صابر الرباعي يختزل مسيرة ثلاثة عقود في ستينية مهرجان قرطاج

ليلة فنية استثنائية جمعت بين خبرة الرواد وطموح المواهب الشابة.
الجمعة 2026/07/17
فنان تونسي نجح في أن يكون رمزا لبلاده عربيا

بين رهبة البدايات ونضج المسيرة، اختزل الفنان صابر الرباعي مسيرة ملهمة قادته من عاصمة الجنوب التونسي ليصبح رقما صعبا في مدونة الموسيقى العربية، مستعرضا خلال افتتاحه لستينية مهرجان قرطاج الدولي حكاية شغف وتحد لا يزال يدفعه للاستمرار في الإنتاج والاحتفاء بتجربته وتجارب الآخرين.

قبل 32 عاما وتحديدا في عام 1994، وقف على خشبة مسرح قرطاج الدولي، شاب تونسي يتلمس خطواته الأولى في طريق الفن، يدعى صابر الرباعي. رغم الرهبة الكبرى للمكان، والتي يعرفها جيدا من سبقوه في الغناء أمام الجمهور التونسي، وتحديدا جمهور قرطاج، ورغم الخوف والقلق والمسؤولية الكبرى التي يحملها تجاه نفسه واسمه ومحاولاته لإثبات ذاته، وتحديه لكل الظروف التي يواجهها، استطاع ذلك الفتى أن يلفت الأنظار لموهبته، استطاع أن يقول لكل من تعرف عليه لأول مرة “أنا صابر الرباعي، الذي سيصير يوما ما يريد”.

توالت بعد ذلك الحفلات في مهرجان قرطاج وكل المهرجانات التونسية والعديد من المهرجانات العربية والعالمية، لكن في عام 2026 أحيا سهرة لا تشبه أي سهرة سابقة أحياها ضمن المهرجان.

في سهرة 16 يوليو الحالي، صعد صابر المسرح، ليحتفي بافتتاح الدورة الستينية الشاهدة على مسيرة 62 عاما من عمر شيخ المهرجانات الصيفية العربية، الذي كان نقطة انطلاق كبار الفنانين العرب والتونسيين أيضا، لكنه صعد ليحتفي بالموسيقى التونسية ورموزها، وليحتفي بتاريخه الفني، وبما استطاع أن يحققه صابر الشاب الحالم القادم من عاصمة الجنوب.

صابر ظهر كأنه يخوض امتحانا جديدا أثبت من خلاله أنه فنان ذكي يحترم "كبار الصنعة" ويمد يديه للمواهب الصاعدة

“أحمل معي أصوات من سبقونا وأمد يدي لمن سيأتون بعدنا”، هكذا خاطب الفنان جمهوره في قرطاج، ورغم تجربته الكبيرة في الغناء على أشهر المسارح إلا أن الارتباك والتوتر وضعا لمستهما على حديثه، ولأنه اعتاد اعتلاء المسارح للغناء وليس للحديث، بدا إلقاؤه النص متلعثما، رغم أن النص المقتضب الذي ألقاه ذو كلمات معبرة ومهمة تختصر رؤية وتجربة وتسلط الضوء على أهمية مهرجان قرطاج.

في هذا الحفل الذي عنونه بـ”تحت الياسمين”، استنادا إلى أحدث أغنياته التي غناها أيضا أمام جمهوره، اختار صابر أن يستضيف قامتين من قامات الموسيقى العربية، لطفي بوشناق بصفته أحد رموز الفن التونسي، والشاب خالد ملك الراي الجزائري، لكنه مد يديه أيضا للشباب، بأن غنى مع أحمد الرباعي وملكة الشارني، ومنح مساحة أيضا لبثينة النابولي ومحمد علي شبيل.

اختار صابر أن يكرم ذكرى واحدة من أهم الفنانات في تونس والعالم العربي، إنها ذكرى محمد، الصوت الخالد الذي لا يختلف اثنان في قوته وجماله، حيث بث مقطعا صوتيا لها وهي تغني أغنيتها الشهيرة “الأسامي” قبل أن يشاركه أحمد الرباعي وملكة الشارني في أدائها. استعان الفنان بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتبدو ذكرى كأنها حاضرة في خلفية المسرح، ويشترك مع ضيفيه في أداء أغنية “يوم ليك ويوم عليك”، آخر أغنيات الراحلة قبل فاجعة مقتلها.

