عبدالفتاح كيليطو.. هذا ما يصنعه سرّاق اللغة
تتجاوز كتب عبدالفتاح كيليطو حدود النقد الأدبي إلى مساءلة عميقة لعلاقة اللغة بالتاريخ والذاكرة والهوية، حيث تتحول القراءة إلى فعل كشف، ويغدو النص فضاءً لتناسل المعاني وتداخل الأصوات. وفي كتابه "سرّاق اللغة" يواصل المفكر المغربي استكشاف أسرار الكتابة، وخرائط التناص، ومصائر اللغة في الثقافة العربية.
تُثير كتابات عبدالفتاح كيليطو أسئلة عميقة وصادمة؛ بعضها يتعلق بالتاريخ واللغة، وبعضها يتعلق بالمعرفة، وما بين الاثنين تتحول تلك الكتابات إلى إجراءات نقدية، وإلى لعبة تخيلات، ورهانات على قوة ما تصنعه، وما تثيره من أسئلة متوالية.
الرجل يرتاب كثيرًا في التاريخ، ويعرف أن التمثيل المعرفي لهذا التاريخ ليس سهلًا؛ لأنه يعني مواجهة كل التراكم الميتافيزيقي، مثلما يعني انشغالًا بتحويل خطاب المعرفة إلى استعمالات تخص الكشف عن المخفي منه، مثلما تخص الكتابة عنه بوصفها تدوينًا، وصناعةً للآخر، وتوسيعًا لمساحات القراءة، حيث وجد نفسه مزحومًا بها، ومطارَدًا من أشباحها، ومن فلاسفتها وثوارها وزنادقتها.
فمنذ أن أصدر كتاب «ابن رشد» بترجمة عبدالكبير الشرقاوي، وهو مشغول باللغة التي تعني تاريخ الأشياء التي «يفكر فيها»، وتمثيلًا لزمن الفلاسفة الذين يحرضونه على صناعة الأسئلة والشكوك، وصولًا إلى كتاب «الأدب والارتياب» الذي وضعه إزاء مفارقة سحر تلك الكتابة، ودهشة ما تركته من وخزات جعلته متيقظًا، مهووسًا بالعالم الذي تصنعه الكتب والحكايات و«الليالي»، ليكتشف من خلالها عوالم جوانية زاخرة بالميثولوجيا، وبالشخصيات التي تمنح التاريخ نصوصًا للقراءة، ووجودًا غامرًا بالسحر والغموض.
كيليطو وهوس التاريخ
في كتابه الجديد «سرّاق اللغة»، بترجمة إسماعيل أزيات، الصادر عن دار المتوسط، إيطاليا، 2026، يكشف كيليطو عن سحر القارئ الذي يختفي خلف الكتابة، يتحرك فيها بوصفه صانع إرث، وأصوات، وحكايات، وأسلاف، وعلى نحو يقلل من مفهوم «براءة النص» ومن إطلاقيته، حيث ينكشف هذا النص على تناصات، أو محفزات، تجعله مدفوعًا إلى البحث عن اللذة عبر الآخر، مسكونًا بحساسية من يجعل القميص الأسطوري أقل تعالقًا بالخطيئة الميتافيزيقية، وبـ«الصورة الطهرانية» التي تجعل صانع النص حريصًا على روح النص، عبر جعله جزءًا من زمن وتاريخ، ومن سلالة ونسب، وعبر ما يجعله قريبًا من فكرة «النحات» الذي يمنح الصخر وجودًا آخر، يخرجه من الطبيعة إلى «المعنى»، ومن الغموض إلى الوضوح.
هذا التحويل هو سر الدهشة، وسر مواجهة تاريخ «السراق النبلاء» الذين يرممون العالم باللغة، اللغة التي تعني الوجود، فتمنح النص/ الأدب حضورًا من خلال إيقاظ المخزون، المخفي والمحذوف، حتى يبدو النص المعاصر وكأنه انكشاف كامل، وتعرية كاملة لتاريخ تلك النصوص، ليس تماهيًا مع مقولة فلوبير: «عوض إبداع عمل جديد، قد يكون أكثر حكمة تبيّن أعمالًا جديدة تتوارى خلف القديمة»، بل بوضع النص إزاء وجود يُعاد تشغيله عبر التاريخ، أو عبر تناصات كثيفة، كالتي طرحها جيرار جينيت في كتابه «طروس»، حيث جعل من التعالق النصي موضوعًا يربط النص بسابقه، وبأن الكتابة، كما يقول، «ليست مجرد وسيلة لنقل الكلمات الصوتية عبر مسافة زمنية ومكانية، فهي موجودة مسبقًا في الإيماء وفي الأثر».
