خالد المبارك يواجه عتمة الواقع بسريالية طائره المهلهل
يرتكز المشروع الجمالي للفنان العراقي خالد المبارك، الممتد عبر خمسة عقود، على فلسفة واعية تواجه عتمة الواقع المتصدع بسحر المخيلة البدئية. ومن منبع الأسطورة السومرية وذاكرة الأهوار، ينسج النحات والرسام فضاء سرياليا مركزيا تسكنه الغابة البكر، ويقوده طائر المهلهل كدليل روحي يبث قيم الوفاء والخصوبة والخلود.
“رغم العتمة التي نعيش، هناك عالم جميل يكمن في مخيلتنا”. بهذه الجملة الافتتاحية يلخص النحات والرسام خالد المبارك، المولود في البصرة عام 1958، فلسفة مشروعه الجمالي الممتد على خمسة عقود. لا يبحث المبارك عن الهروب من واقع متصدع، بل يفتح كوة في جدار “العتمة” ليتسلل منها نور متخيل. أداة هذا التسلل ليست فكرة مجردة، بل كائن بصري حيّ: “طائر المهلهل”.
طائر المهلهل عند المبارك ليس زخرفة ولا توقيعا شكليا، هو رفيق رحلة، بوصلة روحية، ومفتاح تأويل. طائر صغير بمنقار يميل إلى الحمرة وريش أبيض يلتقط قزح البيئة الشرقية، اتخذه أهل الأهوار في جنوب العراق رمزا للبشارة. حوّله الفنان إلى جناحين يحلق بهما فوق مدنه، يزورها ويعود ويرتحل ثانية، في حركة لا تنتهي. هكذا صارت “الرحلة تطول”، وصار الفن عنده فعل اغتراب إيجابي: ابتعاد عن الواقع كي نعود إليه ببصيرة أعمق.
من كلكامش إلى غابة البدايات
استقى المبارك مشروعه الفكري من منبعين متلازمين: الأسطورة العراقية القديمة، والحكاية الشعبية الجنوبية. منذ أكثر من خمسة عقود وهو يحفر في حكايات كلكامش الباحث عن الخلود، وفي ذاكرة الأهوار حيث يتجاور المقدس واليومي. لم يكن بحثه أرشيفيا باردا، بل استنطاقا حيا لعبق الإنسانية الخالدة التي اختبرها الإنسان العراقي الأول.
هذه الجذور أنتجت عنده فضاء بصريا مركزيا سمّاه “الغابة البكر”. ليست غابة جغرافية، بل غابة كونية وارفة الأغصان، تجمع الزاحف والراجل، المفترس والأليف، في حالة تصالح بدئي. هي صورة افتراضية لعالم ما قبل السقوط: آدم وحواء بفطرتهما الطبيعية، عاريان من ورقة التوت ليس عريا جسديا بل عري أخلاقي من نوازع الشر والبغض والحسد. في هذه الغابة لا قوي ولا ضعيف، لا أفعى تخاف ولا طائر يُصاد. الكل متآلف تحت مظلة الحب الإنساني الخالص.
اللون عند المبارك في هذه الغابة ليس ديكورا. الأخضر والبنفسجي يتعانقان مع أجنحة الطيور البيضاء ليشكلا معجما لونيا يرمز إلى الحب والحكمة والنمو والأمل والخصوبة والنبل والخلود والوفاء. هكذا تحوّلت الغابة إلى رومانسية مفترضة لكنها ضرورية: نموذج مثالي يقيس به الفنان انحرافات الحاضر.
تخصص المبارك أكاديميا في فن النحت، فهو حاصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة عام 1981 وبكالوريوس أكاديمية بغداد عام 1985، درّس النحت في معهد وكلية الفنون الجميلة بالبصرة بين 1988 و1992، لكنه لم يحصر نفسه في الكتلة والحجر، بل طور شغفا عميقا بالرسم الزيتي والأكريليك والتخطيط بالحبر والفحم، فاتسعت أدواته تعبيرا كما ونوعا.
