سمير قسيمي: الذاكرة ساحة صراع يُعاد تشكيلها تحت وطأة العنف والسلطة
في حوارٍ ممتدٍّ يتنقل بين عوالم الذاكرة الممزقة والنسيان، يفكك الروائي الجزائري سمير قسيمي أبعاد روايته الجديدة "الكهل الذي نسي"، ويناقش آليات إعادة تشكيل الهوية في زمن العنف، ومفهوم التاريخ المتغير، مقدما رؤية نقدية لواقع الرواية العربية وتحديات استخدام اللهجات المحلية كأداة لتعزيز أصالة النص وهويته الإبداعية.
لا تبدو رواية “الكهل الذي نسي” للروائي الجزائري سمير قسيمي عملا سهلا، لا من حيث الأسلوب ولا من حيث البناء، بقدر ما هي نص عميق المعنى، وهو ما اعتدناه في أعمال قسيمي. قد يوحي العنوان ببساطة أولية، وربما يفتح باب التأويل المباشر، لكن العمق الحقيقي لا يكمن في العنوان، بل في التفاصيل الدقيقة التي يزرعها الكاتب داخل وعي القارئ، لتعيد تشكيل فهمه للنص تدريجيًا.
الرواية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان عام 2026، وهي دار عودتنا على نشر أعمال ذات قيمة أدبية عالية، تضع القارئ أمام ثلاثة عوالم سردية رئيسية: مريض نفسي تائه بين ذاته ومن حوله، ودائرة الكتّاب المجهولين، وعمارة الوصفان. وهي عوالم لا تتكشف بسهولة، بل تتطلب قارئًا يشارك في بناء المعنى لا استهلاكه فقط، ليعيد تركيب الصورة التي أرادها قسيمي أن تتشكل في ذهنه.
في هذا الحوار نتناول الرواية مع كاتبها سمير قسيمي، لنقترب من هذا الكهل، ومن الأسئلة التي يفتحها النص أكثر مما يقدم إجابات عنها.
الهوية والذاكرة
في بداية الحوار سألتُ سمير قسيمي عن كيفية إعادة تشكيل الهوية في حالة فقدان الذاكرة، كما رأينا في شخصية الكهل، فأجاب بأن “الهوية ليست بناءً ثابتًا، بل هي نهر متدفق، تتشكل وتتغير مع كل قطرة ذاكرة تُضاف أو تُفقد. في حالة الكهل، الهوية لا يعاد تشكيلها بالمعنى التقليدي، بل يعاد اكتشافها، أو ربما تُخلق من جديد على أنقاض ما كان”.
ثم أضاف “عندما يفقد الكهل ذاكرته، لا يفقد ذاته بالكامل، بل يفقد الخيوط التي كانت تربطه بتعريفاته السابقة. يصبح وجوده أثرًا، لغزًا، وهذا الغياب هو ما يمنحه قوة أسطورية”.
الإنتاج الروائي العربي يتطلب عمقًا وجرأة في التجريب، وتحررًا من القيود، وهذا ما لا نجده بالقدر الكافي
وتابع قائلا “الكهل هنا لا يتذكر، لكنه يُذكِّر. هويته الجديدة تتشكل من ردود أفعال الآخرين تجاه غيابه، ومن الأثر الذي يتركه فيهم، ومن محاولاته البدائية لإعادة رسم عالمه بخط ودائرة ونقطة. إنها هوية تتجاوز السرد الشخصي لتصبح هوية جماعية، هوية أسطورة”.
وحول المدى الذي تصنع من خلاله الذاكرة هوية الإنسان، وإلى أي حد يعيد الإنسان تشكيل ذاكرته، قال إن “الذاكرة هي اللبنة الأساسية للهوية، بلا شك. نحن ما نتذكره، وما نتذكر أننا كنا عليه. لكن الذاكرة ليست أرشيفا جامدا، بل هي عملية بناء مستمرة، تتأثر برغباتنا، ومخاوفنا، وتوقعاتنا”.
