"صوت الروح" رحلة صوفية بين دمشق وبغداد تخوضها الشاعرة عبير طُليبه

الشاعرة السورية تصف كتابتها بأنها محاولة لوضع "صوت روحها كسجين في سطور ورقية" لكي لا يتسلل أو يضيع.
الثلاثاء 2026/02/24
محاولة لتحرير روحي على الورق

عن دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا صدرت ثلاثية شعرية للشاعرة السورية عبير طُليبه، تحت عناوين “حروف من خيطان” و”سهام الوصل” و”انكسار الشمس”، وهي تجربة أدبية، كما تصفها الشاعرة بأنها “رواية شعرية”. وتؤكد أن ديوانها الثلاثي ليس مجرد “كلمات منثورة” أو “مجموعة قصائد”، بل هو “بوح صامت” وجرح مفتوح يعبر عن مشاعر عميقة قد تبدو ميتة في ظاهرها.

تنظر الشاعرة إلى الكلمات كوسيلة لحمل الألم، معتبرة أن الجروح تقدم “لغة أصدق” من العبارات التقليدية التي قد تنكسر كزجاج النوافذ القديمة عند محاولة حصر تجارب العمر فيها. كما تصف ديوانها بأنه رحلة إلى مكان سري يقع بين التحليق والسقوط، وبين الحياة والموت، حيث تتحول الحالة الشعورية إلى نوع من “التوحد الروحي” الذي يسكن الذات.

ويستعرض الديوان أصواتا متعددة، منها صوت الجسد وهو يتحول إلى قصيدة، وصوت الزمن الذي يعيد ترتيب الذكريات، وصوت الفراغ الذي يدرك فيه الإنسان أن ممتلكاته كانت مجرد كلمات.

◄ عبير طُليبة تنظر إلى الكلمات كوسيلة لحمل الألم، معتبرة أن الجروح تقدم “لغة أصدق” من العبارات التقليدية التي قد تنكسر كزجاج النوافذ القديمة عند محاولة حصر تجارب العمر فيها

وتتناول قصائد طليبه مشاعر الشوق والقبلات والأحضان، وتلمح إلى “نبيذ العشق الممنوع” والمحرمات، في مزيج من السكينة والألم.

وتستذكر المكان، حيث تبرز في المقدمة ملامح من رحلة الكتابة، حيث تشير الشاعرة إلى بدايات كتابة أشعارها في غرفة بدبي على طريق الشيخ زايد، مستخدمةً تفاصيل المكان (الستائر، الألوان، النوافذ) كخلفية لحالتها النفسية.

تستخدم الشاعرة صورا بيانية كثيفة، مثل تشبيه علاقتها بالشعر بالعلاقة بين “الجراح والمشرط”، ووصف كلماتها بأنها “كلمات حافية” تتراقص على حافة الوجود.

وتدعو الشاعرة القارئ إلى التعامل مع السطور بحذر وهدوء، وكأنه يشتم “عبق ياسمينة بريئة”، وتطلب منه “خلع نعليه” قبل الدخول إلى أعماقها لتجنب خدش عذوبة صفحات قلبها.

وصرحت طليبه بأن الجزء الأول من الديوان أُخرج بناءً على معايير خاصة تهدف إلى “التنوع الفكري والتغيير في هيئة الديوان الشعري” التقليدية.

ويُعد ديوان “حروف من خيطان” دعوة صريحة من عبير طليبه لمشاركة نبضها وأحاسيسها الخفية، مقدمةً عملاً يمزج بين السيرة الذاتية الوجدانية وبين الشعر الرمزي.

أما “سهام الوصل”، الإصدار الثاني للشاعرة عبير طليبه، فإنه يمثل امتدادا لتجربتها الأدبية التي تمزج فيها بين الشعر والسرد تحت مسمى “رواية شعرية”.

تصف الشاعرة هذا العمل بأنه ليس مجرد كتاب، بل هو جزء من روحها صاغته على هيئة “سهام ناعمة” تسجل فيها أوجاعها ومشاعرها التي قد يراها البعض خيالا. فهي تبني نمط “الرواية الشعرية”، حيث تتداخل المشاعر الوجدانية مع مسار سردي يعبر عن رابطة لا تفسر بالمنطق، بل تُحس بالوجدان.

ففي قدسية العشق تفتتح الشاعرة مقدمتها بدعوة القارئ إلى “خلع نعليه” في حضرة العشق النقي، معتبرة أن أبواب الهوى لا يدرك قيمتها إلا “التقي”.

