دبلوماسية الضرورة: كيف أعاد هرمز تعريف الدور القطري؟
إلى وقت قريب، كانت الدوحة تنظر إلى الوساطة باعتبارها استثماراً دبلوماسياً محسوباً: تتحدث مع الخصوم الذين تعجز العواصم الأخرى عن جمعهم، وتستضيف مفاوضات يصعب توفير شروطها في أماكن أخرى. أما اليوم، فقد أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً، لأن الأزمة نفسها اقتربت من المصالح الحيوية لقطر، ولم تعد مجرد أزمة يمكن إدارتها من مسافة آمنة.
فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يجري بعيداً عنها، ولا تستطيع الدوحة التعامل معه باعتباره نزاعاً بين قوتين يمكن مراقبته من الخارج، حتى وهي تحاول البقاء خارج دائرة المواجهة. ومن هنا تغيرت وظيفة الوساطة: لم تعد مجرد أداة لبناء النفوذ الدبلوماسي، وإنما تحولت تدريجياً إلى وسيلة لحماية المصالح الوطنية وتقليص المخاطر التي يمكن أن تنتج عن انفجار الصراع.
وتملك قطر مجموعة من المقومات التي تجعلها وسيطاً ذا قيمة في هذه المعادلة: علاقات أمنية وسياسية وثيقة مع الولايات المتحدة، وقناة اتصال مفتوحة مع إيران، وخبرة تراكمية في إدارة المفاوضات والأزمات، فضلاً عن قدرة على التواصل مع أطراف يصعب على عواصم أخرى الوصول إليها بالسهولة نفسها. لكن هذه المزايا، التي صنعت قوة الدوحة الدبلوماسية، تتحول في ظروف التصعيد إلى مسؤولية ثقيلة.
فقطر تستضيف واحدة من أهم القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وتقع في الوقت نفسه على مقربة جغرافية من إيران، وتطل على الخليج الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم. وإلى جانب ذلك، يرتبط وزنها الاقتصادي بقدرتها على إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي اضطراب واسع في الخليج لا يمكن أن يبقى بالنسبة إلى الدوحة مجرد تطور في السياسة الخارجية، بل يتحول سريعاً إلى مسألة تتصل مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي.
لهذا تبدو الوساطة القطرية في المرحلة الراهنة مختلفة عن الوساطات السابقة. فالدوحة لا تحاول فقط منع خصمين من الذهاب إلى الحرب، بل تحاول أيضاً منع تداعيات الحرب من الوصول إليها.
الدول الكبرى تستطيع، في بعض الحالات، امتصاص كلفة الحرب لأنها تمتلك عمقاً جغرافياً واقتصادياً وعسكرياً يسمح لها باستيعاب الصدمات وإعادة توزيع أعبائها. أما قطر، فجزء كبير من قوتها يقوم على عوامل أكثر حساسية: اقتصاد شديد الانفتاح، ومجال جغرافي محدود، واعتماد كبير على استقرار طرق التجارة والطاقة، وشراكة أمنية وثيقة مع قوة عسكرية كبرى، بالتوازي مع ضرورة الحفاظ على قنوات اتصال مع خصوم تلك القوة.
إنها تركيبة تمنح الدوحة نفوذاً استثنائياً في زمن الاستقرار، لكنها تجعل هامش المناورة أكثر ضيقاً عندما يتحول التوتر إلى مواجهة مفتوحة.
ومن هنا يمكن فهم ما يبدو أحياناً ازدواجية في السياسة القطرية: قاعدة العديد من جهة، وقناة الاتصال مع طهران من جهة أخرى.
في القراءة السريعة، قد تبدو المعادلة متناقضة: كيف يمكن لدولة أن تكون شريكاً أمنياً رئيسياً لواشنطن، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقة تسمح لها بالتواصل المباشر مع إيران؟
الدوحة لا تستطيع الاستغناء عن واشنطن ولا تستطيع تجاهل طهران؛ الأولى توفر لها مظلة أمنية والثانية جارتها الجغرافية التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها قوة بعيدة
لكن ما يبدو تناقضاً هو في الواقع أحد أعمدة الإستراتيجية القطرية. فالدوحة لا تستطيع الاستغناء عن واشنطن، ولا تستطيع في المقابل تجاهل طهران. الأولى توفر لها مظلة أمنية وسياسية يصعب تعويضها، والثانية قوة إقليمية مجاورة لا يمكن التعامل معها باعتبارها طرفاً بعيداً عن الحسابات الخليجية. ولذلك فإن الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الطرفين ليس استعراضاً دبلوماسياً، بل محاولة لتقليل مخاطر الاعتماد الكامل على طرف واحد، والحفاظ على مساحة للحركة عندما تضيق الخيارات.