وأضاف قسيمي “نحن لا نستعيد الماضي كما هو، بل نعيد تركيبه، نملأ الفراغات، ونلوّن التفاصيل بما يخدم حاضرنا أو يبرر أفعالنا”.
وأوضح أن “الإنسان يعيد تشكيل ذاكرته باستمرار، أحيانًا بلا وعي، ليجعلها تتناسب مع صورته الذاتية أو مع السرديات الكبرى التي يعيش في ظلها”، مشيرًا إلى أن “هذا التداخل بين ما حدث وما نعتقد أنه حدث، بين الحقيقة والخيال، هو ما يمنح الذاكرة هشاشتها وقوتها في آن واحد”.
وعن صناعة الذاكرة في زمن العنف، يرى سمير قسيمي أنه “تحديدًا في زمن العنف، تُصنع الذاكرة تحت وطأة الصدمة، حيث تصبح الذاكرة أداة للبقاء، أو للنسيان القسري”، مؤكدا أن “العنف لا يمحو الذاكرة فقط، بل يشوهها، ويمزقها، ويجعلها تتشظى إلى قصاصات متناثرة”.
كما تابع بالقول إن “الذاكرة الجماعية في زمن العنف تصبح ساحة صراع، حيث تتنافس السرديات، وتحاول كل جهة فرض نسختها من التاريخ. لكن في عمق هذا التمزق، تظل هناك ذكريات حية، ذكريات الأثر، وذكريات الألم الذي لا يُنسى، وهي التي تشكل نواة لإعادة بناء ممكنة، وإن كانت مؤلمة”.
التاريخ والذاكرة الجماعية
يرى سمير قسيمي، ردًا على سؤال حول كيفية إعادة بناء التاريخ من ذاكرة جماعية ممزقة، أن “إعادة بناء التاريخ من ذاكرة جماعية ممزقة هي مهمة الكتابة الحقيقية”.
ويضيف أن “إعادة البناء هنا ليست عملية تجميع للحقائق، بل عملية خلق للمعنى، فالتاريخ لا يُبنى من الحجارة، بل من القصص، ومن الأصوات التي أُسكتت، ومن الآثار التي تُركت”.
ويشرح قائلًا “عندما تكون الذاكرة ممزقة، يصبح دور الكاتب هو نسج هذه الشظايا، ليس لتقديم حقيقة واحدة ومطلقة، بل لتقديم فسيفساء من الحقائق والرؤى التي تعكس تعقيد التجربة الإنسانية”.
وهنا يوجه قسيمي دعوة للقارئ “ليشارك في هذا البناء، وليملأ الفراغات بوعيه، وليكون جزءًا من عملية الخلق المستمرة للتاريخ”. وفيما إذا كان التاريخ بناءً ثابتًا أم نتاجًا متغيرًا تصنعه الذاكرة والسلطة معًا، يذهب سمير قسيمي إلى أن “التاريخ ليس بناءً ثابتًا أبدًا”.
وقال “التاريخ نتاج متغير، وديناميكي، يتشكل باستمرار بفعل الذاكرة والسلطة معًا، وأضيف إليهما النسيان. فالسلطة تسعى دائمًا إلى فرض سرديتها الخاصة للتاريخ، لتثبيته، وجعله أداة للسيطرة. لكن الذاكرة، بمرونتها وهشاشتها وقدرتها على التمرد، تقاوم هذا التثبيت”.
وأضاف أن “النسيان، الذي قد يكون قسريًا أو اختياريًا، يلعب دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل هذا النتاج”، مشيرًا إلى أن “التاريخ هو حوار دائم بين ما يُراد لنا أن نتذكره، وما نختار أن نتذكره، وما لا نستطيع أن ننساه”.
ويؤكد سمير قسيمي أن الازدهار النوعي في الرواية العربية يتطلب عمقًا في الرؤية، وجرأة في التجريب، وتحررًا من القيود.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت الرواية العربية تعيش ازدهارًا كميًا أكثر منه نوعيًا، قال “قد أتفق مع هذا الطرح لأنه يحمل شيئًا من الصحة، لكنه ليس مطلقًا. نعم، هناك غزارة في الإنتاج الروائي العربي، وهذا أمر صحي في حد ذاته، لأنه يدل على حيوية المشهد. لكن الازدهار النوعي يتطلب عمقًا في الرؤية، وجرأة في التجريب، وتحررًا من القيود، وهذا ما لا نجده بالقدر الكافي في كل الأعمال”.
