صبيح كلش يحلّق بـ"طائر الجنوب" في فضاءات الذاكرة البصرية

قصيدة بصرية تحرر الذاكرة العراقية من أسر الواقع.
الخميس 2026/07/09
الذاكرة العراقية لغة بصرية يفهمها العالم

يحتفي الفنان صبيح كلش في معرضه الشخصي "طائر الجنوب" بقاعة "أيقونة" بعبق الأهوار، مقدما تسع عشرة لوحة تمثل مختبرا جماليا يعيد صياغة الجنوب العراقي برؤية أسطورية معاصرة. نتتبع في هذا المقال هذا التحول الفني من الملحمية إلى الحميمية، دلالات اللون والأزرق المهيمن، وكيفية تحويل الذاكرة إلى فعل مقاومة بصري.

بعد رحلة امتدت مع جلجامش في أزمنة الطين والملحمة، عاد الفنان صبيح كلش إلى الحاضر الأقرب والأبعد في آن، إلى الماء الذي لا يجف في ذاكرتنا. فمساء السبت الماضي، وفي قاعة “أيقونة” التي اكتظت بنخبة من الفنانين والنقاد ومتذوقي الفن، افتُتح معرضه الشخصي “طائر الجنوب”، تسع عشرة لوحة مختلفة القياسات، لكنها جميعها تحمل رائحة واحدة: عبق الهور الذي لا يتغير منذ آلاف السنين.

المعرض ليس استعادة نوستالجية لبيئة انقرضت، ولا تقريرا توثيقيا عن القصب والبردي والمشاحيف، بل كان مختبرا جماليا يعيد صياغة الجنوب العراقي كقصيدة بصرية، ويحرر مفرداته اليومية من أسر الواقع ليطلقها في فضاء أسطوري معاصر.

صبيح كلش لا يرسم الجنوب كما تراه العين العابرة على ضفة دجلة، إنه يرسم الجنوب الذي يسكن فينا، ذلك الجنوب الذي تعلمناه من الأغنية الطويلة، ومن صوت الناي المبلل بالماء، ومن حكايات الجدات عن أرض لا قاع لها، ولهذا جاءت لوحاته امتدادا طبيعيا لتجربته السابقة مع جلجامش، لكنها هذه المرة أقل ملحمية وأكثر حميمية.

إنها رحلة من الملحمة إلى البيت، من الصخر إلى الماء، من البحث عن الخلود إلى البحث عن الحياة اليومية التي تصر على الاستمرار رغم كل شيء. إذا تأملت اللوحات عن قرب، تدرك أن الفنان يبني عالمه على شبكة من الثنائيات التي لا تتصارع بل تتعانق، ثنائية الطيران والعمق، السماء والماء، الحركة والسكون، الأسطورة واليومي.

مختبر جمالي يعيد صياغة الجنوب العراقي كقصيدة بصرية ويحرر مفرداته اليومية من أسر الواقع ليطلقها في فضاء أسطوري معاصر

الطائر هو المحور الذي تدور حوله كل المعاني، لا يظهر مرة واحدة وبشكل واحد، بل يتعدد ويتبدل، تارة هو بطة برية بألوان زاهية تنبثق فجأة من قلب النهر كأنها فرحة مفاجئة، وتارة يتحول إلى كائن هلامي مجنح لا ينتمي إلى تصنيف بيولوجي، بل إلى تصنيف روحي. يختزل ألوان الطيف في جناحيه، ويصير رمزا للانعتاق، وللروح الحارسة التي لا تغادر المكان حتى حين يغادره أهله.

في إحدى اللوحات يطير الطائر مقلوباً، وكأن الفنان يريد أن يقول إن قوانين الجاذبية لا تسري على ذاكرة الجنوب، فهناك كل شيء ممكن: السمك يطير، والطير يسبح، والإنسان يحلم يقظا. وفي الأسفل، حيث يفترض أن يكون القاع، يتحرك عالم آخر موازٍ. السمكة ليست مجرد كائن مائي، بل هي نبض المكان. تسبح بخطوط مرنة، أحيانا تتجسد كوجه إنساني، وأحيانا تذوب في زخرفة، وبين السماء والماء يأتي “المشحوف” ليكون مركز الثقل.