أما “سهام الوصل” فتتناول مفارقة الألم الناتج عن الحب؛ فبينما يحمل العنوان اسم “الوصل”، تتحدث القصائد عن قسوة السهام التي تأتي باسم هذا الوصل ومرارة الصمت الذي يقتل النبض.

وفي الحب كخطيئة وفضيلة تطرح الشاعرة رؤية فلسفية للحب والذنب، حيث تعتبر أن القلب عندما يذنب بحب حقيقي، فإن ذنبه يتحول إلى “فضيلة لا خطيئة”. وفي ما يتعلق بعلاقة الروح والوقت، تستخدم طليبه صورا رمزية لوصف حالة الانتظار والقرب، مشبهةً صوت روحها بجرس الكنيسة، وساعتها كأداة تذكرها بأن كل ثانية قد تقربها من الحبيب أو تبعدها عنه.

وتستحضر طليبه الحضور العراقي (بلاد الرافدين) في قصائدها، فالارتباط التاريخي والجمالي تخصص له الشاعرة جزءا من عملها للتعبير عن شغفها ببلاد الرافدين (ميزوبوتاميا)، رابطةً بين تاريخ هذه الأرض وصورة الحبيب.

◄ ديوان يستعرض أصواتا متعددة، منها صوت الجسد وهو يتحول إلى قصيدة، وصوت الزمن الذي يعيد ترتيب الذكريات

فقد جسدت في خيالها ملامح الحبيب من وحي العراق؛ فجعلت لغته كالكلدانيين، وتفاصيل وجهه كالآشوريين، واتخذت من “جسر المأمون” طريقا إليه، وكأنه رجل أبدي خرج من “رحم العراق”.

وتعترف الشاعرة بأنها ليست “متمرسة” في الكتابة التقليدية، بل تترك “نبضاتها تتكلم”، حيث يجردها القلب من أقلامها لينزف الحبر من دمائه. وتأمل أن يكون هذا الكتاب “توأم روح” للقارئ، محذرةً من أنه قد يقود القراء إلى آلام لم يعاصروها بعد من خلال قوة الأحاسيس المودعة في صفحاته.

ويُعد ديوان “انكسار الشمس” الجزء الثالث والأخير من ثلاثيتها الشعرية والمحطة الختامية لرحلة “صوت الروح”، حيث تصفه الشاعرة بأنه “ميناء” لرحلتها، ومكان ترسو فيه الأرواح الهاربة من زوابعها لتسمع صوتها الخاص.

تتبنى الشاعرة في هذا الجزء منحىً صوفيا، حيث تشبه حالة الانفراد بالذات والتوحد في العشق بالدوران الصوفي حول النفس، معتبرة أن كل إنسان هو “محور كوني” لمداره الخاص.

وتعلن الكاتبة بصراحة عن عمق تجربتها العاطفية، واصفةً نفسها بأنها “عاشقة حتى العظم”، وأنها دخلت أبواب الحب السبعة جميعها.

كما تصف ديوانها بأنه “هاوية” قد تقود القارئ إلى “وادٍ من أودية العشق المستحيل”، مستحضرة صورا قوية لوصف الوجدان، فتتحدث عن “صخور صقلتها الدموع الحارقة” حتى أصبحت كالحرير، وعن نبض قلبها الذي يشبه “طبولاً قارعة” عند سماع صوت المحبوب.

وهذا الجزء تهديه الكاتبة لتوأم روحها، تاركةً فيه تفاصيل الآلام التي كابدتها روحها خلال فترة “غيابه الطويل”.

تبدأ الشاعرة أحد نصوصها بمشهد واقعي وهي تتابع مسلسل “سلمى” للفنانة مرام علي، لتسقط مشاعر الشخصيات (سلمى وجلال) على حالتها الوجدانية، وتؤكد على فلسفة خاصة في الفراق، وهي أن الفراق هو “فراق جسدي فقط”، أما الروح فتبقى متصلة ولا يمكن لأحد أن يسلخها عن توأمها، محاكيةً بذلك “حالات العشق الميؤوس منها”.

وتصف الشاعرة كتابتها بأنها محاولة لوضع “صوت روحها كسجين في سطور ورقية” لكي لا يتسلل أو يضيع. إذ تكثر في الديوان الرموز المرتبطة بالطبيعة (نوارس البحر، الفجر، رذاذ الصيف) والرموز الوجدانية (الناي، السيف، العبير) للتعبير عن علاقة قاتلة وجميلة في آن واحد.

وتعطي الشاعرة أهمية قصوى للمقدمة، معتبرة إياها “أهم من الكتاب” نفسه، لأنها تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع “تسبيحات القلب” و”صحاري الروح”.

9