عبدالحميد لرقش: المؤرخ ليس مجرد بائع آثار، إنه حارس المعبد

الفكر العربي الإسلامي الكلاسيكي مورد حي لتخيل مستقبل بديل.
الاثنين 2025/12/01
أحلم بتأسيس علم آثار لذاكرة المهزومين

تحتاج الشعوب إلى المؤرخين تماما مثل حاجتها للسّاسة والأطباء والمدرسين وغيرهم من أعمدة كل دولة، والمؤرخ ليس مجرد موثق للتاريخ، بل هو قارئ له مبتكر لقوانين حركته وبالتالي لا استشراف دون مؤرخين، هذا ما علّمنا إياه منذ ستة قرون ابن خلدون، ويواصل تبني هذه الفكرة الأكاديمي التونسي المختص في التاريخ عبدالحميد لرقش، الذي كان لـ”العرب” معه هذا الحوار.

تتركز أبحاث عبدالحميد لرقش في المقام الأول على تاريخ الأقليات والحركات الاجتماعية في تونس ومنطقة البحر الأبيض المتوسط ​​خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

تحت إشرافه، تم تنظيم يوم علمي يوم الخامس والعشرين من مايو 2024 تحت عنوان: “مقدمة ابن خلدون عمل كوني”، وهو كناب قيد الطبع.

أدوار المؤرّخ

تهميش الرواد العرب ليس عرضيا، إنه يكشف عن توتر هيكلي بين الفكر النقدي والسلطات الدينية والسياسية والاجتماعية

يتمتع ابن خلدون (1332 – 1406) بشهرة عالمية. وحول هذه الندوة الجديدة والمعايير التي استُخدمت لاختيار المشاركين والنصوص المختارة للنشر، يقول عبدالحميد لرقش “لم تقتصر هذه الندوة على الاحتفاء بشخصية عبقرية من الماضي، مع أن جانب التراث مهمٌ بلا شك. بل تسعى أيضًا إلى إعادة تفعيل منهجه لتسليط الضوء على معضلات عصرنا. من خلال إظهار كيف يمكن للمقدمة أن تساعدنا على التفكير؛ فقد تساءل مفكرو كل عصر مع ابن خلدون عن معضلات عصرهم ومشاكله: نهاية النمو اللانهائي، الأشكال الجديدة للتضامن الاجتماعي، تحولات العنف السياسي، التحديات البيئية.”

ويضيف “تتجاوز هذه المبادرة المجال الأكاديمي لتصبح فعلًا حضاريا. تُذكرنا بأن الفكر العربي الإسلامي الكلاسيكي، بعيدًا عن كونه قطعة متحفية، يُشكلُ موردًا حيًا لتخيل مستقبل بديل. وفي نهاية المطاف، فإن عالمية المنهج الخلدوني -تركيزه على السببية، ورؤيته العضوية للمجتمعات، ورفضه للتعصب- هي التي تبررُ هذا اللقاء الجديد وتجعله ذا أهمية بالغة اليوم.”

في مقدمته لهذا العمل المشترك، كتب لرقش “إن اختياره الواعي لابتكار مجال علمي جديد مكنه من التميز عن المؤرخين والفقهاء، الذين لم يكن خبيرًا كبيرًا في مجالهم. وفي هذا السياق أيضًا، يجبُ أن ننظر في مشاكله مع الإمام ابن عرفة، الذي طرده في النهاية من تونس حوالي عام 1382.” تسأله “العرب” هل يمكننا اعتبار أن مصير المثقفين التونسيين يتسمُ بعدم الفهم والنفي والموت المبكر، كما هو الحال مع الشاعر أبي القاسم الشابي أو المصلح الطاهر الحداد؟

يجيبنا “ما تصفه، للأسف، ليس استثناءً، بل يكاد يكون القاعدة في التاريخ الفكري لمنطقتنا. ففي القرن التاسع أُحرقت بعض كتب الفيلسوف الكندي -الذي يُعتبرُ أول فلاسفة العرب- في عهد العباسيين، بتهمة العقلانية المفرطة. لاحقًا، نُفِيَ ابن رشد وحُرمت أعماله لدفاعه عن التوافق بين الإيمان والعقل. يتحدثُ ابن خلدون نفسه، في ‘المقدمة’، عن عُزْلَةِ العَالِم المُبتكرِ، فهو يطرحُ مسألة عزلته في عالم استجابت فيه جميع العلوم لحاجة اجتماعية تحكمها التقاليد.”

ويضيف “في القرن العشرين، أقصي الطاهر الحداد بسبب دفاعه عن حقوق المرأة والعمال. هذا التهميش للرواد ليس عرضيا: إنه يكشف عن توتر هيكلي بين الفكر النقدي والسلطات الدينية والسياسية والاجتماعية. ولكنه أيضًا علامة على حيوية فكرية تَرْفُضُ التقليد. هذه الشخصيات، على الرغم من نفيها أو خضوعها للرقابة، تُجسدُ في النهاية مستقبل الأجيال القادمة.”