وفي إطار الوصلة الفنية التي جمعته بالفنان الكبير لطفي بوشناق، قدم صابر معه أغنيتي “ريتك ما نعرف وين” و”يا دلولة”، قبل أن تنضم إليهما بثينة النابولي ومحمد علي شبيل في لوحة فنية موسيقية جمعت بين أربعة أصوات تونسية من مدارس فنية مختلفة، يمتزج فيها عبق الماضي والحاضر بأمنيات المستقبل.

خلال هذه الوصلة الغنائية، قدمت بثينة النابولي أغنية “نساية” للطفي بوشناق، فيما قدم محمد علي شبيل أغنية “يا للا”، قبل أن يغني الفنانون الأربعة وصلة غنائية مشتركة كتحية للتراث التونسي، من خلال أغنيات للصادق ثريا وصليحة والهادي الجويني.

أما مع الشاب خالد فقدم صابر أغنيتي “عبدالقادر” و”سيدي منصور”، أغنيتين صوفيتين بالأساس، ساهمتا في شهرة كبيرة للفنانين، واقتنصتا نجومية عربية وعالمية لم تكن متوقعة.

وطوال الحفل، قدم صابر مجموعة من أحلى أغانيه، من بينها “صيد الريم” و”يا دلولة” و”ما شاء الله عليها” و”عزة نفسي” و”يا عسل” و”عز الحبايب” وغيرها من أشهر أغانيه.

يعتبر صابر أن وقوفه على خشبة مهرجان قرطاج الدولي، في الذكرى الستين، يمثل لحظة وفاء لمن صنعوا مجده، وللفنانين الذين رسخوا قيمة الأغنية الصادقة، وأن الفنان الحقيقي هو من يستفيد من تجارب السابقين ويبني عليها تجربته الخاصة.

حفل مختلف كليا

حفل صابر هذه المرة، حفل مختلف كليا؛ إذ هناك فرق بين أن تصعد إلى المسرح في حفل اعتيادي، وبين أن تصعد إليه وأنت تدرك أنك صرت تمثل جزءا من الذاكرة الموسيقية لبلدك، وأنك تحمل على عاتقك هذه المرة رسالة مهمة لجمهورك العربي، تقول له إن افتتاحك للدورة الستينية لمهرجان بحجم قرطاج ليس حفلا عاديا في مسيرتك، ولا هو سهرة مثل سهراتك المعتادة على خشبة المسرح العريق، بل هي رسالة تقول “هكذا صرت صابر، وهكذا تبدو الموسيقى التونسية اليوم”.

لا أستغرب أن تحمله الذاكرة أحيانا إلى بدايته، فينظر إلى الطفل الحالم والشاب الشغوف ويخبرهما مبتسما بأنه نجح في تحقيق حلمه، الحلم الذي لم يكن سهلا، والذي بدأت أولى خطواته الجادة عام 1984 حين شارك في برنامج نادي المواهب وغنى أغنية تونسية بعنوان “خليك آه يا ليل” وحصل على المركز الأول، ثم قرر دراسة الموسيقى لينمّي موهبته، فهو يرى أن الفنان ليس أداء فقط لكنه فكر ومنهج وعلم، وبعد أن درس الموسيقى وتخصص في العزف على آلة العود سافر إلى مصر ومن هناك بدأت رحلة احتراف الفن خارج أرض الوطن.

أطلق أول ألبوماته عام 1991 بعنوان “يالي بجمالك”، وحقق بعد ذلك نجاحات ونال جوائز، لكن أكبر مرحلة مفصلية في تجربته الفنية كانت تعاونه مع المنتج اللبناني علي المولى حيث أصدر تحت إدارته ألبومات متنوعة بأغان لبنانية ومصرية وتونسية وخليجية، تعاون فيها مع أشهر الشعراء والملحنين العرب، وحقق فيها نجاحات خلدت اسمه ضمن أهم نجوم الفن العربي المعاصر.