القارب الهلالي الضيق لا يُرسم كوسيلة نقل فلكلورية فقط، بل كسفينة أسطورية تحمل الذاكرة، هو الجسر بين العالمين، بين الطيران والعوم، بين الحلم والواقع. يقف المشحوف ثابتا في بعض اللوحات، وفي أخرى يبدو كأنه يتحرك وحده بلا مجداف، مدفوعا بتيار غير مرئي من الحنين.

ولا يغيب المعمار عن هذا الفضاء، لكنه ليس معمار الإسمنت. تطل من الخلفيات قباب طينية صغيرة، وأقواس مهترئة، وجدران من القصب مفككة هندسيّا كأنها نسيج، والأهم هو حضور الحرف العربي، لا ككلمة تقرأ، بل كقيمة بصرية وزخرفية، حروف تذوب وتتكسر وتصبح جزءا من النهر، أو وشوشة على جناح طير.

هذا التوظيف يمنح اللوحة بعدا تعويذيا، يذكرنا بالرقم الطينية القديمة التي كانت تحمل الصلوات والدعوات، كأن صبيح كلش يكتب على الماء صلاة من أجل بقاء الجنوب.

اللون في “طائر الجنوب” ليس زينة، بل هو اللغة نفسها، يهيمن الأزرق بكل درجاته: الفيروزي الذي يشبه لون السماء في أيام الربيع، والنيلي العميق الذي يشبه ليل الأهوار. هذا الأزرق ليس خلفية، بل هو حاضنة كبرى تحتوي كل شيء. داخله تنفجر بقع حارة: أحمر يشبه دم الحياة، وأصفر ذهبي كأنه شمس لا تغيب، وأخضر عشبي يذكرنا بالقصب الذي ينمو رغم الملوحة. هذا التضاد المدروس يخلق طاقة بصرية لا تهدأ. العين لا ترتاح، بل تنتقل باستمرار بين البرودة والدفء، بين السكون والاشتعال، تماما كما هي الحياة في الأهوار بين الجفاف والفيضان.

الأزرق سيد اللوحة
الذاكرة العراقية لغة بصرية يفهمها العالم

على مستوى التقنية، يتعامل صبيح كلش مع السطح بعفوية مدروسة تقترب من التعبيرية التجريدية دون أن تتخلى عن الإشارة التشخيصية، السطح غني بالملامس. هناك كولاج، وتراكيب لمربعات ملونة صغيرة تشبه السجاد الجنوبي أو “الإزار” الذي ترتديه نساء الأهوار. وهناك حزوز وخدوش مقصودة، كأن اللوحة جدارية قديمة قاومت الريح والملح والزمن لتصل إلينا.

هذه الخشونة ليست ضعفا، بل هي صدق. إنها تقول للمتلقي: هذا الجنوب ليس صورة سياحية مصقولة، بل هو أرض تعبت وتشققت لكنها لم تستسلم.

من الناحية السردية، يمكن قراءة المعرض كملحمة واحدة من تسعة عشر فصلا، لا توجد فواصل حادة بين اللوحات، بل تتدفق الواحدة إلى الأخرى. نرى جاموسا يطل برأسه من بين الزخارف الهندسية كرمز للخصوبة والقوة الصامدة. نرى وجوها سمكية تسبح في الفراغ بلا ماء، كأنها أرواح تبحث عن موطن. نرى أطفالا بلا ملامح محددة يلعبون على ضفاف من لون. كل هذه العناصر لا تقدم الجنوب كجغرافيا، بل كحالة وجدانية. إنها “واقعية سحرية” عراقية خالصة، لا تحتاج إلى مرجع أدبي لاتيني، لأنها تنبع من تربة بابل نفسها، من زمن كان فيه البشر يتحدثون مع الآلهة والأنهار والطيور.

