"ظلال التيتانيك/ حكاية متري" مرثية للمدينة والإنسان المعاصر

محمد الحجيري يسافر من زمن الحقول القديمة إلى زمن الأسواق الحديثة.
الجمعة 2026/06/05
مرثية للمدينة التي تفقد بريقها (لوحة للفنانة فاطمة ضيا)

بعض الروايات تحول الأماكن من مسرح لأحداثها إلى عنصر مشكل لهذه الأحداث، وهذا ما انتهجته  "ظلال التيتانيك/ حكاية متري" لمحمد الحجيري، وفيها يضع بيروت في قلب الحركة الدرامية بكل تقلباتها وتفرعاتها.

يتمتع الكاتب اللبناني محمد الحجيري بحسٍّ روائيّ مُغاير، إذْ يلتقط التفاصيل الدقيقة من الحياة اليومية ويحوّلها إلى مشاهد تنبض بالمعنى والدهشة؛ يعتمد في أسلوبه على تصوير العوالم الداخلية للشخصيات وعلى تفكيك العلاقات بين الذاكرة والرغبة والواقع. تمتاز لغته بنَفَس شِعريّ يتنقل بين التأمل والسخرية، وبين الجرح والحنين، فيجعل النصوص أقرب إلى مرآة تعكس صورة لبنان في تحوّلاته الاجتماعية والثقافية.

تقدّم روايته الجديدة “ظلال التيتانيك/ حكاية متري”، الصادرة عن دار نلسن في بيروت (2025)، تجربة روائية مشبعة بالأسئلة الوجودية، حيث يضع الكاتب الإنسان في مواجهة ذاته، والرغبة في مواجهة الذاكرة، وبيروت في مواجهة مصيرها المتقلّب.

العنوان نفسه يكشف البنية العميقة للنص، فـ”ظلال التيتانيك” تشير إلى الغرق البشري، إلى السفينة التي تحمل رمزية الغرور والخذلان، أما “حكاية متري” فتُبرز البعد الفردي الذي يتماهى مع البعد الجمعي، كأنّ مصير هذا الرجل انعكاس لتاريخ مدينة تمضي نحو الهاوية ثم تحاول النجاة من رمادها.

البنية النفسية

تستعيد الرواية بيروت في تحولاتها الأولى، من زمن الحقول القديمة إلى زمن الأسواق الحديثة، إذ يبدأ متري رحلته داخل سوق الصاغة غرب ساحة البرج، السوق التي شُيّدت عام 1886 على أرض مزروعة بالتوت. المشهد يوحي ببداية تبدّل المدينة، وبداية تبدّل الرجل معها. السوق في الرواية ليست فضاءً جغرافياً فحسب، إنما صورة لعالم اجتماعي متشابك تحكمه الرغبة والمال والعلاقات المتقلبة. هناك يلتقي متري فتاة من آل سمراني، في لحظة عابرة تُشبه القدر، فينقاد إلى زواج لم يفكر فيه، كما لو أنّ المكان نفسه قرّر عنه. المكان في السرد يعمل كمحرّض على التحوّل، ومن خلاله يتشكل وعي الشخصية تجاه الزمن والمجتمع والذات.

الرواية في جوهرها رحلة نحو الداخل، حيث يتصارع الإنسان مع ماضيه، ويحاول أن يطفو فوق مياه الذاكرة الثقيلة
الرواية في جوهرها رحلة نحو الداخل، حيث يتصارع الإنسان مع ماضيه، ويحاول أن يطفو فوق مياه الذاكرة الثقيلة

شخصية متري في الرواية نموذج للرجل الممزق بين رغبته في الحب وحاجته إلى الطهر الاجتماعي، يرسمه الكاتب بعمق نفسيّ يجعله أكثر من مجرد بطل حكائي، إذ يتحول إلى صورة للإنسان المقهور بتناقضاته. في السابعة والعشرين من عمره، يحمل متري ذاكرة الطفولة وشهوانية الرجولة وخوف الشيخوخة في آن واحد. يعيش تجربة الزواج كمن يدخل نفقاً مظلماً باحثاً عن الضوء، فيكتشف أنّ الجسد الذي أغواه تحوّل إلى عبء روحي، وأنّ الرغبة التي دفعته نحو الزواج تحولت إلى لعنة تستنزف روحه.

