سعد القصاب مهندس العاطفة بين صرامة بيت موندريان وشاعرية الرافدين
يقدم الفنان سعد القصاب في مجموعته الأخيرة تجربة بصرية واعية تعيد هندسة العاطفة عبر الانتقال من التجريد التعبيري العفوي إلى التجريد الهندسي الصارم. وتتحول لوحاته إلى معمار تشكيلي متكامل، يمتزج فيه الوعي الأكاديمي والنقدي بالإرث الرافديني، ليتحول اللون والفراغ إلى حوار وجودي يرفض القوالب الجاهزة.
تبدو تجربة الفنان سعد القصاب في مجموعته الأخيرة كأنها محاولة واعية لهندسة العاطفة. هو لا يكتفي بالانتقال من التجريد التعبيري المحمّل بضربات الفرشاة العفوية إلى التجريد الهندسي الصارم، بل يجعل من هذا الانتقال ذاته خطابا بصريا.
العاطفة لا تُلغى، بل تُعاد هندستها داخل علاقات المساحات اللونية والفضاء التصويري. النتيجة لوحات تشتغل كمعمار بصري، حيث يصبح اللون قيمة إنشائية، والفراغ عنصرا فاعلا، والخط نظاما أخلاقيا في مواجهة الفوضى.
البنية التكوينية
أول ما يلفت في أعمال القصاب هو الاختزال الحاد. هو لا يرسم أشكالاً بقدر ما يبني “كيانات” بصرية. السطح التصويري لا يعمل كخلفية محايدة، بل كعنصر فاعل يضغط على الأشكال أحيانا ليجعلها متراصة في مركز اللوحة، ويتركها أحيانا أخرى تتنفس في مساحات شاسعة من اللون الواحد.
هذا التعامل مع الفضاء يذكّر بفلسفة “الفراغ المفعم” في الفن الشرقي، لكن تُعاد ترجمته بلغة عقلانية غربية. الفراغ ليس غيابا، بل قوة سلبية توازن الكتلة. ومن هنا ينشأ الصراع الخفي بين النظام والفوضى. الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة تفرض صرامة بنيوية، لكن البقع والملامس الخشنة تقتحم هذا النظام، كأنها صوت إنساني عفوي يعترض على صرامة القالب.
اللون عند سعد القصاب ليس زخرفة ولا تلوينا لاحقا للشكل، بل هو قيمة إنشائية تؤسس البنية نفسها
اللوحة عند القصاب ليست سطحا للعرض، بل حقل توتر. العين تتحرك بين المساحة المغلقة والمفتوحة، بين الكتلة والفراغ، فتختبر إحساسا بالاستقرار المؤقت سرعان ما يتزعزع بفعل التدخل العفوي. هذا التوتر هو ما يمنح العمل حيويته الوجودية.
أما اللون فيأتي أشبه بدراما بصرية ويبرز كقيمة إنشائية. اللون عند القصاب ليس زخرفة ولا تلوينا لاحقا للشكل، بل هو قيمة إنشائية تؤسس البنية نفسها. يستخدم التضاد اللوني بذكاء: الباردات كالأزرق والبنفسجي تُجاور الحارات كالأحمر الصريح والبرتقالي، فيحدث استفزاز بصري يحافظ على يقظة المتلقي.
في بعض الأعمال تتحول المساحات اللونية إلى كتل معمارية. اللوحة تبدو كواجهة جدارية، حيث تتوزع الكتل والوزن البصري بوعي معماري. هذا لا يعني أن اللوحة تتحول إلى تصميم معماري حرفي، بل إن حس البناء يتسلل إلى اللغة التصويرية. اللون يكتسب ثقلا ماديا، فيشعر المشاهد أن المساحة الزرقاء أثقل من الحمراء، وأن المستطيل البرتقالي يضغط على الخلفية البنفسجية.
الذكاء هنا يكمن في أن الدراما لا تأتي من الحكاية، بل من العلاقات الداخلية. لا أحداث، لا شخوص، لكن هناك صراعا بصريا كاملا. اللون هو الموضوع، والموضوع هو اللون.
من بغداد إلى موندريان

يمكن تتبع خيوط أسلوب القصاب في ثلاث دوائر متداخلة: على المستوى العراقي: يظهر أثر شاكر حسن آل سعيد في مرحلته التجريدية، خصوصا في التعامل مع “الجدار” والاختزال. لمسات الخربشة العفوية فوق المساحات الهندسية الصافية تذكّر بكيفية تعامل شاكر مع الأثر والزمن. من كاظم حيدر يرث القصاب هندسة الشخوص وتحويلها إلى رموز. بعض الأقواس والرموز المعمارية العراقية تظهر مجرّدة تماما حتى تستقر في شكل هندسي خالص، كأنها ذاكرة معمارية بلا وظيفة.
على المستوى العربي: يتقاطع القصاب مع شفيق عبود في بناء اللوحة عبر مربعات ومستطيلات لونية متداخلة. لكن بينما يميل عبود إلى إشعاع اللون وشاعريته، يميل القصاب إلى صرامة البناء. التقاطع يحدث في النقطة التي يتحول فيها اللون إلى موسيقى بصرية.
