رحيل صالح الفرزيط يذكّر بالجزء المنسي من الثقافة التونسية

الفن الشعبي التونسي: لماذا يهمّش ويغيب عن المهرجانات الكبرى والتكريمات؟
الأحد 2026/07/19
أحد المؤسسين للفن الشعبي التونسي بشكله المعاصر

يقول أفلاطون "إذا أردت أن تعرف شعبا فتعرف على موسيقاه"، موسيقاه في العموم، بما فيها تلك الشعبية أو "الفلكلورية" فهي اللسان الأصدق تعبيرا عن هموم العامة، هي الأكثر احتفاء بأفراحهم وهي الأكثر نحيبا على أوجاعهم وأحزانهم.

ولو ألقيت نظرة سريعة على هذا الكوكب، لوجدت أن أغلب شعوب الأرض تحتفي بموسيقاها الشعبية، تفتخر بفنانيها الشعبيين، وخاصة الرواد منهم، وحدها تونس تنتهج سياسة التهميش والدونية واللامبالاة، وكأن الفنانين الشعبيين لم يخطوا يوما أسماءهم في سجل الفن التونسي، ولم يكن لهم جمهور كبير يحبهم ويتابع إنتاجهم وأخبارهم.

أكتب هذه الكلمات وأنا أنعى -كالكثير من التونسيين -الفنان الشعبي صالح الفرزيط، الذي يعد أحد "أقطاب" الموسيقى الشعبية في تونس، ويمتد صيته إلى دول الجوار التي تشاركنا بعضا من خصوصيات الهوية الثقافية.

جاء خبر وفاة الفنان الشعبي صالح الفرزيط الذي انتشر منذ ليلة السبت، 18 يوليو الجاري، كتذكير بمدى التهميش الذي يعانيه فنانو الموسيقى الشعبية، ومرآة تعكس خللا عميقا في السياسة الثقافية، التي ما زالت، منذ عقود، تتعامل مع الفن الشعبي وكأنه فن من الدرجة الثالثة، وبالتالي يجب أن يظل حبيس حفلات الأعراس والمهرجانات الصغرى أو تلك المخصصة للأحياء الفقيرة والشعبية. كل هذا يحدث رغم أنه الفن الأقرب إلى الناس، والأصدق في التعبير عن أفراحهم وأحزانهم ولهجتهم وذاكرتهم الجماعية.

◄ الجهات التي تتحدث كثيرا عن حماية التراث، تغفل أحيانا عن أهم حراسه، فالفن الشعبي هو جزء من التراث اللامادي، ومن الهوية الوطنية، ومن الذاكرة الجماعية

صالح الفرزيط الذي ولد عام 1953، ظل يصارع الموت جراء حادث مرور تعرض له في ديسمبر 2025، دخل على إثره في غيبوبة طويلة. يومها، أطلقت عائلته وعدد من الإعلاميين، وفي مقدمتهم عبدالرزاق الشابي، نداءات متكررة من أجل التدخل لإنقاذه وتأمين الرعاية الطبية التي تليق بقيمة فنان أفنى عمره في خدمة الأغنية الشعبية، لكن تلك النداءات مرت وكأنها لم تكن. وظل الفنان طوال أشهر غائبا عن الوعي في منزله.

المؤلم في ما حدث مع الفرزيط، والتجاهل لكل الدعوات المنادية بضرورة التدخل الرسمي والوقوف إلى جانبه وجانب أسرته في محنتهم، هو وقوفنا على النظرة التونسية الراسخة تجاه الفن الشعبي، فلو كان الفنان ينتمي إلى لون موسيقي آخر، أو كان من الأسماء التي تحظى برضا المؤسسات الثقافية، لربما شاهدنا بيانات تضامن، وزيارات رسمية، وتكفلا بالعلاج، واهتماما إعلاميا واسعا. أما حين تعلق الأمر بفنان شعبي، فإن الصمت هو سيد الموقف.

هذا الموقف يتجاوز كونه مصادفة، إنه امتداد لسياسة ثقافية مستمرة منذ عقود، تشكلت منذ ما بعد استقلال تونس، في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة، واستمرت بدرجات متفاوتة في عهد زين العابدين بن علي، حيث جرى تقديم نموذج ثقافي يربط الحداثة والمدنية بفنون معينة، بينما ربط الفن الشعبي بالهامش، الذي لا يرغب أحد في الانتباه إليه، وكأنه أقل قيمة أو أقل رقيّا. والحقيقة أن الفن الشعبي لم يكن يوما نقيضا للمدنية، بل كان اللسان الحقيقي للناس، وحافظا لذاكرتهم، وسجلا خالدا لمشاعرهم اليومية.

كان صالح الفرزيط واحدا من أبرز رواد أغنية المزود في تونس، وهو الفن الذي خرج من الأزقة والأحياء والأسواق ليحكي قصص الناس البسطاء، قبل أن يصبح جزءا من الهوية الموسيقية التونسية. بدأ مسيرته منذ سبعينيات القرن الماضي، ونجح في تطوير الأغنية الشعبية مع الحفاظ على روحها الأصيلة، حتى صار اسمه من الأسماء المؤسسة لهذا اللون الغنائي. غاب لفترة طويلة، ثم عاد بمحض صدفة، ليعيد ظهوره إحياء الأغنية الشعبية بأصوات شابة، ويسهم في كسر الأسوار الشاهقة حول الفن الشعبي، وبعد أن كان حبيس المناطق الشعبية، صار يحظى بحرية أكبر وتسمعه كل طبقات المجتمع.