التاريخ والأثر العربي القديم هو ما يشغل اهتمام كيليطو، إذ يجد فيه استنفاره النقدي والتصويري، ولعبة التنافذ بين الطروس، لا سيما في مجال السرديات، عبر صيغ الحكايات والمقامات، وبهذا يجعل من التبادل الحيوي بين الأفكار مجالًا لتحريك النصوص، ولتغذية حمولاتها الفكرية والتصويرية، وعلى نحو تتبدى فيه الفاعلية المؤسسة عبر الخبرة؛ حيث خبرة الناسخ والوراق، وحيث خبرة القارئ الذي يقشّر النص من غلظته، ليجعله صالحًا في مدار القراءة، وفي سياق تداولي له إثارته ولذته وعلائقه مع ذاكرة الطروس.
ما يستحضره كيليطو من الرسائل والسرديات العربية القديمة، ومن مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني، جعله أكثر انحيازًا لتأسيس خطابه السردي على أساس تيسير لعبة «الخرق» والتداخل و«الاقتراض» بوصفها موازيات لفعل التناص، وحتى للامتصاص، بالتوصيف النقدي المعاصر. وبهذا فإن حديثه عن «باب السرقة» في الأجندة النقدية العربية يدخل في مجال سجالي، وربما في شكوك، وفي إسقاطات نفسية، وإكراهات سياسية وأيديولوجية، لا سيما مع «المتنبي وإظهار سرقاته» عند ابن وكيع التنيسي، وعند أبي علي الحاتمي، وكذلك عند أبي سعد العميدي، وعند الصاحب بن عباد، وعند ابن رشيق القيرواني، وعند أبي الحسن الجرجاني.
الشهادات عمدت إلى جمع شعر المتنبي بوصفه عالمًا متعاليًا، له حضوره السياسي والثقافي والأنثروبولوجي، جعل منه كيليطو مجالًا لقراءة التبادل اللغوي بوصفه تمثيلًا للصراع الثقافي، وحتى لـ«الكلامي»، ولحيوية الأثر. فالمتنبي ليس بريئًا، وليس صانعًا للنص الصفري، بقدر ما هو جزء من تاريخ، ومن تراث وأثر، ومن عالم له صلة بسلسلة من التوريدات الثقافية، والصراعات السياسية القبلية، ومن نظام ثقافي يقوم على توظيف الشعر في أجندات السلطة والأيديولوجيا والعصاب، وفي أغراض المدح والذم والهجاء والرثاء والنسيب.
موضوعات التناص والتخادم في مدونات هؤلاء تحولت إلى أثر ثقافي، جعلت من الخصومة والاختلاف مجالًا للحفر النقدي، ولمقاصد القراءة الفاعلة، وعلى نحوٍ يكون فيه حديث «السرقة» محمولًا على الاختلاف الذي يؤشر مرجعيات تلك القراءات، عبر تعالقها بمرجعيات أكثر غورًا، تدفع الناقد المعاصر إلى العودة نحو الأصول، للتعرّف إلى هوية تلك السرقة، وعلى مدى علاقتها بما هو ثقافي، وبما هو سياسي، وباتجاهٍ يُبعد عنها سمة العدوانية، والإكراهات التي تربط هذا الشاعر أو غيره بهذا الحدث السياسي أو ذاك، حتى بدا كتاب كيليطو وكأنه سيرة تتقصد وضع القارئ إزاء بانورامية الزمن الثقافي العربي، وإزاء تمثيل علاقة صراعاته السياسية بتدوين شواغله الثقافية، في الشعر والمقامة، وفي المدونات الأخرى، كما عند الجاحظ والتوحيدي.