سنوات طويلة، لم يتعامل فيها صابر الرباعي مع الفن بوصفه مجموعة أغنيات ناجحة فقط، أو مكاسب مادية متراكمة، بل بوصفه مشروعا مستمرا للتطور، وربما لهذا السبب ظل نجمه ساطعا بينما أفلت عشرات النجوم.

ومن يتأمل مسيرته يدرك أنه لم يخش التعاون مع كبار الموسيقيين العرب، كما لم يتردد في منح ثقته لأسماء شابة تحمل أفكارا جديدة. وهذه القدرة على الجمع بين الخبرة والشباب انعكست في افتتاحه لمهرجان قرطاج في دورته الستين.

لم يكن الحفل مجرد استعراض رصيد من الأغنيات التي يحفظها الجمهور، بل كان عرضا يليق بمكانة مهرجان قرطاج، ويليق أيضا بالموسيقى التونسية التي تمتلك تاريخا كبيرا يستحق أن يقدم بأفضل صورة.

وصابر الرباعي يعرف جيدا ثقل هذا الإرث الفني، ويدرك أنه أحد أبرز رموز الأغنية التونسية في الحاضر، وامتداد لجيل من الفنانين الذين حملوا هوية تونس الموسيقية إلى العالم العربي، لذلك بدا واضحا أن التحضير للحفل تجاوز فكرة الأداء الغنائي إلى الاهتمام بالتفاصيل الكاملة للحفل، بدءا من التوزيع الموسيقي واختيار الضيوف والعازفين والإخراج، ووصولا إلى الإيقاع العام للسّهرة.

اللوحة الفنية التي رسمها الفنان في ليلة "تحت الياسمين" تؤكد أن النجومية الحقيقية لا تقاس بالأرقام والشهرة فقط

ولعل أجمل ما في التجربة أن الفنان لم يتعامل مع افتتاح قرطاج باعتباره مكافأة لمسيرة طويلة، وإنما ظهر كأنه يخوض امتحانا جديدا، امتحانا أثبت من خلاله أنه فنان ذكي، لبق، يحسب خطواته بدقة ويحترم “كبار الصنعة” ويمد يديه للمواهب الشابة، حتى حين غنى مع لطفي بوشناق، استأذنه قبل أداء المقطع الغنائي الخاص به بالقول “بعد إذنك يا كبير”. ورغم أن صابر كبير أيضا لكنه يعامل من سبقوه في التجربة والسن بوقار واحترام كبيرين.

وفي زمن أصبحت فيه بعض الحفلات تعتمد على المؤثرات السمعية والبصرية أكثر من اعتمادها على الصوت العذب والموسيقى الحية، كان من الجميل أن نرى فنانا مثل صابر الرباعي ما زال يراهن أولا على جودة العمل، وعلى احترام الجمهور، وعلى قيمة الأغنية نفسها، وعلى العزف الحي وعلى تقديم زملاء له في أبهى حلة.

قد يختلف الناس حول صوته، وتجربته، وأغنياته، أو حول اختياراته الفنية، وأحيانا اختياراته الشخصية كذلك، فحياة الفنان مشاع للتطفل، لكن يصعب الاختلاف حول حقيقة أن صابر الرباعي لم يصل إلى مكانته بالصدفة، فمن المؤكد أن خلف مسيرته سنوات من العمل، والتجريب، والانضباط، والفشل، وتصحيح الأخطاء، والرغبة الدائمة في التطور، وهي صفات جعلته يحافظ على حضوره في مشهد موسيقي عربي تغيرت ملامحه مرات عديدة وفقد الكثير من ثقله.

إن اللوحة الفنية التي رسمها صابر الرباعي في ليلة “تحت الياسمين”، وبمشاركة قامات بحجم لطفي بوشناق والشاب خالد إلى جانب الأصوات الشابة واستحضار الراحلة ذكرى، تؤكد أن النجومية الحقيقية لا تقاس بالأرقام والشهرة فقط وإنما بالقدرة على التعلم من الماضي ومد اليد للمستقبل، مع الوقوف بثبات عند اللحظة الراهنة. لقد أثبتت هذه السهرة التي كتبت كجزء مهم من مسيرة صابر الرباعي أن مسيرة العقود الثلاثة الماضية جعلت من الفتى الحالم رمزا حيا من رموز الذاكرة الموسيقية التونسية والعربية.

حفل مختلف

 

9