صراع على غاز شرق المتوسط

التحالفات المتشابكة والاتفاقيات المتنافسة تجعل المنطقة برميل بارود فيما يسعى الاتحاد الأوروبي وواشنطن لتوظيف الغاز كأداة نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
الخميس 2026/04/30
الغاز في شرق المتوسط وقود لصراع مفتوح

يشهد شرق المتوسط تنافسًا جيوسياسيًا واقتصاديًا محتدمًا، لاستغلال اكتشافات هائلة تُقدَّر بـ2,100 مليار متر مكعب، واحتياطيات غير مكتشفة تبلغ 300 تريليون قدم مكعب من الغاز، وسط نزاعات حول ترسيم الحدود البحرية، ومحاولات سيطرة إسرائيلية على حقول قانا وغزة، تزامنًا مع أزمات إقليمية: الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 2026، وتشديد أميركا الحصار البحري المطبق على إيران، وفي الوقت نفسه حصار يمتد أثره إلى العالم.

يواجه العرب تهميشًا في استغلال حقولهم، رغم اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان عام 2022، التي لا تزال الأطماع الإسرائيلية قائمة في حقل قانا اللبناني. ويواجه الفلسطينيون في غزة تهميشًا في استغلال غاز غزة بسبب الحصار الإسرائيلي منذ عام 2007. كذلك تطالب تركيا بحقوق سيادية للقبارصة الأتراك في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، ساعية لتعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة، وهو ما يواجه اعتراضًا أوروبيًا وأميركيًا. أيضًا تود مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا لتسييل وتصدير الغاز من حقولها وحقول الجوار مثل حقل أفروديت إلى أوروبا.

يلعب منتدى غاز شرق المتوسط، الذي تأسس في كانون الثاني/يناير 2019 بالقاهرة، دورًا في محاولة تنظيم التعاون بين الدول. تم توقيع ميثاقه الرسمي في سبتمبر 2020، ودخل حيز التنفيذ القانوني في 9 آذار/مارس 2021. يتشكل من الدول المؤسسة: مصر، قبرص، اليونان، إسرائيل، إيطاليا، الأردن، فلسطين، بهدف التعاون في استغلال الغاز الطبيعي، لأن نزاعات الحدود تفضي إلى تصعيد عسكري يهدد الاستثمارات الدولية في قطاع الغاز، ويحوّل الموارد الطبيعية إلى أوراق تفاوضية تحت ضغط موازين القوى.

تشمل منطقة حوض شرق المتوسط كلا من مصر وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص التركية واليونانية، بالإضافة إلى تركيا واليونان باعتبارهما بين القوى المحركة للأحداث في حوض شرق المتوسط. أخذت الأزمة بعدًا دوليًا بمشاركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للحد من الصراع بين قوى الحوض، لاعتبارات جيوسياسية وليس فقط اقتصادية، رغم أن حوض شرق المتوسط لا يمتلك من الاحتياطيات العالمية سوى 2 في المئة فقط.

غاز شرق المتوسط تحوّل من ثروة طبيعية إلى وقود لصراع جيوسياسي مفتوح تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي

دفعت الأزمات المبكرة في حوض شرق المتوسط سبع دول: مصر، الأردن، اليونان، جمهورية قبرص، فلسطين، إسرائيل، إيطاليا، إلى تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط في سبتمبر 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها، بوصفه فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها، خصوصًا في ظل وجود احتياطيات كبيرة من الغاز تُقدَّر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

وفق وكالة الطاقة في 24 أبريل 2026، ترى أن صراع الشرق الأوسط قد كبّد العالم 120 مليار متر مكعب من الغاز المسال حتى 2030 من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المسال، أي ما يعادل 15% من الإمدادات العالمية المتوقعة، بسبب حالة الانقطاع المؤقتة في تدفقات الإمدادات وتباطؤ نمو الطاقة الإنتاجية.

نتيجة اختلاط خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق المتوسط، تحوّل الغاز من مجرد ثروة طبيعية إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية. وفي قلب هذه التشابكات المعقدة، تبرز السياسة بوصفها المحرك الأساسي للصراع. فتركيا، الساعية لكسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية لا تخلو من رسائل مبطنة تشكل مشهدًا مضطربًا، فيما الأطراف الأخرى تتحصن بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثينا حتى تل أبيب، ما يُشي بأن معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.

يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية، وهناك تخوف من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد، بدأ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد توالي اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عامي 2009 و2010 قبالة سواحل فلسطين: تمار ثم ليفياثان. تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل أفروديت عام 2011، وهو ما فجّر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام جمهورية قبرص بالتنقيب دون اتفاق مع جمهورية شمال قبرص التركية. ثم تسارعت الاكتشافات، كان أبرزها حقل ظهر قبالة السواحل المصرية. تعززت أهمية المنطقة طاقويًا، ليتصاعد الصراع بين عامي 2019 و2020 بعدما وقعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح أنقرة نطاقًا بحريًا ممتدًا، وهو ما اعتُبر انتهاكًا للقانون الدولي وتعديًا على حقوق سيادية. وعاد الصراع في 12 يونيو 2025 بعد دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت، مما أثار حفيظة حكومتي ليبيا وعدّ انتهاكًا للسيادة الليبية.

يواجه العرب تهميشًا في استغلال حقولهم، رغم اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان عام 2022، التي لا تزال الأطماع الإسرائيلية قائمة في حقل قانا اللبناني

فحوض شرق المتوسط بين سباق مصالح ونحو تحديث خريطة تخطيط الحيز البحري لفرض أمر واقع في أجواء لم تخلُ من اتهامات متبادلة قد تتحول إلى برميل بارود يوشك على الانفجار.

خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين، مثل اليونان المسنودة أوروبيًا، التي لن تتهاون ضد أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة التي نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، والتي تمنح الدولة الساحلية حقوقًا سيادية محدودة على موارد هذه المنطقة تمتد إلى 200 ميل بحري كحد أقصى من أساس شاطئ الدولة. ويرى الاتحاد الأوروبي أن أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي، مما جعل الغاز محركًا لترسيم الحدود. فيما تعتمد إسرائيل استراتيجية “دبلوماسية الأنابيب” وتصدير غازها إلى مصر والأردن بقيمة 35 مليار دولار، لا تراه صفقة تجارية فحسب، بل وسيلة لخلق اعتماد متبادل يقلل من احتمالات الصدام العسكري، ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة.

فيما ترى واشنطن أنها كضامن للمسارات البديلة، تمتلك فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي. وفي الوقت نفسه يسعى مسعد بولس، مستشار ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية، خلال زيارته لليبيا، إلى تسهيل صفقات مع شركتي “هيل إنترناشيونال” و”إكسون موبيل” بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية. كما فازت شركة “شيفرون” الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، وهو ما يشكل تحديًا لمذكرة تركيا – ليبيا لدعم مبدأ “الوطن الأزرق” لتركيا، الذي اخترعته أنقرة للمطالبة بالاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان، بما في ذلك الجزر اليونانية. واعتبرت أنقرة ليبيا حجر الزاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بـ “الوطن الأزرق”، الذي يهدف إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعيًا لتحقيق حزمة من المكاسب الجيوسياسية والأمنية المتكاملة.

فيما تنص المادة 121 من قانون البحار عام 1982 على حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة. وفي 25 أكتوبر 2025 منحت اليونان رسميًا “شيفرون” الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط في المناطق المتنازع عليها مع ليبيا. وفي منتصف يناير 2025 أعلنت شركة “إكسون موبيل” عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر بعد نجاحها في حفر بئر استكشافية في البحر الأبيض المتوسط.

كذلك قدمت مالطا مذكرتين للأمم المتحدة ترفض فيهما خريطة الإحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس بدعوى أنها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا، وأن طرابلس أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالًا على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر، مما شوّه ترسيم الحدود. أي أنها انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة، وطالبت طرابلس بالانخراط في الحوار.

وصفت صحيفة Greek City Times ما يجري في هذا الملف بأنه إعصار جيوسياسي يهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة، بسبب تمسك تركيا بحقها التاريخي، والتوجه نحو قانون الغاب، والبديل قد يكون استخدام القوة، بسبب اللامبالاة من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة التي تبحث عن مصالحها في شرق المتوسط، والاتحاد الأوروبي الذي هو الآخر يبحث عن مصالحه، وعزوف الجميع عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار. وفي ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، قد تتجه المنطقة إلى حروب غير تقليدية لم تعد هي العامل الحاسم، بعدما أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية.

خصوصًا بعدما جرى في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز شرق المتوسط بعد اتفاق بين تركيا والصين في 23 سبتمبر 2025، وهو بمثابة حرب باردة جديدة في حوض شرق المتوسط بعد تشكيل تحالف تركي – صيني يعمل على ضم ليبيا. هذا التحرك ستكون له تداعيات أوسع نطاقًا على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها، ومن بينها إسرائيل.

6