عصر فرويد: اعرف نفسك الخفية
"اعرف نفسك "هو قول ينسب إلى سقراط الذي يُحكى أنه استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فبعد أن كانت تبحث فوق، في السماء، جعلها سقراط تبحث تحت، في الأرض، في الإنسان الذي انطوى فيه العالم الأكبر، فمعرفة الإنسان لنفسه وللذات المُدركة طريق إلى المعرفة الصحيحة، لكن فرويد يضيف إلى عبارة سقراط هذه كلمة "الخفية"، وهو يقصد الباطن أو ما أسماه باللاوعي أو اللاشعور.
وهذا ما بحث فيه كتاب "البيت الذي بناه فرويد" للأكاديمي البولندي الأصل الأميركي الموطن جوزيف جاسترو Jastrow Joseph (1863-1944). وقد صدر الكتاب مؤخرا عن دار أقلام عربية للنشر والتوزيع بترجمة فوزي الشتوي ومراجعة أمين مرسي قنديل، بعنوان "الأحلام والجنس نظرياتها عند فرويد"، إذ تتواصل طبعات الكتاب إلى اليوم في نسخته الإنجليزية وطبعات متتالية لترجمات مختلفة إلى لغات العالم، فبعض الكتب لا تفقد راهنيتها ولا يسري عليها ناموس الزمن و حمّى الكتب الأكثر مبيعا التي سرعان ما تُنسى وتتلاشى من رفوف المكتبات.
ثورة معرفية
يقع الكتاب يقع في جزأين من تسعة فصول مع مقدمة للمترجم وتمهيد ومقدمة للمؤلف، ويكفي تدليلا على أهمية الكتاب أنه طبع في إحدى السنوات أربع طبعات متتالية، وكان أحد الكتب الأكثر مبيعا في أميركا، وترجمته إلى اللغة العربية بهذه اللغة العلمية الدقيقة والرصينة والإخراج الفني الجيد تشكل إضافة هامة إلى المكتبة العربية وإلى مكتبة علم النفس، وهي إضافة جادة جدا في سبيل نشر وتكريس الثقافة العلمية وإتاحتها للراغبين من غير المختصين.
ينأى الكتاب عن التعقيد والغموض، ويورد الأمثلة للشرح والبيان، كما يشرح بإسهاب المصطلحات العلمية الدقيقة في علم النفس التحليلي ويضرب الأمثلة، خاصة وعلم النفس له ككل العلوم مصطلحاته ومفاتيحه، مما يجعل من متابعة الكتب والمقالات المختصة لمن لا يعرف هذه المصطلحات ويملك هذه المفاتيح أمرا عسيرا جدا، لكن هذا الكتاب يحاول أن يتقرب من القراء العاديين غير المختصين باسطا حقائق التحليل النفسي ونظريات فرويد بقصد إضاءة دهاليز النفس الإنسانية وعتماتها ورغباتها وميولاتها ومناوراتها وحيلها البارعة في التخفي، وصدق الشاعر القديم إذ قال: "وتحسب أنك جرم صغير/ وفيك انطوى العالم الأكبر".
لقد شهد منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أربع نظريات علمية شكلت زلزالا علميا ومعرفيا غيرت من نظرتنا إلى الكون والإنسان والطبيعة، فداروين نشر بحوثه في النشوء والارتقاء مرجعا أصل الحياة إلى خلية واحدة تطورت عبر ملايين السنين، وماركس نشر نظريته في المادية التاريخية التي ألحت على دور المادة في تشكيل الوعي، وأن الفكر ما هو إلا انعكاس للمادة، وفي مطلع القرن الماضي نشر أينشتاين نظريته في النسبية الخاصة والعامة، وجاءت الاكتشافات المذهلة في عالم الطبيعة كنسبية الحركة ونسبية الزمن وتكافؤ المادة والطاقة والزمن الذي هو البعد الرابع، وتجاوز فكرة الجاذبية التي هي قوة، فلا تعدو أن تكون تشوها أو انحناء في نسيج الزمكان، وغدا تاريخ الفيزياء يؤرخ بـ"قبل وبعد أينشتاين".
وفي مجال علم النفس جاء اكتشاف سيغموند فرويد ( 1856-1939) عن اللاوعي أو اللاشعور، والذي يُشبه عادة باكتشاف كولومبس لأميركا، زلزالا معرفيا غير من نظرة الإنسان إلى نفسه، فإذا كان الجزء الطافي من الجبل الجليدي هو الشعور، فإن الجزء المغمور تحت الماء وهو الأكبر حجما هو اللاشعور أو اللاوعي.
إن اللاوعي هو المتحكم في سلوك الإنسان مذ كان طفلا، وقد قسّم فرويد النفس الإنسانية إلى الأنا (Ego) والأنا الأعلى (Ego Super) والهو (Id) وهو مركز الرغبات والدوافع الجنسية (اللبيدو) أو (اللبيد) في الأساس، وكأن فرويد يقول لاشيء غير الجنس وأن الكبت بسبب الضوابط والموانع الأخلاقية والأعراف الاجتماعية يؤدي إلى الخلل والمرض النفسي أو العصاب.