جميع أعماله تنتمي إلى مذهب سريالي شخصي، قائم على مفردات واقعية/ رمزية. كما وجد فرويد مفتاح تعقيدات النفس في الأحلام، وجد المبارك إلهامه في محتوى اللاوعي المكبوت، لكنه لا يكتفي بتمثيل الحلم حرفيا. هدفه التقرب من طبقات اللاوعي، ثم مزجها بأنماط الفن الاعتيادي لإنتاج “تنبؤ رؤيوي مستيقظ”. هذا التنبؤ ليس هذيانا. هو رؤية لمستقبل مثالي بعيد عن مخلفات الدمار الحضاري وضوضاء الازدحام السلبي. السريالية عنده إذن ليست انفصالا عن الواقع، بل أداة نقد واستشراف. يحفر في اللاوعي كي يعيد بناء وعي جمعي بديل، أنظف وأهدأ وأكثر ألفة.
وإذا كانت الغابة هي المكان، فإن طائر المهلهل هو الدليل. اختاره المبارك رمزا متوازيا مع أسلوبه: متوازن، هادئ، بشير خير. يصفه الفنان بأنه “صديقه النبيل” الذي يستعين بجناحيه الكبيرين ليحلق بعيدا، يزور مدنه ويعود. دلالة الطائر متعددة الطبقات:
- روحيا: هو تجسيد للأمل الذي لا يموت رغم العتمة. جناحاه يرفعان الفنان والمتلقي معا فوق الواقع الجريح.
- ثقافيا: ارتباطه بأهوار الجنوب يجعل منه حامل هوية محلية، يذكّر بأن الجمال يمكن أن ينبع من البيئة الأقرب.
- جماليا: منقاره الأحمر وريشه الأبيض القزحي يشكلان تبايناً لونياً يفتح اللوحة على إمكانات بصرية جديدة، ويكسر رتابة الأبيض والأسود الذي تفرضه “العتمة”.
بهذا الطائر ينتقل المبارك من الفنان الواصف إلى الفنان المسافر. لا يرسم مشهداً، بل يرسم حركة. و”الرحلة تطول” لأن سؤال الإنسان عن الخلود والسلام لا ينتهي.
من الخاص إلى العام
تجربة خالد المبارك لا تُقرأ في لوحة واحدة، بل في مسار نشاطات متتابع، ينتقل به من المعمل إلى الشارع، ومن القاعة إلى المدينة: بدأ بدبلوم النحت ثم البكالوريوس. درّس النحت في البصرة حتى عام 1992، وساهم في تأسيس كلية الفنون هناك عام 1992، وشغل منصب مدير المعارض في نقابة التشكيليين بالبصرة عام 1995. هذه المرحلة رسّخت يده النحتية ومنطقه الأكاديمي.
انطلقت معارضه الشخصية بمعرض “تخطيط” في البصرة عام 1979، ثم “شناشيل” عام 1982، و”زقاق ومدينة” في بغداد عام 1983. في عام 1991 قدّم “نحت ورسم” بجامعة البصرة، وفي عام 1992 معرض “الرواق” ببغداد، وصولا إلى “حلم” عام 1995. كانت هذه المحطات مختبره الأول لصياغة لغته بين الكتلة والسطح.
مع مهرجان بابل الدولي قدّم “تراتيل الغابة” عام 1998 و”قصص وأساطير” عام 1999، معلنا انتماءه إلى فضاء الغابة البكر. تبعتها معارض في عمان وبغداد عام 2000، ومعرض في عالية/ لبنان عام 2002 حيث أنجز نصب “كلكامش يرقد بين الأعشاب”. هنا اكتملت علاقته بالأسطورة والفضاء المفتوح.
شارك في سمبوزيومات عالية واهدن بلبنان، وفي الدوحة عاصمة الثقافة العربية عام 2010، ومعارض في قطر والإمارات وتونس وفرنسا ومسقط. عام 2013 قدّم “كائنات تلامس سطح اللوحة” ضمن بغداد عاصمة الثقافة العربية.
في عام 2014 أطلق مشروعه المتنقل “تماثيلي تضيء العتمة” وجال به البصرة وذي قار والجزائر.