لا تزال دراسة التاريخ، بصفته علما من العلوم الإنسانية، تُثيرُ اهتمام الدارسين الشبان. ولكن هل يُمكننا الحديث عن انفصال بين العالم الأكاديمي والمجتمع؟ ما جدوى التاريخ والمؤرخين؟ تسأل “العرب” لرقش ليجيبنا “هذا الانفصال حقيقي، وهو مأساوي. ومع ذلك، فمنذ العصور الوسطى، شدد مفكرون مثل الفارابي وابن خلدون على الدور الاجتماعي للعالم. بالنسبة إلى الفارابي، يجب أن يكون الفيلسوف أيضًا ‘مُشرعًا’، رائدا في المدينة.”

ويتابع “في ‘المقدمة’ يُعرفُ ابن خلدون التاريخ بأنه علم ‘يتجاوز الوقائع ليضع الأحداث في إطار شامل وعقلاني.’ ليس المؤرخ مجرد بائع آثار؛ بل هو حارس للمعبد. تتمثل مهمته في الكشف، خلف ستار فوضى الأحداث الظاهرة، عن البنى العميقة، والدورات، وآليات السلطة، وهذا ما عبر عنه ابن خلدون بمصطلح ‘العمران’: فالحضارة ثمرة الفعل الإنساني. واليوم، في مواجهة التلاعب بالذاكرة والشعبوية، أصبحت هذه الوظيفة النقدية ضرورية أكثر من أي وقت مضى.”

على خطى ابن خلدون

الكندي نادى بأنه يجب ألا نخجل من قبول الحقيقة، أيا كان مصدرها، إنه فكر نقدي كوني، متجذر في أخلاقيات التحرر

يكتب ديونيس ماسكولو، الذي كان قريبا جدا من مارغريت دوراس وروبرت أنتيلم وإدغار موران، “إن اليساريين في الواقع -ويمكن القول إنهم يساريون- أناس ليس لديهم أي شيء مشترك: لا ذوق، ولا شعور، ولا فكرة، ولا طلب، ولا رفض، ولا انجذاب أو نفور، ولا عادة أو تحيز… إنهم، مع ذلك يشتركون، في كونهم يساريين، دون أدنى شك، ودون أن يكون لديهم أي شيء مشترك.”

ويضيف ماسكولو “يشكو البعض أحيانا من أن اليسار ‘ممزق’. من طبيعة اليسار أن يكون ممزقا. ولكن هذا ليس صحيحا على الإطلاق بالنسبة إلى اليمين، على الرغم مما قد يوحي به المنطق الساذج للغاية. إن اليمين مصنوع من القبول، وإن القبول هو دائما قبول لما هو موجود، ولطبيعة الأشياء، في حين أن اليسار مصنوع من الرفض، وإن أي رفض، حسب تعريفه، يفتقر إلى هذا الأساس العجيب الذي لا يمكن تعويضه (والذي قد يبدو معجزة حتى في نظر نوع معين من البشر، المفكر، بشرط أن يكون محظوظا بالتعب): البداهة والثبات في ما هو ذاته.“

ويعلّق عبدالحميد لرقش “أجدُ نفسي في فكرة الرفض هذه، رفض الظلم والهيمنة والاستسلام. لكنني أُغذيها بتراثنا الفلسفي. على سبيل المثال، دافع ابن رشد عن فكرة أن الحقيقة لا يمكن أن تُناقض الحقيقة، سواء كانت من وحي أم عقل. وقد أدى هذا الموقف إلى نفيه. وبالمثل، يُحللُ ابن خلدون عنف الدولة ليس كحادثة تاريخية، بل كبُعدٍ مُؤسِسٍ للسياسة، عنف تجبُ السيطرة عليه، وتوجيهه نحو الصالح العام.”

ويتابع “أن تنتمي إلى اليسار، بهذه الفكر، يعني رفض أي مصادرة للعقل وأي استغلال للمقدس. إنه يعني الإيمان، مثل الكندي، بأنه ‘يجب ألا نخجل من قبول الحقيقة، أيا كان مصدرها.’ إنه فكر نقدي كوني، متجذر في أخلاقيات التحرر.”

لقد ازداد العالم ظلامًا منذ السابع من أكتوبر 2023. يبدو أن ما يُسمى بالعالم “المتحضر” يغرق في الهمجية والظلم، لأن من يدعم أوكرانيا ضد فلاديمير بوتين يدعم بنيامين نتنياهو ضد فلسطين ولبنان وإيران واليمن. وراء ازدواجية المعايير ثمة مشكلة سياسية وأخلاقية حقيقية. تسأل “العرب” لرقش كيف يعيش المؤرخ هذا الواقع الحارق؟ ما هي الأدوات التي نملكها للتعامل معه؟

يقول “لا يُمكنُ للمؤرخ أن يصمت في وجه الظلم. لكن قوته تكمن في ‘استخراج الحاضر من آنيته.’ يُقدمُ لنا ابن خلدون رؤى قيمة: نظريته في دورات السلالات، وتحليله للعصبية (التماسك الاجتماعي)، وتمييزه بين البداوة (حياة الريف القاسية) والحضارة (الحضارة الحضرية)، تُساعدنا على فهم ديناميكيات القوة والمقاومة والانحدار.”