الفرويدية لا تهدف إلى علاج الأمراض العصابية فحسب، بل إلى فهم الحياة النفسية كلها وإسعاد الفرد وإلى إحداث ثورة اجتماعية بإبعاد مصادر الصراع التي تسبب تعاسته وتنزل به العقد والأمراض العصابية، كما جاء في مقدمة المترجم، وليس غريبا أن يهاجم فرويد وتهاجم نظريته ويشن عليه زملاء المهنة الهجوم تلو الهجوم نقدا وتسفيها، وهذا شأن النظريات العلمية الكبرى، لأنها ثورية زلزالية تهز الأعماق ولا تكتفي بالسطح.
الكتاب رحلة علمية مثيرة في سراديب الوعي واللاوعي وتاريخ التحليل النفسي عرضا ونقدا، قبولا وتأييدا، شكا ورفضا
من الطبيعي أن يرتاح الإنسان لما ألفه وتعود عليه في حياته، ومعارفه فداروين تعرض لنفس المصير، وعاش ماركس طريدا تارة في باريس وتارة أخرى منفيا مشردا في لندن حيث توفي، وحين نشر أينشتاين نظرية النسبية الخاصة أهملها الجميع معتبرين إياها محاولة للصعود الفاشل على أكتاف عظماء أمثال جاليليو ونيوتن، وهكذا شأن كل بحث علمي جاد ينسف المألوف والمتداول ويحاول أن يعدل من نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الطبيعة والكون بناء على ما استجد من كشوف، وماذا يفعل الباحث العالم، هل يتجاهل هذه الحقائق في سبيل المألوف المتداول، أم يخلص للحقيقة ويتحمل الأعباء؟ فليس أمامه إلا مخرج الإخلاص لعلمه وكشوفه.
وقد كان فرويد أحد العلماء الكبار وعظماء التاريخ الذين عانوا الكثير من هجوم الخصوم كما شرح هذا الكتاب في جزئه الأول الممتع من خمسة فصول، مستهلا إياه بتاريخ التحليل النفسي وكيف ظهر، مشبها إياه ببيت بناه فرويد حيث اكتشف الأرض ثم بنى الطابق الأرضي ثم أضاف طابقا آخر وهو تشبيه بديع، ولذا كان عنوانه الأصلي "البيت الذي بناه فرويد" وهنا كان جاسترو موضوعيا شرح عالم اللاوعي كما توصل إليه فرويد وبحوثه العيادية والنظرية معرجا على ألوان العصاب والهستريا ودراسة الأحلام ورموزها في الأحلام وخلفياتها اللاشعورية، والهفوات وفلتات اللسان والنسيان بما أنه آلية لاشعورية.
فنحن، وفق فرويد، لا ننسى بإرادتنا ولا بد من سبب لاشعوري لذلك، ويعرج الكتاب على المدركات التي صقلها كـ التبرير (Rationalization) والتعويض (Compensation) والإسقاط أو القذف ( Projection) والإبدال (Substitution) والإعلاء (Sublimation) والرمزية ( Symbolism)، فالفرويديون يرون أن مجالا فسيحا ينكشف إذا ما اعترفنا باللاشعور ومبادئ التفكير الخيالي والواقعي وبالكشف عن الدوافع الخفية وتقدير البواعث النفسية المتضمنة لشيء من الحتمية.
الفتوحات الفرويدية
كما هو معروف ولد التحليل النفسي في مدينة فيينا على يد بروير (Breuer) زميل فرويد بدراسة حالة الفتاة آنا Anna في الحادية والعشرين من عمرها عندما أصيبت بالشلل في ذراعها وبغشاوة على بصرها وصعوبة في البلع بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأعراض المعقدة المحيرة، وكان جواب فرويد وبروير أن هذه الأعراض نشأت بتأثير مواقف شديدة التوتر العاطفي، مما أدى بفرويد إلى القول بالحتمية واللاشعور والكبت، وقد شفيت آنا بعد ذلك، وكان لاكتشاف التداعي الحر والتركيز على مرحلة الطفولة ودراسة الأحلام للتعرف على مشكلتها النفسية التي أدت بها إلى الوقوع فريسة لهذا المرض ومن ثمة تخلصها لاحقا من مرضها النفسي.
تتالت بعد ذلك الفتوحات الفرويدية وسط معارضة شديدة من قبل الخصوم وصمود إيمان فرويد واعتداده بقيمة اكتشافاته، مبتكرا مفاهيم ومصطلحات جديدة لم يعرفها علم النفس من قبل، وعلى الرغم من انشقاق زميليه يونغ وأدلر إلا أن فرويد واصل اكتشافاته وتنظيراته وشرح مبادئه والدفاع عن قناعاته مما جعل الشخصية الفرويدية تتوجه ناحية منطقة الغرائز والرغبات المكبوتة والدوافع الجنسية في الأساس مما يشكل ضغوطا على الأنا فتلجأ إلى التنفيس بالعلاج الكلامي والاعتراف الديني أو البوح الذي هو شكل من أشكال تنظيف المدخنة وهذا تعبير أحد علماء النفس الفرويديين.