 يكتب الحجيري: “يضع متري يده على جبينه، يغمض عينيه، ينبض قلبه بسرعة، تتشنّج معدته، ترتجف يده، يضيع في الاتجاهات، صورة المسيح في رأسه، هل ينقذه؟ يفكر كيف وقع في هذا المستنقع، يسأل في وجدانه، ما الذي أجبره على الزواج؟ أهو غضب الوالدين، أم إغواء الأبالسة، أم لعنة المدينة والوحدة بين أربعة جدران؟”.

يكثّف هذا المقطع البنية النفسية للرواية، ويكشف كيف يستخدم الكاتب اللغة كأداة تشريح روحيّ، تتجاوز الوصف إلى تحليل الشعور ذاته. الإيقاع الداخلي للجمل، تكرار الأفعال، وارتباك الإيقاع، كلّها تشكّل مشهداً درامياً يعبّر عن انفجار الذات من الداخل.

المرأة مرآة للغواية

تحتل شخصية بنت السمراني مركزاً مهماً في الرواية، فهي تمثل الوجه الآخر لمتري، نقيضه ومكملُه في الوقت نفسه. امرأة تعرف جسدها وتستخدم أنوثتها كوسيلة للتفاوض مع مصيرها، تمتلك وعياً عميقاً بعالمها، فتسعى للانتقال من الرغبة إلى الاستقرار، ومن الخوف إلى السيطرة.

 غير أنّ حضورها يتحول إلى لعنة بالنسبة إلى متري، لأنها توقظه على هشاشته وعلى الفجوة بين صورته عن نفسه وما يعيشه فعلاً. فالعلاقة بينهما تفضح تناقضات المجتمع، بين المفهوم المثالي للزواج والرغبة الحقيقية في التملك، ومن خلال هذه العلاقة يضيء الكاتب على طبيعة الذكورة المهزومة، حيث يتحول الشك إلى مرض دائم، والرغبة في الطهارة إلى هوس.

يقوم أسلوب الرواية على لغة كثيفة تتأرجح بين السرد الواقعي والتحليل النفسي؛ الجسد حاضر في كل فقرة بوصفه ساحة للمعنى ومصدراً للذاكرة، حيثُ يستخدم الكاتب المفردة الجسدية كمدخل لفهم الروح، فيجعل الحركة والفعل واللمس والإيماءة علامات على ما يعتمل في الداخل، بينما تتحرك اللغة مثل موج البحر، تتصاعد حين يشتد التوتر، وتهدأ حين يستغرق البطل في تأملاته. هذا الأسلوب يمنح الرواية بعداً سينمائياً واضحاً، إذ يشعر القارئ أن الكاميرا تتنقل بين المشاعر ببطء مدروس، تكشف ما تخفيه الشخصيات من قلق وحنين وغيرة.

يتجاوز العنف في الرواية المعنى الجسدي إلى المستوى الرمزي والنفسي، فكلّ لحظة في حياة متري تحمل أثراً للعنف: نظرة الجارة التي تخبره عن زائر غامض، صمته أمام الخيانة، انفعاله أمام صورة ابنه، وحديثه مع ابن خالة زوجته في المقهى.

تُظهر الرواية كيف يتحول الإنسان العادي إلى كائن مأزوم بفعل تراكم الخيبات؛ العنف هنا ليس نتيجة غضب، بل انعكاس لعمق الجرح، فمتري يختنق ببطء تحت ثقل ذكرياته، مثل غريق التيتانيك الذي يصارع الماء البارد، دون أن يصرخ، لأنه يدرك أن الصرخة لن تُنقذ أحداً.