على المستوى العالمي، هناك حضور واضح للفنان بيت موندريان، في اللوحات يتضح الاعتماد على الخطوط والتقسيمات الهندسية الباحثة عن الجوهر الكوني، لكن القصاب يفارق موندريان في المنطلق، فموندريان يستلهم عمارة المدينة من الخارج، أما القصاب فينفذ إلى “جوانية العمارة”، فيحوّل النوافذ من كتل بنائية صماء إلى مصادر مشرعة للضوء.
من مارك روثكو يستعير القصاب فكرة المساحات اللونية الكبيرة التي تهدف إلى إثارة استجابة عاطفية عميقة، حيث يصبح اللون هو الموضوع. من نيكولاس دي ستيل يأخذ طريقة رصف الكتل اللونية الثقيلة فوق بعضها، كأن اللوحة تُبنى بقطع من الحجر أو الرخام الملون.
الخلط بين الصرامة والشاعرية يمنح تجربة القصاب طابعها الخاص، فهو يريد لوحة تفكر وتشعر في آن
هذه المرجعيات لا تعمل كاقتباس، بل كحوار. القصاب يدخل في نقاش مع التاريخ الفني، ويعيد إنتاج مفرداته ضمن سياق بصري عراقي.
جدلية العمارة والذاكرة والتدوين البصري
تجربة القصاب تتحرك في فضاء “التجريد العقلاني”، لكنها لا تتوقف عند العقلانية الباردة. في عمق هذا التجريد البحت لا يغفل الفنان المفردة الحياتية ودلالات الطقوس. الاختزال عنده ليس تجريدا للتجريد، بل إعادة صياغة للعمل في الذاكرة عبر الإشارات والخطوط والبقع اللونية.
انشغاله باليومي وهواجس التأمل في الانسحاق الإنساني يجعل من اللوحة فعل إدانة بصرية حادة. اللوحة لا تحكي قصة، لكنها تفتح حوارا معرفيا ينفتح على الفراغ بمدلوله الكوني. هنا يتقاطع البناء الهندسي مع الوجداني الرافديني. البنية الرافدينية القديمة، بما فيها من تكرار وتقسيم وطقس، تنصهر في ذات الفنان فتظهر كتلقائية تحاكي اللعب الحر والرسوم الأولى. الهدف هو الانعتاق من سلطة النماذج الجاهزة، من دون التخلي عن الانضباط.
وتمثل أعمال سعد القصاب حالة من العقلانية البصرية. هو فنان لا يستسلم للصدفة، بل يخطط لمسارات العين داخل اللوحة. لكن هذه العقلانية لا تعني جفافا. صرامة الغرب في التكوين الهندسي تلتقي مع شاعرية الشرق في اختيار الدرجات اللونية. النتيجة رقم مهم في مدونة التجريد المعاصر الذي لا ينفصل عن روح المكان، رغم حداثة الأدوات.
الخلط بين الصرامة والشاعرية هو ما يمنح التجربة طابعها الخاص، فهو لا يريد لوحة مريحة بصريا فحسب، بل يريد لوحة تفكر وتشعر في آن. المشاهد يدخل فضاء هندسيا، لكنه يخرج منه بحالة عاطفية غير قابلة للتسمية.
السياق الأكاديمي والمسار المهني

الخلفية الأكاديمية للقصاب تفسّر هذا التماسك. فهو حاصل على دكتوراه في علوم وتقنيات الفنون من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، وبكالوريوس من أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. معرضه الشخصي في بغداد 1997 و2000، ومشاركاته المشتركة في تونس 2011 و2012، ومشاركاته الوطنية والعربية والدولية، تؤكد حضورا مستمرا في المشهد.
كتاباته النقدية عززت هذا الحضور، منها كتاب “عصر متورط بالنهايات” 2008، و”الرسامون كائنات لا تعترف” 2011، و”مؤسسة الخطاب الجمالي” 2012، وصولا إلى كتاب “السريع والعابر والمتشظي” 2017، يظهر القصاب مفكرا بصريا لا يفصل بين الممارسة والتنظير. هذا يفسر لماذا تبدو لوحاته مشبعة بوعي نظري: هي نتاج فنان يفكر وهو يرسم، ويرسم ما يفكر فيه.
إذًا تجربة سعد القصاب لا تسعى إلى إبهار سريع. هي تبني ببطء، كتلة فوق كتلة، لونا بجوار لون، حتى تتحول اللوحة إلى معمار بصري قادر على احتواء العاطفة دون أن يذيبها. بهذا المعنى، هندسة العاطفة ليست شعارا، بل منهج: تحويل الانفعال إلى بنية، وتحويل البنية إلى إحساس.
وهكذا يصبح التجريد عند القصاب ليس هروبا من العالم، بل طريقة لإعادة قراءته. النوافذ في لوحاته ليست مغلقة، بل مشرعة على ضوء وجودي يمنح العمل حيويته، ويمنح المتلقي فرصة للمشاركة في فعل الرؤية ذاته.