سرت عاصمة جديدة… رهان على الجغرافيا لإنهاء الانقسام الليبي
سرت (ليبيا) – لم يعد الجدل الدائر في ليبيا يقتصر على شكل الحكومة المقبلة أو موعد الانتخابات المؤجلة، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمكان الدولة نفسها. فمع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، واحتفاظ كل طرف بمؤسساته ومراكز نفوذه، عادت مدينة سرت لتفرض نفسها بوصفها خياراً محتملاً لإعادة رسم الخريطة السياسية الليبية من خلال تحويلها إلى عاصمة توافقية يمكن أن تشكل نقطة التقاء بين مختلف مكونات البلاد.
ويعكس هذا الطرح إدراكا متزايدا لدى دوائر سياسية ليبية ودولية بأن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتعدد الحكومات أو تعثر المسار الانتخابي، وإنما أيضا بتمركز السلطة في مدينة ينظر إليها جزء من الليبيين باعتبارها امتدادا لنفوذ طرف دون آخر. ومن هنا برزت فكرة البحث عن مركز إداري وسياسي جديد يخفف من حدة الاستقطاب ويؤسس لمرحلة مختلفة تقوم على توزيع أكثر توازنا للسلطة.
وتأتي عودة مقترح سرت بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة يقودها المبعوث الأميركي مسعد بولس، في إطار جهود تستهدف تقريب وجهات النظر بين المؤسسات المتنافسة ودفع عملية توحيد الدولة. ويبدو أن النقاش حول العاصمة لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبح جزءا من مقاربة أوسع تبحث عن حلول غير تقليدية لعقدة الانقسام التي استعصت على التسويات طوال السنوات الماضية.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن سرت تمتلك ميزة جغرافية يصعب توافرها في أي مدينة ليبية أخرى، فهي تقع في منتصف الساحل الليبي تقريباً، وتشكل نقطة وصل بين طرابلس في الغرب وبنغازي في الشرق، كما ترتبط بطرق استراتيجية تؤدي إلى الجنوب عبر سبها، بما يجعلها عقدة مواصلات طبيعية بين الأقاليم التاريخية الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان.
ولا يقتصر الرهان على الموقع الجغرافي فحسب، بل يمتد إلى البعد السياسي الذي يمنح المدينة خصوصية مختلفة. فسرت لا تُعد امتداداً كاملاً لأي من مراكز النفوذ التقليدية، الأمر الذي يمنحها، نظرياً على الأقل، فرصة لأن تكون أرضاً محايدة نسبياً تحتضن المؤسسات السيادية بعيداً عن حساسيات الصراع بين الشرق والغرب.
وظلت العاصمة منذ سنوات إحدى القضايا الضمنية في النزاع الليبي، حتى وإن لم تُطرح دائماً بصورة مباشرة. ففي حين تتمسك طرابلس بمكانتها التاريخية باعتبارها العاصمة السياسية والإدارية، تنظر قوى في الشرق إلى استمرار تمركز مؤسسات الدولة فيها بوصفه تكريساً لاختلال ميزان السلطة والثروة، بينما ترى أطراف غربية أن أي نقل للمؤسسات إلى الشرق قد يخل بالتوازنات القائمة ويمنح خصومها أفضلية سياسية.
سرت تظهر خيارا ثالثا لا ينتمي إلى أي من معسكري الصراع، وهو ما قد يمنحها قدرة أكبر على احتضان مؤسسات الدولة الموحدة
ومن هذا المنطلق، يعتقد عدد من المراقبين أن إنشاء مركز إداري جديد قد يخفف من حساسية الصراع على العاصمة، عبر نقل المنافسة من معادلة الغلبة إلى معادلة الشراكة، بحيث تصبح مؤسسات الدولة ملكاً لجميع الليبيين لا امتيازا جغرافيا لطرف دون آخر.
وتحمل سرت في الوقت ذاته رمزية ثقيلة في الذاكرة الليبية. فقد كانت مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي، وآخر معاقله قبل مقتله عام 2011، قبل أن تتحول لاحقاً إلى أبرز معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، الذي أعلنها عاصمة لما سماه “ولاية برقة” قبل أن تستعيدها القوات الليبية بعد معارك عنيفة خلفت دمارا واسعا.