ما يميز صبيح كلش في هذه المرحلة هو قدرته على تطويع الإرث دون أن يستسلم له، فهو لم يقع في فخ النمطية التي حبست فنانين كثيرين داخل “لوحة الأهوار” النمطية: بيت من قصب، امرأة تغسل، طفل يصطاد. بل أخذ المفردة وحررها، أخذ القصب فحوله إلى خطوط هندسية، وأخذ الماء فحوله إلى مساحة لونية، وأخذ الطائر فحوله إلى فكرة. بهذا المعنى، فإن “طائر الجنوب” ليس معرضا عن الجنوب، بل هو معرض عن كيفية تذكر الجنوب، عن كيفية تحويل الذاكرة الفردية والجمعية إلى لغة بصرية يمكن أن يفهمها العالم.

المعرض يطرح سؤالاً مهماً عن الهوية: ما الذي يجعل العمل الفني عراقيا؟ هل هو الموضوع؟ هل هو استخدام الرموز المحلية؟ أم هو الطريقة التي ينظر بها الفنان إلى العالم؟

يجيب صبيح كلش عمليا: الهوية ليست قميصا نرتديه، بل هي طريقة تنفس. حين يرسم طائرا، يرسمه بجناحين من دجلة والفرات، وحين يرسم ماء، يرسمه بملوحة شط العرب. وحين يرسم إنسانا، يرسمه بظهر منحن من العمل، لكن بعينين مفتوحتين على الأمل.

ما يميز الفنان العراقي صبيح كلش في هذه المرحلة هو قدرته على تطويع الإرث دون أن يستسلم له

في زمن تهاجم فيه الصور الرقمية السريعة أعيننا، يأتي هذا المعرض ليطلب منا التباطؤ، ليطلب منا أن نقف أمام اللوحة دقيقة، ثم دقيقة أخرى، حتى تبدأ الألوان بالتحرك، وحتى نسمع صوت الماء، هذا التباطؤ هو فعل مقاومة، مقاومة ضد النسيان، وضد الاختزال، وضد فكرة أن الجنوب مجرد ضحية. هنا يقدم صبيح كلش جنوباً فاعلاً، خلاقاً، قادراً على إنتاج الجمال من القصب ومن الطين ومن الفقد نفسه.

تجربة “طائر الجنوب” تمثل محطة نضوج واضحة في مسيرة الفنان، فهو لم يعد يبحث عن أسلوب، بل صار الأسلوب يبحث عنه. وجد لغته: لغة تجمع بين الرصانة الأكاديمية وحرية المغامرة. لغة لا تخاف من التجريد، لكنها لا تتخلى عن الحكاية، لغة تؤمن بأن الفن يجب أن يكون جميلاً، لكن جماله يجب أن يكون مسؤولا، أن يحمل قضية، أن يحمل ذاكرة.

حين غادر الحضور القاعة في تلك الليلة، خرجوا وهم يحملون شيئاً غير مرئي. ربما صوت ماء، ربما رفرفة جناح. هذا هو نجاح المعرض الحقيقي. أنه لم يعرض لوحات فقط، بل نقل جزءاً من روح مكان إلى مكان آخر. أعاد للأهوار حضورها في قلب بغداد، لا كموضوع إخباري عن الجفاف والتهجير، بل كرمز للحياة التي ترفض الموت.

صبيح كلش بهذا المعرض يذكرنا بأن الفنان الحقيقي لا يرسم ما يرى، بل يرسم ما يؤمن به. وهو يؤمن بأن الجنوب لن يموت، لأن له أجنحة، وأن الذاكرة البصرية أقوى من النسيان، وأن الطين حين يختلط بالماء ويضرب بأيدي فنان، يصبح أسطورة. “طائر الجنوب” إذن ليس عنوان معرض، هو وعد؛ وعد بأن تظل طيورنا تحلق، حتى فوق أكثر الخرائط قسوة، وأن تظل ألواننا ترفض الرمادي، وأن تظل حكاياتنا تُروى، مرة بالشعر، ومرة بالريشة، ومرة بالاثنين معا.

9