اللغة وتشظيها
المتنبي ليس بريئًا، وليس صانعًا للنص الصفري، بقدر ما هو جزء من تاريخ، ومن تراث وأثر، ومن عالم متشابك
في حديثه عن «الازدواج اللغوي» يذهب كيليطو إلى تسليط الضوء على إشكالية ثقافية، لا يعاني منها المغرب العربي فقط، بل مجتمعات أخرى أيضًا، كالعراق ومصر، وفي بيئة الخليج العربي، حيث الأدب الفصيح/ أدب اللغة/ أدب المؤسسة، كما يسميه كيليطو، وحيث لغة العامة/ النبع، كما يسميها أيضًا.
وبهذا فإن التناشز سيكون واقعًا بين مستويين، من الصعب وجود الاعتراف بينهما، رغم أنهما يدخلان في صناعة «الوعي» و«الرأي»، وربما الذهاب بهما إلى جدل ثقافي أثاره الشاعران يوسف الخال وسعيد عقل، بغاية تمثيل «لغة وسطى» للتلقي، وتقويض هيمنة البلاغة التي بدت أكثر اغترابًا في عالم القواميس والمعاجم، غليظةً في قسريتها، ورمليةً في عزلتها، وبعيدةً عن المدينة الناعمة، وعن تداولياتها السريعة.
حديث اللغة عند كيليطو حديثٌ معقد، فبقدر ارتباطه بالوجود، كما يرى هيدغر، فإنه يرتبط بالهوية والكينونة، وبالجغرافيا، وبالحمولات التي تجعل من اللغة أداةً للتفاهم والمساءلة وإثبات الذات في المكان، بقدر ما هي أداة التفكير والوجود، والقوة التي تصنع الوعي عبر المعرفة، وعبر السلطة، لا سيما السلطة الرمزية، حيث يعنى كيليطو بـ«المدرسة»، وبمدى تأثيرها في تمثيل الوجود، وفي التعرّف على الأشياء، وحتى في «تدجين الحس اللغوي» عبر الحكي والدرس، وعبر الإنشاء، وعبر التقاليد ومناهج الدرس والتعليم التي تضعها المؤسسات أدواتٍ للضبط، وفي صناعة «البيئة الوطنية»، وفي الخضوع للتقاليد الصارمة التي تصنعها تلك المؤسسات لأغراض سياسية وأيديولوجية واجتماعية.
من هنا أجد أن اشتغالات كيليطو في المجال النقدي ليست بعيدة عن مقاربة العالم، حيث الانفتاح على فضاءات الثقافة، في مجالها الاجتماعي والنفسي والسيميائي، وفي الخفة التي تمور بها وهي تتقصد الإيضاح، أو التورية، أو المبالغة، أو السخرية، وعلى نحوٍ يبدو فيه التشظي اللغوي حاضرًا بوصفه هروبًا من الضبط، ومن المراقبة، ومن محنة الهوية التي تتحول فيها اللغة إلى «شرطي سير».
التمتع بلعبة «السرقة اللغوية» يبدو نقيضًا للمراقبة، فاللص يعيش شهوته عبر الاستيلاء والهروب، وعبر معرفة أسرار البيت، وممراته السرية، وبما يجعل دخوله يمر عبر حيازة «المخيال اللغوي»، أو المخيال السردي، أو عبر لعبة الشطار والعيارين الذين يمارسون الوجود، وتمثيل الصراع الاجتماعي والثقافي والطبقي عبر الحيل النسقية، بتوصيف النقاد الثقافيين، حيث تكون الجملة الثقافية جملة إخفاء نسقي، لكنها مسكونة بأرواح الآخرين، حيث يكون فيها النص قابلًا للتأويل والتداول، والتمثيل والتشهي، بوصفه مسكونًا بأصوات وحكايات، وبلذائذ المخفي والمتواري خلف الجسد الاجتماعي، والجسد التاريخي، وحتى الجسد الديني، وعلى نحوٍ يكون هذا الجسد متوترًا، مشحونًا بما يتساقط من اللغة وهي ترتحل في التاريخ عبر التداول، وعبر نقض الغرابة والغموض عنها، إذ ستكون جزءًا من ذلك التاريخ، ومن تحولاته، ومن قلق الوعي به، وبحركة تمثيله للوجود في المكان/ المدينة، وفي النص/ الخطاب، وفي الزمن/ الأسفار التي حمّلها «الآباء» علاماتٍ للمعنى، وأسئلةً للغياب الذي يأتي عبر القراءة، أو عبر الحرب والغزو والمهجر.