المؤرخ التونسي عبدالحميد لرقش يؤكد أنه لا يُمكنُ للمؤرخ أن يصمت في وجه الظلم. لكن قوته تكمن في ‘استخراج الحاضر من آنيته

ويضيف “عندما أرى ما يحدث في فلسطين، أتذكرُ قول ابن خلدون: ‘العنف متأصل في الدولة، لكن غايته اللاواعية هي ازدهار الثقافة.’ عندما تُنكرُ السلطة هذه الغاية، تُصبحُ افتراسا محضا. لذا، فإن أداة المؤرخ هي ‘وضع الأحداث في سياقها،’ أي رفض الروايات التبسيطية، والعودة إلى المصادر، بما فيها تلك التي تُفضلُ القوى المهيمنة نسيانها.”

نسأل أستاذ التاريخ التونسي لو خُير أن يبدأ من جديد، ما هي الخيارات التي سيتخذها؟ لو خُير أن يتجسد أو يتقمص في صورة كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيُها سيكون في كل مرة؟ وأخيرًا، لو طُلبت منه ترجمة نص واحد له فقط أو لغيره إلى لغات أخرى، إلى العربية مثلاً، فأيُ نص سيختار ولماذا؟

يجيبنا لرقش “لو خُيرتُ أن أبدأ من جديد، لاخترتُ بإصرارٍ أكبر مسار المعرفة الملتزمة، ليس فقط طريق المكتبات، بل ذاك الذي يخرج إلى الشارع ليلتقي بالناس العاديين. أود أن أجمع بين صرامة المؤرخ والتزام المواطن، على غرار ابن طفيل، الذي كانت روايته ‘حي بن يقظان’ أكثر من مجرد حكاية فلسفية: هي في الحقيقة دعوةٌ لاستقلالية العقل، وكذلك لتجربة العالم مباشرةً.”

ويضيف “لو كنتُ كلمة، سأختار ‘الحكمة’، نعم، ولكن ليس هذا وحسب. في تراثنا، ‘الحكمة’ هي أيضًا فن ربط المعرفة بالعمل، والمعرفة بالعدالة. هذا ما نفتقده بشدة اليوم: علماء حكماء أيضا.”

ويواصل “لو كنتُ شجرة، لوددتُ أن أكون نخلة. إنها ليست مجرد شجرة، إنها حضارة. تُجسدُ الصمود والكرم والثبات. تزدهر في الأراضي القاحلة، مُقدمةً الطعام والظل والبرودة. أحبها، وأود أن أتجذر في تربة التاريخ واللغة، وأُثمرُ ثمارًا تتجاوزُ الحدود. لو كنتُ حيوانا، لوددتُ أن أكون صقرا، ليس فقط لبصره الحاد، بل لمساره أيضًا: يُحلق عاليًا، يُراقب من بعيد، لكنه ينقض على فريسته بدقة لا هوادة فيها. إنه استعارة لعمل المؤرخ: اكتساب منظور لفهم أفضل، ثم النزول للمسك بالحقيقة.”

ويختم حديثه لـ”العرب”: “إذا تُرجم نص واحد فقط من نصوصي، فسأتمسكُ باختياري: ‘ظلال المدينة: الفقراء والمهمشون والأقليات في تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر’. وذلك لأنه أكثر كتاباتي تأثرًا بفكر ابن خلدون. هذا ليس مجرد تاريخ اجتماعي، إنه علم آثار لذاكرة المهزومين. كما فعل ابن خلدون مع السلالات، أردتُ أن أكشف، خلف الرواية الرسمية، القوانين الخفية التي تحكم حياة الناس العاديين وبقاءهم. هذا الكتاب تحيةٌ لكل من نسيهم التاريخ، ولكن لولاهم لما قامت أي حضارة.”

يذكر أن عبدالحميد لرقش أستاذ فوق الرتبة في التاريخ والتراث بجامعة منوبة. وهو مستشار في شؤون التراث، وعضو سابق في لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو. له العديد من المؤلفات أبرزها: “المغرب الحديث من خلال مصادره: الدراسات والوثائق” (مؤلف مشترك، تونس، مركز النشر الجامعي، 2006)؛ “ظلمات المدينة: الفقراء والمهمشون والأقليات في تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر” (تونس، مركز النشر الجامعي، 1999)؛ “إلغاء العبودية في تونس عبر الأرشيف، 1841 – 1846″ (تونس، منشورات أليف، 1990)، و”هامشيون في أرض الإسلام” (تونس، سيريس، 1992).

8