رمزية الغرق وظلال التيتانيك

يضفي اختيار التيتانيك كمرجعية رمزية على النص طابعاً أسطورياً؛ السفينة تمثل الغرور الإنساني، والظلال تشير إلى ما تبقى من الحلم بعد الغرق. متري يعيش في ظلال حياته، كما عاش ركاب السفينة في ظلال أوهامهم عن النجاة.

بيروت في الرواية تشبه التيتانيك أيضاً، مدينة جميلة ومغرية، لكنها تمضي نحو مصيرها دون توقف. الغرق هنا حالة روحية، فكل شخصية في الرواية تغرق في وهمها، وكلّ ذاكرة تحمل ماءً يثقلها أكثر. من خلال هذا الرمز يصوغ الكاتب فلسفة إنسانية حول الفقدان المستمر، حيث الغرق يصبح طريقاً إلى الإدراك، وحيث النجاة ليست سوى شكل آخر من الغياب.

المكان في السرد يعمل كمحرّض على التحوّل، ومن خلاله يتشكل وعي الشخصية تجاه الزمن والمجتمع والذات

من جهةٍ أخرى، تربط الرواية مصير متري بمصير بيروت نفسها، فكلاهما يعيش التناقض ذاته بين الرغبة في الحياة والإحساس بالانهيار. المدينة في النص ليست مجرد مسرح للأحداث، وإنما كائن يتنفس مع الشخصيات. الشوارع، المقاهي، سوق الصاغة، كلها تتحدث بلغتها الخاصة، وتتحرك مع تغيّر الحالة النفسية للبطل، وكل زاوية في بيروت تحمل ذاكرة حب أو خيانة أو انتظار.

من خلال هذا الارتباط بين الإنسان والمكان، تتحول الرواية إلى مرثية للمدينة التي تفقد بريقها مع فقدان البراءة، وإلى تأمل في معنى الانتماء وسط العطب الجماعي.

زمن السرد وتحوّل الوعي

تقوم البنية الزمنية في الرواية على تداخل الماضي بالحاضر، حيثُ تتداخل الأحداث مثل موجات تتقاطع في بحر واحد، دون أن تسير على شكل خط مستقيم. هذا التداخل يمنح الرواية عمقاً نفسياً، إذ تتكرر المشاعر في أزمنة مختلفة كما تتكرر الظلال على سطح الماء.

 الزمن بالنسبة إلى متري ذاكرة متكسّرة، تُعيد صياغة الحاضر باستمرار. وفي النهاية، يصبح العمر كله لحظة تأمل واحدة، لحظة وعي متأخر بأن الغرق كان قد بدأ منذ البداية، منذ تلك اللمسة الأولى في سوق الصاغة، حين قرّر أن يرتدي المحبس الذهبي دون سبب واضح.

تقدّم “ظلال التيتانيك/ حكاية متري” نصاً روائياً مشبعاً بالتأمل في مصير الإنسان أمام الحب والمدينة والزمن، إذْ يتجاوز النصّ الحكاية إلى تحليل الحالة البشرية حين تُحاصرها الرغبة والندم والخوف من الوحدة.

يكتب محمد الحجيري عن رجل واحد، لكنه في الحقيقة يكتب عن جيل كامل، عن مدينة بأكملها تبحث عن نجاة غير ممكنة، يجمع أسلوبه بين الشِعرية والدقة، بين السرد النفسي والرمزية الاجتماعية، فينتج نصاً يقرأ الوجدان اللبناني من زاوية داخلية حميمة، حيثُ كل فقرة في الرواية تفتح جرحاً وتضيء ذاكرة، وكل تفصيل فيها يترك أثراً طويل المدى في ذهن القارئ.

الرواية في جوهرها رحلة نحو الداخل، حيث يتصارع الإنسان مع ماضيه، ويحاول أن يطفو فوق مياه الذاكرة الثقيلة، ويبدو متري مثل ظلّ التيتانيك، يعيش في عمق الغرق، يحركه حنين لا يخمد، ويظلّ صوته يتردّد كصدى بعيد في مياه بيروت التي تعرف كل شيء وتخفي كل شيء.

8