضه الشخصي الأول “الحكايات الشعبية الكردية”، والذي مثّل توثيقا واعيا ومبكرا للموروث والذاكرة الشعبية، ليعقبه في عام 1986 بنتاج تجربته الأكاديمية في معرضه الثاني “لوحات للطفولة” بأكاديمية الفنون الجميلة.
في العام نفسه شهدت قاعة الأورفلي ببغداد معرضه الثالث “وجوه من الداخل” الذي شكّل الولادة الحقيقية لأسلوبه في بورتريه الوجوه واستبطان الملامح الإنسانية، وصولاً إلى معرضه الشخصي الرابع “خارج المرايا” الذي أقيم عام 2019 في الدار العراقية للأزياء بـ”غاليري الواسطي”، ليتوّج هذا المعرض الأخير عودته الإبداعية إلى حضن بغداد بعد عقود طويلة قضّاها في الهجرة والاغتراب.
الوجه الباطني
لا ينظر المندلاوي بسطحية للوجوه، بل يقرأ تاريخ الشخصية وتجرحاتها وأعمالها قبل أن يشرع في تخطيط الأنف أو الشفاه، محققا صفة الشبه الفلسفي لا التشويه السمج
قامة تشكيلية استثنائية نجحت في تحويل الخط الساخر إلى فلسفة بصرية تضيء عتمة الواقع، وتغوص خلف ملامح الوجوه
وقد وصفت المندلاوي في عنوان هذا المقال: “سادو الملامح”، أي أن ريشته لا تخطئ الملامح الجوهرية للشخصية. هو لا يرسم ملامح عشوائية أو مشوهة لمجرد إضحاك المتلقي، كما في الكاريكاتير السطحي، بل إن خطوطه تسدّد بدقة متناهية نحو الملمح الأساسي الذي يصنع هوية الشخص المرسوم، فيصيب الشبه الكامل مع الشخصية ببراعة وحرفية عالية.
بدأت حكاية المندلاوي مع فن البورتريه الساخر في منتصف السبعينات بمحاولة عفوية لغرض التمرين، حيث رسم وجه نجم كرة القدم ومدرب المنتخب العراقي الراحل “عمو بابا”. لم يكن الفنان الشاب يعلم أن تلك اللوحة ستكون كرة الثلج التي ستتدحرج لتتحول إلى منهج وتيار فني متفرد. وجاءت الانطلاقة الكبرى عام 1983 عندما كُلف من مجلة “ألف باء” برسم بورتريه للشاعر الراحل بدر شاكر السياب، ليتوالى بعدها رسم مشاهير الفكر والسياسة والفن في العالم.
المندلاوي يمتلك أسلوبا لا يشبهه أحد، حيث يمثل اتجاها بخصائص فنية فريدة في طرح الفكرة والأسلوب الفني والتقنية. كالخلفيات والكولاج، جميعها إشارات دلالية عميقة. يعبر الفنان المصري الكبير جورج البهجوري عن هذه التجربة بقوله “إن المندلاوي يشترك في “تحطيم مرآة الشخص المرسوم” وإقناعه بمرآة كاريكاتيرية حقيقية تكشف عمقه النفسي، وتجعل صورته القديمة في المرآة تبدو وهما.
والصدق الفني والجرأة في التعبير جعلا من ريشة المندلاوي أداة مشاكسة تخلو من المجاملات أو الخطوط الحمراء. في منتصف الثمانينات، وخلال فعاليات مهرجان المربد الشعري، نشر المندلاوي بورتريها كاريكاتيريا لاذعا للشاعر الراحل عبدالرزاق عبدالواحد في جريدة “المهرجان” اليومية. تسبب الرسم في أزمة حادة، إذ انزعج الشاعر الكبير وتوعد بالشكوى، مما دفع البعض لنصح المندلاوي بالهروب الفوري خارج البلاد لحماية نفسه. إلا أن المندلاوي اختار المواجهة الشجاعة، وذهب إلى الفندق الذي يقيم فيه الشعراء، وحدث أن التقى بعبدالرزاق عبدالواحد (الذي كان يشغل أيضا منصب مدير دار ثقافة الأطفال، أي رئيس المندلاوي في العمل) داخل مصعد الفندق. تطلع الشاعر إليه بذهول في البداية، ثم غرق في الضحك قائلا بعتاب “لماذا يا علي؟”، فشرح له المندلاوي الموقف بوصفه معالجة فنية كاريكاتيرية لا تحمل أي إساءة شخصية، لتنتهي الأزمة بروح الفكاهة.