وكان لإلحاح فرويد على صدمات الطفولة ذات الطابع الجنسي والدور الذي تلعبه في الحياة المستقبلية، كما لها دور كبير في فهم الحياة النفسية للإنسان في شقيها الشعوري واللاشعوري في مختلف مراحل عمر الإنسان، ولم يعد الحلم مجرد كوابيس أو أمان مستقبلية بقدر ما هو رغبات مقموعة ومكبوتة برزت في غياب الحارس الليلي الأنا الأعلى، والمحلل النفسي بإمكانه فك الرموز وحل الطلاسم التي تعين على فهم شخصية الحالم ورغباته وهواجسه وميوله ومخاوفه وأمراضه المختلفة ومنها العصاب.
يشير الكاتب إلى نجاحات فرويد وجماهيريته بالرغم من المعارضة ففي 1903 أنشأ حلقة التحليل النفسي، وفي 1908 عقد أول مؤتمر للتحليل النفسي بسالزبرج وفي 1909
الفرويدية كما يرى جاسترو تتألف من أكثر من علاج ومن مبادئ تربوية، إنها محاولة لفهم فلسفة الحياة وتطبيقات التحليل النفسي وكثير منها من صنع عدد كبير من المفكرين الذين لا يمتون بصلة مباشرة إلى علم النفس أو طب أمراضها مما يوضح الأثر الكبير للآراء الفرويدية وفي هذا يقبع الإغراء والتحدي، فالفرويدية تقترح إعادة بناء علم معرفة العقل، ومحاولة السيطرة على التصرفات النفسية وتقييمها بالوسائل العلمية.
نقد فرويد ومفسري الأحلام
في الجزء الثاني شمر جاسترو عن ساعد الجد ناقدا النظرية الفرويدية، فعلى الرغم من إشادته بالنظريات الفرويدية وقيمة إنجازاته وصلاحيتها في فهم وتفسير كثير من الظواهر النفسية والسلوكية للإنسان وفلاحها في علاج كثير من الأمراض النفسية والعصابية، وقد عرج فرويد حتى على تحليل الشخصيات الروائية وأصحابها مستمدا من الثقافة الإغريقية وأساطيرها مسميات لمكتشفاته، ولعل أشهرها "أوديب" و"إلكترا" إلا أن جاسترو شأنه شان أدلر ويونغ يرى في إلحاح فرويد على الدوافع الجنسية مبالغة.
الحضارة التي هي ذات أصل جنسي في معتقد فرويد العلمي أخذت شكلها الحالي نتيجة الإعلاء، وفي مبالغاته في تفسير سبب النسيان والفلتات اللسانية والفعلية إلغاء للجانب الشعوري وحضور الذهن وسط المتغيرات الاجتماعية وفقدان التركيز ما هي إلا نتيجة لصدمات الطفولة، ثم الكبت الجنسي هو إخلال بالعلم ذاته، وكثير من النقد يوجهه جاسترو إلى فرويد إلى حد السخرية من بعض آرائه، ولكن بروح موضوعية وبحرفية علمية عالية.
لا ينسى الكاتب التعريج على هذه العبارة الفرويدية المهمة والملغزة والتي تؤكد في النهاية نسبية العلم وكونه هدما وبناء وحذفا وإثباتا وصيرورة (أما عبارة فرويد التي أضفت علي أكبر قدر من الغبطة فقد احتفظت بها لتكون مسك الختام وهي قوله "ولعل بعضهم يسألني عن مدى اقتناعي بهذه الفروض التي قدمتها هنا وجوابي على هذا أنني أنا نفسي غير مقتنع بها ولا أطلب من الآخرين أن يؤمنوا بها، وبعبارة أفضل أنا لا أعرف مدى إيماني بها ").
الكتاب إذن رحلة علمية في سراديب الوعي واللاوعي وتاريخ التحليل النفسي عرضا ونقدا، قبولا وتأييدا، شكا ورفضا من قبل أستاذ أكاديمي احترف الغوص كذلك في سراديب الذات البشرية، وسيجد الكثيرون ممن يقرأون الكتاب بحرفية وعقل مفتوح وبأناة ورزانة أن بعض مفسري الأحلام أو كثيرا منهم ليسوا سوى تجار وسماسرة، فالحلم في النهاية عندهم ليس سوى فأل حسن، أو نقاهة وعافية، أو زواجا ناجحا أو مكسبا تجاريا، أو ترقية مهنية أو انتصارا على الشانئين والحساد مقابل الجائزة التي يحصدونها في نهاية الحلقة أو الجلسة.
وما أكثر ما حوت كتب تفسير الأحلام وفق قاموس محدد ورموز ثابتة تنطبق على فلان وعلان وزيد وهند، في حين أن لكل حلم فردانيته وارتباطه بصاحبه ورموزه الخاصة التي لا تنطبق على الآخر لارتباطها الوثيق بمراهقته ورغباته ومخاوفه ومكبوتاته وطفولته وصدماتها، وهي تجارة أخرى نشطت اليوم مستفيدة من الطفرة في وسائل الاتصال مثل التجارة الدينية والتجارة الثقافية ويصح أن تسمى تجارة الأحلام.