"دواية للفنون" علامة تشكيلية ليبية تربط بين أجيال من الفنانين
تحضر المؤسسات الفنية الخاصة ومن بينها "دواية للفنون" بصفتها عنصرا مهما في حركة الفن الليبي المعاصر، حيث تجتهد بإستراتيجيات مدروسة لإثراء الساحة بمعارض وتجارب ونماذج مميزة تمزج بين التمسك بالطابع المحلي والالتزام بالانفتاح على الرؤى العالمية المعاصرة. لذلك أصبحت دواية في سنوات قليلة رمزا للفن الليبي ومساحة جامعة لتيارات فنية وأجيال مختلفة.
الكثير من المحاولات الجادة كانت قد أسهمت في رسم المشهد التشكيلي الليبي منذ بداية تشكله، خصوصا بعد أن أصبحت هناك كيانات ثقافية خارج المؤسسة الرسمية للدولة، فكانت الدار الليبية للفنون ودار الفنون وبعدها بسنوات بيت إسكندر في طرابلس، وبراح الثقافة في بنغازي من أهم المشاريع الجديدة الجادة والمستمرة في نشاطها الداعم للفنون بشكل خاص وللثقافة بشكل عام، متخذة من المجهود الخاص بديلا عن الدولة ودورها المنوطة به كل مؤسساتها الرسمية من وزارة ثقافة وما يتبعها من أجسام ما زالت قائمة بشكلها الصوري ودون أي فائدة تذكر.
جاء إعلان سنة 2018 عن تأسيس منظمة “دواية للفنون” ليكون إضافة مهمة للمشهد التشكيلي الليبي، فهي مؤسسة ليبية غير حكومية أنشئت من قبل مجموعة من الفنانين والخطاطين، كان من أهم اهتماماتهم ترسيخ الفنون البصرية وخاصة الحروفية التي كانت في المنطقة الوسطى بين فن الرسم وفن الخط، كمجال للكثير من المتخصصين في هذا الاتجاه فجاءت كحدث دائم طويل النفس في إقامة دورية بموعد منتظم كل سنة، لتجتمع المجموعة المؤسسة من الفنانين بالإضافة إلى دعوة أكثر من فنان مشارك جديد كل سنة، محاولة إضفاء طابع التجديد والتنوع وعدم الوقوع في التكرار والسير في اتجاه توسيع مجال الرؤى المعروضة والمتفاعلة معها في هذا الحدث الفني المهم.

أصبحت “دواية للفنون” خلال سنوات علامة تشكيلية ليبية خالصة تمثل انعكاسا لجزء مهم من المشهد التشكيلي الليبي المعاصر وعلامة فارقة في مسيرته، وكان هذا من حيث اختصاصها التشكيلي ومراعاة جودة المنتج والاختيار والترتيبات وطريقة العرض في كل نسخة، وكان من أهم نتائجها الدفع بالعديد من الفنانين الجدد إلى المشاركة وتقديم تجاربهم للجمهور وتمكينهم من الدخول إلى الساحة الفنية بأسرع الطرق، وخصوصا أولئك الذين يمتلكون الموهبة والمقدرة على الإبداع والاستمرار في هذا المجال، لأن اختيارات اللجنة المشرفة على المؤسسة لهذه المشاركات تكون فائقة الدقة، لضمان المحافظة على المستوى الرفيع للحدث وتقديمه في أجمل صورة.
دائما المجهود في أي تأسيس أو صناعة حدث فني يقع على عاتق أفراد يأخذون زمام المبادرة والتطوع وبذل الكثير من الجهود للنهوض بالمشهد واستكمال الصور الكلية، فكان الآباء المؤسسون لملتقى دواية للحروفية والرسم هم الفنان محمد الخروبي والفنان أحمد البارودي والفنان الفوتوغرافي ساسي حريب والفنان رضوان الزناتي والعديد من الخطاطين والرسامين الذين كان لهم دور في إضافة ألق الحضور والمشاركة الفاعلة في الملتقى من فنانين مشاركين من ليبيا ودول الجوار مثل تونس والجزائر والمغرب وسوريا ومصر، ما وسع من دائرة انتشاره خصوصا أن أكثر من نسخة للحدث تم عرضها في ليبيا وتونس فأضفت عليه الطابع الإقليمي الذي تجاوز حدود الوطن.
تهدف “دواية للفنون” من خلال ما جاء في البيان الخاص بها إلى إبراز القيمة الجمالية للحرف العربي ونقله من مجرد لغة إلى عنصر بصري فني من خلال المعارض والورش والندوات، وهذه الأهداف أعلن عنها من قبل كل من حاول التعبير الفني عبر الحرف والتشكيل في مركب واحد كما جاءت تجارب الفنان الليبي علي عمر أرميص. لكن الجديد أن مجموعة “دواية للفنون” نجحت في تحقيق الهدف أو الكثير منه من خلال فعالياتها المستمرة وعبر التواصل مع الجمهور في القاعات والفضاءات العامة بأدوات معاصرة مكنتها من تحقيق الانتشار للفن التشكيلي بشكل عام ولفن الحروفية والطباعة بشكل خاص وعبور خطوات مهمة في مشوارها المديد.
ومع إسدال الستار على فعاليات المعرض تحت عنوان “النسخة العاشرة 2025” الذي اختُتمت فعالياته بنجاح الأسبوع الماضي، علينا أن نؤكد أن مؤسسة “دواية” قد نجحت مجددًا في ترسيخ مكانتها كمنارة للفنون والحروفية في ليبيا والدول المجاورة.
لقد كان الحدث الفني المميز الذي أقيم في بيت العز بالمدينة القديمة طرابلس خلال الفترة من 25 إلى 30 أكتوبر تتويجًا لمسيرة “دواية”، حيث لم يقتصر التميز على المشاركات الليبية فحسب، بل زادتها رونقًا المشاركات الخارجية الأنيقة من تونس والجزائر والكويت.
شارك في هذا الحدث الفني من تونس: الفنان مجدي بوخشانة والفنان عبدالله عكار، ومن الجزائر الفنان خالد السباع والفنان عبدالحق جلاب والفنان عيسى بودودة، ومن الكويت الفنان جاسم معراج، أما المشاركات الليبية فضمت كلا من الفنان محمد الخروبي والفنان أحمد البارودي والفنان لؤي أبورويس والفنان أحمد الأمين الزايدي.
ومما ضاعف من قيمة هذه النسخة هو الاستقبال والتفاعل الكبير الذي حظي به المعرض، حيث كان التفاعل والإشادة من جمهور غفير من المهتمين بالشأن الثقافي والفني دليلًا على تعطش الساحة لمثل هذه المبادرة. وقد تجلى هذا الاهتمام بحضور عدد من السفارات المعتمدة بدولة ليبيا، إلى جانب كوكبة من الفنانين والكتاب والمثقفين الليبيين، والمهتمين من الدارسين وطلاب كليات الفنون والعمارة. كما شهد الحدث حضورًا وافرًا من القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية المحلية والعربية، مما عكس أهميته على المستويين المحلي والإقليمي.
إن النجاح اللافت للنسخة العاشرة يضع حجر الأساس لمستقبل أكثر إشراقًا. فـ”دواية للفنون” ليست مجرد مؤسسة، بل هي حركة فنية متجددة تؤمن بقوة الكلمة وجمالية الحرف وقدرة الفن على تجاوز الحدود، مقدمةً بذلك جسرًا ثقافيًا يربط بين الأجيال ويعزز الهوية. نتطلع بشغف إلى ما ستحمله السنوات القادمة من إبداعات جديدة تحت مظلة هذه المؤسسة الرائدة.