على صعيد آخر، تعرضت أعمال المندلاوي للعديد من السرقات، ولعل أبرزها اللوحة التي رسمها لصديقه الفنان التشكيلي إسماعيل خياط في نهاية الثمانينات. حيث رسم المندلاوي اللوحة في ليلة واحدة مستعيرا تقنية قلم الرصاص والأسلوب الفني ذاته الذي تميز به خياط في معالجة السطح التصويري، مع مبالغة كاريكاتيرية متقنة، نالت اللوحة إعجاب خياط الشديد فعرضها في حفل افتتاح معرضه على قاعة الرواق تحت سطح زجاجي بجانب دفتر الملاحظات، ليتفاجأ الجميع باختفائها وسرقتها في نهاية الحفل.
ورغم حزن خياط هدأ المندلاوي من روعه معبرا عن سعادته بوجود لص مجهول عرف قيمة اللوحة الفنية وأحبها إلى حد المغامرة بسرقتها، وإن كان يشجب السلوك جنائيا.
التكنولوجيا والواقع المعاصر
يتخذ المندلاوي مواقف نقدية صارمة تجاه وظيفة الفن وبنية المجتمع الثقافي والسياسي، وتتجلى رؤيته في المحاور التالية:
استقلالية الكاريكاتير ورفض التعبئة: يرى المندلاوي أن فن الكاريكاتير فن مشاكس بطبيعته، ومن أهم قواعد لعبته أن يظل حرا وألا يُوظَّف إعلاميا أو أيديولوجيا لصالح أي جهة. ويؤكد بوضوح: “لا دور إعلاميا للكاريكاتير، ولا علاقة له بالتعبئة لا من بعيد ولا من قريب، متى ما وُظِّف الفن الساخر في التعبئة والإملاءات الإعلامية فسد كفن وفقد أصالته”.
الموهبة والدراسة الأكاديمية: رغم إيمانه المطلق بأن الموهبة تأتي أولًا، إلا أن المندلاوي يرى الدراسة الأكاديمية شرطا أساسيا لاكتساب المعارف والتقنيات والاطلاع على المدارس الفنية العالمية (مثل مدرسة الواسطي في بغداد وبابلو بيكاسو في الغرب).
ويحذر من أن “الرسم دون دراسة أكاديمية وثقافة بصرية يتحول بمرور الوقت إلى إنتاج بدائي، أشبه بخطوط المجانين أو رسوم الأطفال العفوية”.
إلى جانب كل ذلك واكب المندلاوي التطور التكنولوجي مبكرا، ويرى أن التقنيات الحديثة والبرمجيات قدمت لرسام الكاريكاتير خيالا جامحا وسرعة فائقة في الإنتاج والتوزيع. ورغم أن الكومبيوتر ألغى أحيانا الوجود الفيزيائي للنسخة الأصلية الواحدة ليحولها إلى “عمل افتراضي” يمكن تحريكه وإضافة الصوت إليه، إلا أنه حقق طفرة تاريخية في التواصل، فاللوحة الواحدة للفنان العالمي باتت تُنشر في أكثر من 500 مطبوع دولي وتصل إلى ملايين المشاهدين عبر الإنترنت في لحظات معدودة.
ويحمل الفنان وجهة نظر سوداوية وصريحة إزاء الواقع العراقي بعد مرحلة التغيير عام 2003، فهو يرفض بشدة توصيف المرحلة بأنها عصر انفتاح وديمقراطية، بل يراها “فوضى عارمة وانحطاطا وفسادا إداريا وسياسيا وثقافيا” قاد البلاد إلى الضعف وامتهان كرامة الإنسان. ويعبر عن إحباطه من المؤسسة الرسمية مشيرا إلى أن وزارة الثقافة شبه عاطلة عن دعم المبدعين، وهو ما تجسد في غياب الدعم لكتابه التوثيقي الهام “وجوه” الذي استغرق عامين في إعداده، واضطر إلى توقيعه في احتفالية نظمتها جمعية مدنية هي “جمعية الثقافة للجميع” وسط بغداد.