وعن مدى نجاح الرواية العربية في تمثيل التحولات العميقة التي يشهدها الواقع العربي اليوم، يرى قسيمي أن “الرواية العربية، في أفضل تجلياتها، نجحت في ذلك. هناك أعمال عظيمة استطاعت أن تلتقط نبض الشارع، وأن تعبر عن قلق الإنسان العربي، وأن تشرح تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي”.
لكنه استدرك بالقول “هذه الأعمال تظل أحيانًا حبيسة دوائر ضيقة، ولا تصل إلى الجمهور الواسع بالقدر الكافي”، مؤكدا أن “التحدي الأكبر هو كيف نحول هذا الكم إلى نوع، وكيف نصل بهذه الأعمال النوعية إلى من يحتاجها”.
بين الهوية والتهميش
ويفتح سمير قسيمي في رواية “الكهل الذي نسي” بابًا واسعًا للنقاش حول نظرة الكتّاب العرب إلى لهجاتهم المحلية، حين يشير إلى أن “كثيرًا من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربية”. ترى ما سبب ذلك؟ وهل ما زالت اللهجة تُعد عائقًا أمام حضور الكاتب وهويته الإبداعية؟
عندما تكون الذاكرة ممزقة يصبح دور الكاتب نسج الشظايا من أجل تقديم فسيفساء من الحقائق والرؤى
ويرى قسيمي أن “هذا التحاشي يعود إلى عدة أسباب، منها ما هو تاريخي ومنها ما هو ثقافي”، مضيفًا “هناك إرث طويل من النظرة الدونية للهجة، واعتبارها لغة غير ‘راقية’ أو غير ‘أكاديمية’، وأن الفصحى هي وحدها لغة الأدب والمعرفة. وهذا يخلق نوعًا من الانفصام لدى الكاتب العربي، فهو يعيش ويفكر ويحلم بلهجته، لكنه يكتب بلسان آخر. أعتقد أن هذا عائق كبير أمام حضور الكاتب وهويته الإبداعية”.
ويؤكد أن “اللغة هي الوعاء الذي يحمل الروح، وعندما لا تكون اللغة هي لغة الروح، فإن جزءًا من الأصالة يضيع”.
كما يشير إلى أن “استخدام اللهجة، ليس بالضرورة في كل النصوص، بل في الحوارات، في التفاصيل، يمنح النص حياة وصدقًا وقربًا من الواقع. إنها ليست مجرد كلمات، بل هي جزء من الهوية، من الذاكرة الجماعية، من الروح التي نحاول أن نستعيدها بالكتابة. التحرر من هذا القيد هو خطوة أساسية نحو رواية عربية أكثر صدقًا وعمقًا وتأثيرًا”.
وعن المدى الذي تمثله الكتابة في استعادة الحقيقة، وما إذا كان يمكن اعتبارها استعادة كاملة أم جزئية فقط، يؤكد سمير قسيمي أن “الكتابة هي محاولة لاستعادة الحقيقة، لكنها استعادة جزئية بالضرورة، ومتحولة”.
ويقول إن “الحقيقة، في جوهرها، مراوغة ومتعددة الأوجه، ولا يمكن لأي كتابة أن تستوعبها بالكامل”، مشيرًا إلى أن “الكتابة لا تستعيد الحقيقة بقدر ما تخلقها، وتعيد صياغتها، وتمنحها أبعادًا جديدة. إنها ليست مرآة تعكس الواقع، بل عدسة تشوّهه أحيانًا، وتوضحه أحيانًا أخرى، لتكشف عن طبقات أعمق من المعنى”.
واختتم حديثه بالقول إن “كل نص هو حقيقة مؤقتة، حقيقة اللحظة التي كُتب فيها، وحقيقة القارئ الذي يتلقاها”.