غير أن الأزمات الكبرى تختبر هذه الإستراتيجية عند نقطة ضعفها الأساسية: ماذا يحدث عندما تتسع الفجوة بين المصالح الأميركية والإيرانية إلى درجة تجعل من الصعب على قطر أن تحافظ على المسافة نفسها من الطرفين؟
عندها لا يعود السؤال ما إذا كانت قطر قادرة على التوسط، بل ما إذا كانت قادرة على التوسط من دون أن تتحول، في نظر أحد الطرفين أو كليهما، إلى جزء من الصراع.
وهذه مهمة أكثر صعوبة. فالوسيط يحتاج قبل كل شيء إلى الثقة. وفي أجواء الحرب، تصبح الاتصالات موضع شك، والرسائل قابلة للتأويل، والتحركات الدبلوماسية عرضة لأن تُقرأ باعتبارها انحيازاً مقنعاً. وإذا أرادت الدوحة الحفاظ على مصداقيتها لدى واشنطن وطهران في آن واحد، فعليها أن تقنع كل طرف بأن اتصالها بالطرف الآخر لا يعني العمل ضده.
وهذه معادلة لا يمكن ضمانها بصورة دائمة. لكن هناك سبباً أكثر مباشرة يجعل قطر معنية بنجاح الوساطة: الطاقة.
في أوقات الاستقرار، يمكن التعامل مع الغاز الطبيعي المسال باعتباره سلعة استراتيجية ذات قيمة اقتصادية عالية. أما في أوقات الأزمات، فإنه يتحول إلى عنصر من عناصر القوة الجيوسياسية. قطر ليست مجرد دولة مصدرة للغاز، بل أحد اللاعبين المؤثرين في أمن الطاقة لعدد من الاقتصادات الكبرى. ولذلك فإن أي تهديد للممرات البحرية في الخليج يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويعيد تشكيل توقعات الأسواق، ويدفع الدول المستوردة إلى البحث عن إجابة لسؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن ضمان استمرار تدفق الطاقة في بيئة بحرية غير مستقرة؟
ومضيق هرمز يقع في قلب هذه المعادلة.
فحتى من دون إغلاق كامل للمضيق، يكفي ارتفاع مستوى المخاطر فيه لتتغير حسابات شركات الشحن والتأمين والطاقة. الأسواق لا تحتاج إلى توقف التجارة بالكامل حتى تشعر بالأزمة؛ يكفي أن يصبح الطريق أكثر كلفة وخطورة. وعندما ترتفع أقساط التأمين، وتزداد كلفة النقل، وتتراجع قدرة الناقلات على العمل وفق جداولها الطبيعية، تنتقل الأزمة تلقائياً من المجال العسكري إلى الاقتصاد العالمي.
وهنا تجد الدوحة نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية. فهي تريد استمرار صادرات الغاز، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة بحرية مستقرة تسمح لناقلاتها بالوصول إلى الأسواق العالمية. ولا تستطيع دولة يعتمد جزء أساسي من اقتصادها على تصدير الطاقة بحراً أن تتعامل مع أمن الملاحة باعتباره قضية خارجية محضة.
لذلك فإن حماية الملاحة بالنسبة إلى قطر ليست التزاماً دبلوماسياً فقط؛ إنها جزء مباشر من أمنها الاقتصادي.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم القيمة المتزايدة للوساطة القطرية. فإذا نجحت الدوحة في منع تصعيد يؤدي إلى اضطراب الملاحة، فإنها لا تحقق مكسباً دبلوماسياً فحسب، بل تحمي أيضاً مصالحها الاقتصادية وأمنها الوطني، حتى لو لم تتمكن من الوصول إلى اتفاق سياسي شامل بين واشنطن وطهران.
وهذا يقود إلى فهم أكثر واقعية لما تستطيع قطر أن تفعله، وما لا تستطيع فعله