ومع اشتداد الظروف السياسية الصعبة والحصار الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي، غادر المندلاوي العراق وتنقل في مناف متعددة بين الأردن وتونس وهولندا وبريطانيا. وفي لندن ساهم في تأسيس تجمع “فنانين ضد القمع”، ورسم للمجلات اللندنية الشهيرة مثل “الجديدة” و”المجلة”، ثم لصحيفة “الشرق الأوسط” الدولية بين عامي 1999 و2003.
بعد عام 2003 عاد إلى بغداد ممتلئا بالطموح، فأسس مشروعا ثقافيا وفنيا باسم “ميديا” لإقامة المعارض والفعاليات، وعمل مستشارا لوزارة الثقافة في إقليم كردستان.
وخلال هذه المسيرة الطويلة حرص المندلاوي على توثيق نتاجه الفني في إصدارات موسوعية، منها كتاب “وجوه المندلاوي” وهو كتاب ضخم يضم 180 بورتريها لشخصيات عالمية وعربية وعراقية، نفذت بتقنيات متنوعة كالألوان المائية وصبغة الغواش وأقلام الرصاص والكولاج والحبر الأسود.
المندلاوي يمتلك أسلوبا لا يشبهه أحد، حيث يمثل اتجاها بخصائص فنية فريدة في طرح الفكرة والأسلوب الفني والتقنية
لديه أيضا كتاب “وجوه” وهو إصداره الأحدث، والذي يعد وثيقة فنية هامة تجسد أجمل حساسية باللون، وتعوض النقص الحاد في المكتبة العربية بمجال فن الكاريكاتير والبورتريه. ويرفض المندلاوي في هذا السياق فكرة إعادة رسم لوحاته القديمة، مؤكدا أن “إعادة رسم اللوحة أمر مستحيل، لأنها شُغلت بتقنيات معينة، وفي وقت ونفسية وإحساس لا يمكن تكرارها”، فضلًا عن وجود ثلاث مخطوطات جديدة له في مراحلها النهائية قبل الطبع تعكس تجارب أكثر عمقًا.
ولا يمتلك المندلاوي طقوسا معقدة للرسم، سوى انحيازه التام لمملكة الليل وسكونه، متدثرا بأنغام الموسيقى أو صوت جارة القمر فيروز الذي رافقه منذ أيام القرية عبر الراديو، حيث يصف صوتها بأنه الندى الذي يتسلل بجرسه العذب ليمتزج بألوانه المائية. ويتأثر المندلاوي بمدارس فنية متنوعة، مستحضرا أعمال البلجيكي فولون، والتشكيلي العراقي الكبير ضياء العزاوي، والأرجنتيني مورديللو.
قاد هذا التفرد الفنان علي المندلاوي إلى منصات التتويج العالمية والمحلية، محققا مكاسب معنوية هامة للحركة التشكيلية العراقية؛ إذ نال الجائزة الأولى في معرض الكاريكاتير العربي الأفريقي بدار الأوبرا المصرية عام 1990، والتقى بدعوة شخصية من رئيس المهرجان عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليتوّج بالجائزة الكبرى -مناصفة مع فنانين عالميين من روسيا والأرجنتين ورومانيا- في الدورة الـ14 للمهرجان الدولي للفكاهة في رومانيا (مسابقة ميهاي أونيسكو) عام 2010، تلاها حصد الجائزة الأولى في مسابقة الفنان الكبير “جورج البهجوري” للبورتريه الكاريكاتيري في مصر عام 2016.
وبفضل هذه المسيرة يبقى المندلاوي، بعضويته في نقابتي الفنانين والصحافيين العراقيين وتمثيله للاتحاد العالمي للكاريكاتير في العراق، قامة تشكيلية استثنائية نجحت في تحويل الخط الساخر إلى فلسفة بصرية تضيء عتمة الواقع، وتغوص خلف ملامح الوجوه لتكشف أسرار الروح البشرية خارج المرايا التقليدية.
وما بين أربيل وبغداد، يواصل الفنان العراقي المغترب علي المندلاوي مكوكياته الفضائية من أجل وضع اللمسات الأخيرة على إصداراته التوثيقية الجديدة، التي ستضم سيرته الفنية وتجاربه في رسوم الأطفال وفن الكاريكاتير، وذكرياته الطويلة، وفق محطاته الإبداعية. وإلى حين إصدارها سننتظرها بأحر من الجمر متمنين له دوام التوفيق والنجاح المتواصل.