ولعل أكثر ما ظلم صالح الفرزيط أن كثيرين اختزلوه في صفة "مطرب شعبي"، بينما كان في الحقيقة شاعرا يكتب بأكثر من لغة وفنانا ذا موقف يترفع عن اختزاله في "العرابن" (أي اتفاقيات الحفلات والأعراس) ويدرك تماما قوة الكلمة وتأثير الأغنية في تشكيل الوعي، وبعض أغنياته كانت سهاما تصيب الهدف السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي بدقة.

كان يعرف كيف يقول ما يعجز كثيرون عن التصريح به، لا يخاف الاعتراف بأخطائه ولا بتوجيه النقد لحياة الفن، يعرف كيف يحول الأغنية الشعبية إلى مساحة للنقد والسخرية والاحتجاج، دون أن تفقد قربها من الناس أو تفقد عفوية طرحها. وحين سُئل مرة لماذا لا يرقص على أغنياته حين يؤديها كما يفعل أغلب الفنانين الشعبيين، قال: "لا أحب أن أرقص، كيف أرقص وأنا أغني كلمات حزينة؟".

ولأن الكلمة الجريئة كانت دائما جزءا من شخصيته، دفع الفرزيط ثمن مواقفه، فدخل السجن وقضى فيه فترة طويلة، هناك كتب أغلب أغنياته وكون فرقة للفن الشعبي بإشراف المؤسسة السجنية وأحيا حفلات في مهرجانات داخلية، وهناك أيضا كتب أغنية "روف علينا يا لميمة" وهي ربما الأشهر ضمن مسيرته، والتي كتبها داخل السجن عام 1976، ولا تزال تُردد إلى اليوم، وقدمها فنانون تونسيوون وأجانب من بينهم المصري حمزة نمرة.

هذه الأغنية التي كانت لسنوات محظورة، فقد غناها صاحبها مناشدا الرئيس بورقيبة العفو عنه، هذه الأغنية بالذات هي تجربة تؤكد أن الأغنية الشعبية في تونس كانت في جزء منها منبرا للمقاومة الثقافية والتعبير عن الظلم والمظلومين.

 

◄ صالح الفرزيط كان واحدا من أبرز رواد أغنية المزود في تونس، وهو الفن الذي خرج من الأزقة والأحياء والأسواق ليحكي قصص الناس البسطاء، قبل أن يصبح جزءا من الهوية الموسيقية التونسية

والحديث عن الفرزيط هو حديث عن فنان عانى من التضييقات وتم تهميشه، لكنه ورغم كل محاولات التهميش، بقيت أغانيه حاضرة في الذاكرة التونسية، بعض الناس كانوا يعرفونه من أغنياته، لكنهم لا يعرفون شكله حتى، لأنه كان يغني بلغة تشبههم، ولذلك بقي قريبا منهم أكثر من أي اعتراف رسمي.

حتى أغنيته المثيرة للجدل "شريقي بيقي بو"، فقد قال مرة إنه كتبها عام 1981، حين لاحظ تزايد حركة الهجرة إلى فرنسا وأن أفراد الجالية التونسية بالخارج يغيرون كلامهم بمجرد أن يعيشوا لأشهر قليلة في الغربة، ورغم أن كلمات الأغنية لا معنى واضحا وصريحا لها، لكنه ينتقد من خلالها اللهجات الهجينة والأسلوب الغريب للناس الذين يتكلمون لغات متنوعة في الآن نفسه، وتجدهم مثلا يجمعون كلمات فرنسية مع كلمات عربية، أو كلمات فرنسية معربة تعريبا حرفيا.

المفارقة أن الجهات التي تتحدث كثيرا عن حماية التراث، تغفل أحيانا عن أهم حراسه، فالفن الشعبي هو جزء من التراث اللامادي، ومن الهوية الوطنية، ومن الذاكرة الجماعية. اليوم المدونة الثقافية التونسية ليس فيها إصدارات أو أفلام أو أعمال فنية توثق لهذا الجزء المهم من تاريخ البلاد، وإن وجدت فإنها مبادرات فردية نادرة، وبالتالي، حين يهمش الفنان الشعبي فإن الذي يُهمَّش في الحقيقة هو جزء من هوية تونس نفسها.

الفرزيط لم يكن أول الراحلين، قبله رحل لطفي جرمانة ولطفي الورغمي وأشرف وبلقاسم بوقنة والكثيرون، وكل فترة يرحل فنان شعبي آخر، تاركا خلفه إرثا غنائيا كبيرا، فتنعاه وزارة الثقافة وتمضي غير مبالية بمن تبقى من الفنانين الشعبيين وخاصة الرواد منهم، وفي حين تستثمر دول مجاورة في إرث أبنائها الفنانين وتحوله إلى متاحف وأفلام وحكايات سمعية وبصرية تتداولها الأجيال، وتفتخر بها وتروج لها خارج أراضيها، يظل التساؤل قائما في تونس: لماذا تصر المؤسسات الثقافية على معاملة الفن الشعبي كضيف ثقيل، بينما يحتضنه الشعب بوصفه صوته الحقيقي؟ لماذا يظل هذا اللون الفني خارج الدعم والتكريم، رغم أنه الأكثر انتشارا والأشد التصاقا بالناس؟ لماذا يُحتفى بأسماء قليلة دونا عن غيرها؟ كيف ستتصدى المؤسسات الرسمية لسرقة التراث الموسيقي؟ وكيف ستشرف على مراقبة عمليات التهذيب وضمان حقوق التأليف والحقوق المجاورة، إن لم تكن تتعامل بذات الحياد والمسافة مع كل الأنماط الفنية؟