من عام 2014، بدأ المعرض الشامل المتنقل “تماثيلي تضيء العتمة”، هذا المشروع هو خلاصة مرحلته. أكثر من 40 عملا زيتيا وكرافيكا ومنحوتا، بوحدة موضوعية واحدة: “الأمل الإنساني” للعراقي خصوصا وللإنسان عموما، انطلق من مهرجان الشعر في البصرة، مرورا بالناصرية والعمارة وبغداد، ثم إلى الجزائر، مع خطة لنقله إلى مدن عربية أخرى. الاسم نفسه إعلان برنامج: الفن كفعل إنارة في زمن العتمة.
إلى جانب اللوحة أنجز المبارك سلسلة نصب تثبت فنه في الذاكرة الحضرية: نصب كلكامش في عالية عام 2002، نصب البصرة عاصمة الثقافة عام 2008، نصب الجنائن المعلقة ببابل عام 2008، نصب المرأة العراقية بأبونواس عام 2009، نصب التآخي عام 2010.
وذروة هذا المسار كان “نصب السلام” في ساحة حافظ القاضي بشارع الرشيد، افتتح عام 2017، بعد سنة ونصف السنة من العمل عليه، وزن النصب نحو 5 أطنان، من البرونز والألمنيوم والفافون والحديد المجلفن. فكرته تحكي قصة العراقيين: دجلة والفرات في عناق أزلي كرمز للكرخ والرصافة، حمامة السلام تعلوه، وعجلة ذات وجهين: الماضي حضارة، والحاضر مستقبل. العمل استغرق 15 شهرا في ظروف صعبة، تعرض خلالها الفنان لحادث سير وتمزق ساعده الأيمن، وفُقدت أجزاء من النصب بفعل السرقة، لكنه أصر حتى اكتمل، اليوم النصب بصمة في شارع الرشيد، يترك أثره لدى كل مارّ.
وبمناسبة يوم بغداد، وبالتعاون مع مصرف الجنوب الإسلامي وأمانة بغداد، كُلّف المبارك بنفسه بصيانة وترميم “نصب السلام”. المبادرة تحمل رمزية مضاعفة: الفنان يعود ليضمد جرح عمله، كما يضمد جرح المدينة.
فن يضيء العتمة
لا يقدّم المبارك وهما مثاليا، فهو يعترف بالعتمة أولا، ثم يبحث عن النور داخل المخيلة. منحوتاته ولوحاته “تضيء بعضا من العتمة التي نعيشها”. الإضاءة هنا ليست إنكارا للألم، بل مقاومة له. الغابة البكر عنده ذكرى ماض بعيد، لكنها أيضا مشروع مستقبل. كلما اقترب الفنان من هذا العالم الساحر، اقترب المتلقي معه، طائر المهلهل لا ينقلنا إلى عالم آخر، بل يذكّرنا بأن العالم الآخر ممكن، إن أعدنا ترتيب قيمنا.
نقاط القوة والرهانات عند الفنان مبارك تكمن في: الوحدة الرمزية: ربط الغابة بالطائر وبالنصب يخلق خطاباً بصرياً متماسكاً، لا يتشتت رغم تنوع الخامات.
الجذر المحلي: استلهامه من كلكامش والأهوار يمنحه أصالة، في زمن يغرق فيه كثيرون في استعارات مستوردة. الانتقال من القاعة إلى الشارع: النصب نقله من فنان معارض إلى فنان مدينة، يجعل من الفن جزءاً من الحياة اليومية.
الرهانات المفتوحة: التحدي الأكبر أمام المبارك هو كيف يحافظ على “الرومانسية المفترضة” دون أن تتحول إلى مثالية ساذجة، قوة مشروعه تكمن في توازنه بين الحلم والنقد، طالما بقي طائر المهلهل يحلق فوق خراب الواقع ولا ينعزل عنه، يبقى المشروع حياً.
خالد المبارك فنان مزدوج اليد: يد تنحت الحجر وتؤسس النصب، ويد ترسم بالحبر والفحم وتبني الغابات. بين اليدين يقف طائر المهلهل، يذكّره بأن الفن مهمته ليست توثيق العتمة، بل اختراقها.