غير أن المدينة تحاول خلال السنوات الأخيرة إعادة تشكيل صورتها بعيداً عن إرث الحرب. فقد شهدت برامج لإعادة الإعمار وتأهيل الطرق والمرافق العامة، إلى جانب تطوير مطار خليج سرت الدولي، وتحسين الميناء، وإطلاق مشاريع في قطاعات الصحة والتعليم والإسكان، وهي خطوات يرى داعمو المشروع أنها تهيئ المدينة تدريجياً لاستقبال مؤسسات الدولة إذا ما توفرت الإرادة السياسية.
كما أن بناء مركز إداري جديد من الصفر قد يمنح ليبيا فرصة لتشييد عاصمة حديثة تتوافق مع متطلبات الدولة المعاصرة، بعيداً عن التكدس العمراني وتعقيدات البنية الإدارية التي تعاني منها المدن الكبرى، وهو نموذج سبق أن لجأت إليه دول عديدة عندما قررت إنشاء عواصم جديدة لتجاوز اختلالات سياسية أو تنموية.
ويحتل البعد الأمني مكانة أساسية في هذا النقاش. فالمؤيدون يرون أن نجاح أي سلطة مركزية يتطلب بيئة أمنية مستقرة لا تخضع لتأثير المجموعات المسلحة المتنافسة، وهو ما يجعل سرت، التي شهدت تراجعاً نسبياً في مستويات التوتر مقارنة بطرابلس خلال فترات عديدة، خياراً يمكن البناء عليه إذا جرى تحصين المدينة بترتيبات أمنية متوافق عليها وطنياً.
لكن هذا التصور لا يخلو من تحديات كبيرة. فتحويل مدينة متوسطة الحجم إلى عاصمة لدولة مترامية الأطراف يحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والإدارة والخدمات، فضلاً عن إنشاء مقار للوزارات والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات السيادية، وتأمين شبكات النقل والاتصالات والإسكان بما يتناسب مع وظائف العاصمة.
ويضاف إلى ذلك أن العقبة الأساسية ليست هندسية أو مالية، بل سياسية في المقام الأول. فنجاح المشروع يفترض قبولاً من القوى الفاعلة في الشرق والغرب بالتخلي عن جزء من الامتيازات التي يمنحها وجود مؤسسات الدولة داخل مناطق نفوذها، وهو أمر لا يزال يواجه حسابات معقدة ترتبط بتوازنات القوة أكثر مما ترتبط بالجغرافيا.
كما تبدي بعض الأوساط الدولية قدراً من الحذر تجاه هذا الخيار، انطلاقاً من خشيتها من أن يتحول نقل العاصمة إلى مصدر خلاف جديد إذا لم يأت ضمن اتفاق شامل يتناول شكل السلطة التنفيذية، وتوزيع الصلاحيات، وآليات توحيد المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وخريطة الطريق المؤدية إلى الانتخابات.
لذلك، فإن سرت لا تمثل في حد ذاتها حلاً للأزمة الليبية، بقدر ما تعبر عن محاولة لإعادة التفكير في أسس بناء الدولة بعد سنوات من الاستقطاب. فبدلاً من استمرار الصراع بين عاصمتين فعليتين، تطرح المدينة إمكانية قيام مركز جديد يرمز إلى الدولة الواحدة ويعكس توازناً بين مختلف الأقاليم.
وفي ظل تعثر المبادرات السياسية السابقة، قد تتحول سرت من مدينة ارتبط اسمها بالحروب والانقسامات إلى عنوان لمرحلة جديدة إذا نجحت القوى الليبية، بدعم إقليمي ودولي، في تحويل موقعها الجغرافي إلى قاعدة لتسوية سياسية شاملة. أما إذا بقيت الخلافات حول تقاسم النفوذ أقوى من منطق الدولة، فإن أي حديث عن عاصمة توافقية سيظل فكرة جاذبة على الورق، لكنها عاجزة عن إنهاء أزمة تعود جذورها إلى الصراع على السلطة أكثر مما تعود إلى موقعها على الخريطة.